ملخص
الإشكال يبرز عندما تتجاوز بعض التصريحات حدود العمل السياسي إلى الحديث عن معطيات تتعلق بأسرار الدولة أو الأمن القومي.
أصبح نشاط المعارضة التونسية التي اختارت العمل من خارج البلاد أكثر بروزاً في الفترة الأخيرة، مع تواتر التصريحات المثيرة للجدل التي تصدر عنها عبر وسائل إعلام أجنبية، أو من خلال منصات التواصل الاجتماعي. وقد أثار هذا الوضع نقاشاً واسعاً حول مدى مشروعية وتأثير هذه المعارضة، فهل تمثل امتداداً طبيعياً للعمل السياسي والدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، أم أنها تسهم في إضعاف السيادة الوطنية عندما تلجأ إلى ممارسة الضغط عبر الحكومات والمنظمات الدولية؟
يرى نائب الشعب المستقل حليم بوسمة في تصريح خاص أن "جزءاً مهماً مما يقدم اليوم على أنه معارضة تونسية في الخارج، لم يعد يمارس معارضة سياسية وطنية بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل تحول إلى أداة تستغلها بعض الأطراف الأجنبية للضغط على الدولة التونسية والتأثير في قرارها السيادي. فالمعارضة الوطنية تكون بين أبناء الوطن، على أرض الوطن، وتحت سقف مؤسساته وقوانينه، لا عبر المنابر الأجنبية التي اعتادت استهداف تونس والتشكيك في مؤسساتها".
الاستقواء بالخارج
ويواصل حليم بوسمة "نرى اليوم أشخاصاً تقلدوا أعلى المناصب في الدولة بفضل ظروف سياسية معينة، ثم تحولوا إلى مهاجمين دائمين لبلدهم من الخارج. يظهرون في وسائل إعلام معروفة بمواقفها العدائية تجاه عدد من الدول العربية، ويقدمون صورة سوداء عن تونس في كل مناسبة. هؤلاء لم يقدموا مشروعاً سياسياً بديلاً، ولم يقنعوا الشعب ببرامجهم، بل اختاروا طريق الاستقواء بالخارج والرهان على الضغوط الأجنبية".
وأكد أن "من يراهن على العواصم الأجنبية أكثر مما يراهن على شعبه، ومن يسعى إلى التأثير في الشأن الوطني عبر الحكومات والمنظمات الأجنبية بدل الاحتكام إلى إرادة التونسيين، فإنه يفقد جزءاً كبيراً من شرعيته السياسية والأخلاقية"، لافتاً إلى أن "الوطنية لا تقاس بالشعارات، بل بالمواقف، وأول شروطها أن تكون مصلحة تونس فوق كل اعتبار".
وأضاف بوسمة في السياق ذاته، "أما من يريد معارضة السلطة، فليعد لتونس، وليؤسس حزباً أو حركة سياسية، وليقدم برنامجاً اقتصادياً واجتماعياً واضحاً، ثم يتوجه إلى الشعب عبر الانتخابات، هذه هي الديمقراطية الحقيقية". وأردف "أما محاولة الوصول إلى السلطة عبر الضغط الخارجي أو تشويه صورة الدولة في المنابر الأجنبية، فلن تنتجا بديلاً وطنياً، ولن تمنحا أصحابها الصدقية التي يبحثون عنها."
النضال عن بعد
من جانبه، يعتقد المحلل السياسي مراد علالة في تصريح خاص أن "خيار المعارضة في الخارج يمكن فهمه وتفهمه، لكن لا يمكن تبريره أو اعتباره خياراً سليماً، خصوصاً إذا كان اختياراً طوعياً"، وتابع "بالرجوع إلى المبادئ الكونية لحقوق الإنسان وفكرة التضامن الدولي، يمكن استغلال هذه الآليات والاستفادة منها من داخل الوطن، عبر الصمود والتضحية والمقاومة، من دون الحاجة إلى ممارسة النضال عن بعد، كما فعلت قيادات الحركة النقابية وزعماء قوى يسارية تاريخية على رغم تبنيهم للفكر الأممي والمرجعية الإنسانية".
ويواصل علالة "خيار المعارضة من الخارج لا يمس عمق السيادة الوطنية فقط، بل يضرب أيضاً حرية هذه المعارضة واستقلاليتها ومستوى الثقة التي يمنحها لها الرأي العام التونسي، إضافة إلى أن جزءاً مهماً من هذه المعارضة كان في الحكم في مراحل سابقة، وكان بالتالي طرفاً في الأوضاع التي وصلت إليها البلاد. بل إن بعض مكوناتها مارس المعارضة في الخارج قبل عام 2011، ثم عاد لتونس قبل أن يغادرها مجدداً".
ويرى الكاتب الصحافي مراد علالة أن "تقديم هذه المعارضة نفسها باعتبارها البديل السياسي القائم اليوم، قد يثير شيئاً من التعاطف الإنساني، لكنه لا يرتقي بالضرورة إلى مستوى التأييد الشعبي أو الانخراط الفعلي في مشروعها السياسي".
وفي المقابل، يقول علالة إن "تعميق السلطة للمواجهة مع هذه المعارضة والتشدد معها ومحاولة تأليب الرأي العام الداخلي والخارجي ضدها، أو توظيف هذا الملف لتبرير غياب الإنجازات، يمثل سلاحاً ذا حدين"، مفسراً "هذا الأسلوب لا يخدم السلطة بالضرورة مثلما لا يخدم المعارضة، وقد يسهم في تقديم صورة سلبية عن تونس ويفتح المجال أمام حسابات وأجندات خارجية".
ويختم علالة مستخلصاً أن "تبقى معركة الحرية والكرامة والإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي معركة وطنية بامتياز، يجب أن تخاض داخل الوطن ومن أجل الوطن".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
المحافظة على المصالح العليا
من جانب آخر، يرى المحلل السياسي بسام حمدي في تصريح خاص أن "لجوء بعض النشطاء والسياسيين المعارضين إلى الإقامة خارج بلدانهم ومواصلة أنشطتهم السياسية من الخارج، يعد ممارسة سياسية معروفة في تونس وفي عدد من الدول العربية"، مضيفاً أن "هذا الفعل يندرج في إطار حق التعبير عن الرأي والدفاع عن المواقف والتوجهات السياسية والفكرية المختلفة، ما دام ذلك يكون ضمن إطار احترام القانون والضوابط الوطنية والدولية".
وأضاف أن تاريخ الحياة السياسية التونسية، سواء قبل الانتفاضة أم بعدها، شهد وجود معارضين في الخارج واصلوا انتقاد السياسات الحكومية عبر البيانات والتصريحات الإعلامية واللقاءات التلفزيونية، وهو ما يمكن اعتباره جزءاً من العمل السياسي المشروع عندما يقتصر على تقييم الأداء الحكومي وانتقاد السياسات العامة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية.
وأشار حمدي إلى أن الإشكال يبرز عندما تتجاوز بعض التصريحات حدود العمل السياسي إلى الحديث عن معطيات تتعلق بأسرار الدولة أو الأمن القومي، بخاصة إذا صدرت عن مسؤولين سابقين كانت بحوزتهم معلومات ذات طابع أمني أو سيادي. وفي هذه الحالة، يصبح النقاش مرتبطاً بمدى احترام مقتضيات الأمن القومي والمحافظة على المصالح العليا للدولة، وليس فقط بحرية التعبير أو المعارضة السياسية.
كذلك رأى أن بعض التصريحات التي تدلي بها شخصيات سياسية أو مسؤولون سابقون عبر وسائل إعلام أجنبية ذات توجهات معروفة، قد تفسر لدى بعضهم باعتبارها جزءاً من تجاذبات سياسية إقليمية أو محاولات للتأثير في المشهد السياسي الداخلي، خصوصاً عندما تتزامن مع أزمات أو تحولات سياسية تشهدها البلاد.
وأكد حمدي أن من حق أي ناشط أو معارض سياسي، سواء كان داخل تونس أم خارجها، أن ينتقد أداء السلطة وأن يعبر عن مواقفه تجاه الملفات السياسية والاقتصادية والحقوقية، باعتبار أن هذا الحق تكفله الدساتير والمواثيق الدولية المتعلقة بحرية الرأي والتعبير. غير أن ممارسة هذا الحق، وفق تقديره، ينبغي أن تحصل في إطار احترام المصلحة الوطنية وعدم الكشف عن معطيات قد تمس بالأمن القومي أو بالمصالح الاستراتيجية للدولة.
وختم بالقول إن التمييز بين المعارضة السياسية المشروعة وبين الأفعال التي قد تعتبر إفشاء لمعطيات حساسة، يظل مسألة قانونية ومؤسساتية تخضع لتقدير الجهات المتخصصة، مع ضرورة المحافظة في جميع الأحوال على التوازن بين حماية الأمن القومي وضمان الحريات العامة وحرية العمل السياسي.