ملخص
للوهلة الأولى، عند الإشارة إلى وظيفة حارس أمن ترد في الذهن صورة شاب يتحلّى ببنية جسدية قوية وبمهارات تخوّله الدفاع عن المنشآت وحمايتها من التهديدات. في الواقع، في كثير من الأحيان، يكون حارس الأمن في سّن متقدمة، ويتحمل كل الأعباء الجسدية والنفسية المترتبة عن طبيعة هذه الوظيفة على رغم سنّه، لأن ظروف الحياة أرغمته على العمل في مجال يراوح عدد ساعات العمل فيه بين ثماني ساعات و12 ساعة، ويمكن أن يصل أحياناً إلى 16 ساعة، من ضمنها مناوبات في دوام ليلي، في مقابل أجر متدنّ لا يكفي حكماً لتغطية تكاليف المعيشة.
يعمل مئات اللبنانيين في مجال حراسة الأمن فيقومون، بدورهم، في حماية الأرواح والممتلكات ومراقبة المنشآت بأنواعها. وعلى رغم أن هذه الوظيفة تستقطب كثيرين ممن تفرض عليهم ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية العمل في هذا المجال، إلا أن التحديات كثيرة والغوص فيها يكشف عن واقع مرير، سواء لجهة تدني الرواتب بالنسبة إلى غلاء المعيشة، أو في ما يتعلق بطول ساعات العمل وصولاً إلى الضغوط النفسية المستمرة التي يتعرض لها في ظروف العمل من يختار هذا المجال. واللافت أن من يعملون في هذا المجال قد يكونون في العشرينيات من العمر، كما يمكن أن يكونوا في سنّ متقدمة على رغم الأعباء الكثيرة التي يفرضها هذا النوع من العمل، ومن المتوقع أن يفرض ذلك عليهم جهوداً يصعب تحملها في هذه المرحلة العمرية، خصوصاً عندما يفرض عليهم دوام العمل الليلي.
أجر متدنّ والضغوط كثيرة
للوهلة الأولى، عند الإشارة إلى وظيفة حارس أمن ترد في الذهن صورة شاب يتحلّى ببنية جسدية قوية وبمهارات تخوّله الدفاع عن المنشآت وحمايتها من التهديدات. في الواقع، في كثير من الأحيان، يكون حارس الأمن في سّن متقدمة، ويتحمل كل الأعباء الجسدية والنفسية المترتبة عن طبيعة هذه الوظيفة على رغم سنّه، لأن ظروف الحياة أرغمته على العمل في مجال يراوح عدد ساعات العمل فيه بين ثماني ساعات و12 ساعة، ويمكن أن يصل أحياناً إلى 16 ساعة، من ضمنها مناوبات في دوام ليلي، في مقابل أجر متدنّ لا يكفي حكماً لتغطية تكاليف المعيشة.
تتعدد المهام التي تقع على عاتق حارس الأمن، بحسب نوع المؤسسة أو المنشأة التي يتوجب عليه حمايتها. فهو مكلّف بحماية الممتلكات من أي تهديدات، والتأكد من سلامتها عن طريق التحقق من هوية الأشخاص القادمين إليها وتفتيشهم. كذلك يتأكد من حسن سير أجهزة المراقبة والإنذار، ويبلّغ عن أي حوادث أو مواقف يمكن أن تحصل في هذه المؤسسة سواء كانت تجارية أو صناعية أو سكنية أو غيرها، حتى أن دوره قد يتطلب التعامل مع حالات طوارئ مثل الحريق أو الاقتحام أو غيرها، كذلك يكون مسؤولاً عن راحة الزوار والسكان في المباني والعاملين في أي مؤسسة، إضافة إلى أنه قد يكون مسؤولاً عن حماية أمن مطاعم أو فنادق أو مستشفيات أو غيرها. لذلك، في حالات معينة، هي من الوظائف التي تفرض أعباء كثيرة على من يعمل في مجال حراسة الأمن، على رغم الأجر المتدني التي يتلقاه من يعمل فيه والذي لا يكفي لتغطية تكاليف المعيشة المرتفعة في لبنان. لهذا، قد يجد البعض حلاً في البحث عن وظيفة ثانية لتأمين مدخول إضافي، ما يؤدي إلى مزيد من الإرهاق، خصوصاً لمن هو في سنّ متقدمة، إنما في معظم الحالات، تحول ساعات العمل الطويلة في العمل الأمني دون إمكانية العمل في وظيفة ثانية بسبب الإرهاق النفسي والجسدي الذي تؤدي إليه، علماً أن عمل فرد في سنّ متقدمة في مجال حراسة الأمن قد يكون ممكناً في مؤسسات معينة، فيما قد تفرض أخرى مواصفات معينة في حارس الأمن منها أن يكون شاباً نظراً لمتطلبات العمل.
أزمة اقتصادية
يعمل علي في حراسة الأمن من خمس سنوات وقد انتقل إلى هذا المجال بعد أن كان يعمل في مكتب محاماة، لكنه أُرغم على ترك وظيفته السابقة بسبب الأزمة الاقتصادية وما نتج منها من تراجع في أعمال المكتب، وعلى رغم أن انتقاله إلى حراسة الأمن كان موقتاً بالنسبة له عندما اتخذ القرار بذلك، شاءت الظروف أن يستمر فيه سنوات. كذلك فرضت عليه الحروب والأزمات المتكررة في البلاد، ملازمة هذه الوظيفة وعدم التخلي عنها بسبب عدم توافر فرص عمل كثيرة، ولأنه يفضل عدم المخاطرة.
ما يعتبره إيجابياً في عمله هذا، أنه حاز على ترقية في عمله حتى أصبح مشرفاً على حرّاس الأمن وبلغ أجره 850 دولاراً فيما كان لا يتخطى 550 دولاراً. لكن في مقابل هذا الأجر، هو يعمل ساعات طويلة ويصل دوام عمله إلى 12 ساعة ما يعتبر مرهقاً له ويمنعه أصلاً من البحث عن وظيفة ثانية لتأمين مدخول إضافي لأن هذا الأجر لا يكفي لتغطية تكاليف المعيشة وكل ما لديه من مسؤوليات، "يعتبر عملنا مرهقاً فعلاً لأن المسؤوليات كثيرة فيه ونحن لا نعمل في مجال الأمن وحسب، كما يعتقد كثيرون، بل كوننا في مجال أمن المباني، نحن مسؤولون عن تلبية حاجات السكان في مبانٍ ضخمة لها متطلبات كثيرة، ومن واجباتنا تأمين كل ما يلزم للسكان لإرضائهم وتأمين راحتهم على مدار الساعة، وهذا ما يعتبر مضنياً. وعلى رغم أن الأجر متدنّ بالنسبة إلى عدد ساعات العمل، لا يمكنني حتى أن أبحث عن وظيفة أخرى لأن ظروفي عملي لا تسمح لي بذلك أصلاً".
أما عبد الكريم فيعمل في حراسة الأمن منذ نحو ثلاث سنوات، وكان يعمل في مجال المطاعم، لكن بعد الأزمة أرغمته الظروف على السفر إلى السعودية حيث عمل خلال عامين لتأمين مصدر رزق لزوجته وطفليه. لكن لدى عودته، لم تسمح ظروفه المادية أن يفتح مطعماً، وسنحت له فرصة العمل في حراسة الأمن، وهو في هذا المجال منذ ذلك الوقت، بالنسبة له العمل في حراسة الأمن ليس متعباً، بل يكفي أن يعرف الحارس التعامل مع السكان في المبنى بطريقة لائقة وأن يلبي متطلباتهم، لكن المشكلة الأساسية بالنسبة له تدني الأجر، إلى جانب عدم الاستقرار بما أن المبنى سكني ومن الممكن أن تتبدل لجنة السكان ويأتي أشخاص يصرون على تغيير العاملين فيه، إضافة إلى عدد ساعات العمل وهي ثماني ساعات وتصل بالنسبة له إلى 12 ساعة لأنه يحاول بذلك تأمين مدخول إضافي. فمقابل ثماني ساعات يتقاضى 550 دولاراً، فيما يحصل على 650 دولاراً لقاء 12 ساعة من العمل بما أن أجره هذا لا يكفي ليتحمل مسؤولياته ويغطي تكاليف معيشة العائلة ومدرسة طفليه، حتى أنه يفضل أحياناً ألا يأخذ يوم عطلة لتأمين ساعات عمل إضافية وبالتالي مدخول إضافي، وبوجود خدمة توصيل الطلبيات إلى المنازل في المبنى الذي يعمل فيه، يستطيع أيضاً رفع أجره أكثر بعد، فهو لا يوفر فرصة لزيادة المدخول لتغطية نفقات العائلة، وإن كان العمل يرهقه في كثير من الأحيان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وظيفة لها متطلباتها
في السياق، أوضح مدير إحدى شركات حراسة الأمن أن ثمة متطلبات معينة لمن يعمل في حراسة الأمن أبرزها أن يكون لبنانياً قد بلغ سن الـ 18 سنة، وأن يكون سجله العدلي خالياً من أي تهمة سابقة أو جنحة أو سوابق، وأن يكون كامل البنية، ويمكن أن يقرأ ويكتب كحد أدنى، ويتمتع بمظهر لائق، كذلك يطلب منه تأمين إفادة سكن حتى يكون مكان سكنه معروفاً في حال حصول أي مشكلة. لكن بعكس ما يتوقع كثيرون، لا يطلب منه أن يتمتع بمهارات معينة أو بقوة بدنية حتى يُقبل في الوظيفة، لأنه بعد قبوله في الشركة يخضع إلى تدريب يخوّله القيام بمهامه حتى يفي بالمواصفات المطلوبة ويكون قادراً على التعامل مع أي مؤسسة تلجأ إلى حراسة الأمن.
غالباً ما يكون من يباشر العمل في هذا المجال شاباً، وإن كان من الممكن أن يكون في متوسط العمر أيضاً، لكن بطبيعة الحال يمكن أن يتقدم حارس الأمن في السن أثناء وجوده فيها، وهذا لا يكون مبرراً لوقفه عن العمل طالما أنه يقوم بواجبه وملتزم بعمله، "لا يمكن أن يكون السن سبباً لقطع الأرزاق، ويمكن أن يستمر حارس الأمن في العمل طوال سنوات، حتى أنه بالنسبة لمدير الشركة، إن تغيير حارس الأمن باستمرار مكلف للشركة بسبب التدريب الذي يخضع له والزي الصيفي وأيضاً الشتوي الذي يتأمن له مع تغطية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والتأمين لكل من حراس الأمن، فالشركة تتحمل كل التكاليف الخاصة بالحارس، لكن في كل الحالات يفضل أن يختار دوماً من تتراوح أعمارهم بين 20 و35 سنة".
وتابع مدير إحدى شركات حراسة الأمن "تقصد المؤسسات كافة شركات الأمن دوماً وتفضل اللجوء إليها لأنها تؤمن لها حراساً طوال أيام الشهر من دون توقف، وتتحمل كل المسؤوليات، فحارس الأمن يعمل طوال 26 يوماً في الشهر، وهو لا يستفيد من العطل كبقية الموظفين الذين يخضعون لقانون العمل، وإن كانت حراسة الأمن من الوظائف التي تخضع لقانون العمل، أما في الأوقات التي لا يعمل فيها، فتحرص الشركة على تأمين مناوبات، وحل أي مشكلة غياب بما أنه لدينا ثلاث مناوبات كل منها لمدة ثماني ساعات من دوام العمل، وعندما يتغيب عن العمل أحد الحراس، نؤمن عنصراً يناوب مكانه".
تبدو ظروف العمل في حراسة الأمن صعبة وقاسية وهي صارمة أيضاً وتتطلب كثيراً من الجهد في مقابل تدني الأجور التي تتراوح بين 450 و600 دولار بحسب دوام العمل، إلا أن كثيرين تفرض عليهم ظروفهم اللجوء إليها لتأمين مصدر رزق، ومعظم من يلجأون إلى هذا النوع من الوظائف هم من الطبقة المتوسطة وما دون، وهم غالباً من غير المتعلمين الذين لا يحملون شهادات تخوّلهم العمل في مجالات أخرى بنسبة 70 أو 80 في المئة منهم، في وقت الأقلية منهم من المتعلمين وطلاب الجامعات الذين يتقدمون للعمل في هذا المجال بدوام جزئي.
مدخول إضافي
وثمة عناصر في القوى الأمنية الرسمية يلجأون إلى حراسة الأمن للعمل وتوفير مدخول إضافي لهم بسبب تدني أجورهم، وقد أصبحت المؤسسة العسكرية أكثر تهاوناً في هذا الأمر.
وقد يختار البعض العمل في وظيفة ثانية لتأمين مدخول إضافي على رغم صعوبة ذلك بسبب طول مدة ساعات العمل.
ولا ينكر مدير إحدى شركات حراسة الأمن أن ظروف العمل في حراسة الأمن صعبة للغاية ومضنية، وتستوجب الوقوف طوال ثماني ساعات من العمل أحياناً في الخارج، وليس الدوام دائماً في داخل المبنى وهذا ليس سهلاً ويتطلب جهداً بحيث لا تسنح الظروف للحارس أن يستريح، خصوصاً أن ثمة من يشرف عليه بشكل متواصل وهناك معايير صارمة في ذلك، وتكون الظروف أكثر صعوبة بعد في مبانٍ معينة، ومنها ما تفرض شروطاً ومواصفات معينة لحارس الأمن.
إضافة إلى طول ساعات العمل، يزيد الضغط النفسي على حارس الأمن لأنه لا يستفيد من عطل الأعياد ويُرغم على القيام بعمله طوال أيام الأسبوع باستثناء يوم عطلة واحد يستفيد منه، لكن عندما تفرض ظروف الحياة القاسية والظروف المعيشية عليه ذلك، يصبح مرغماً على القيام بهذا العمل من دون تذمر حتى إذا كان في سن متقدمة، ولا تسمح له إمكاناته بالاستراحة في منزله، مهما كان وضعه الجسدي والصحي.
المواصفات بحسب المشروع
لكل مشروع أو مؤسسة مواصفات معينة لحارس الأمن.
في الملاهي الليلية مثلاً لا بدّ من أن تكون البنية الجسدية قوية، ولحارس الأمن في مؤسسات كهذه مقاسات معينة وعمر معين، كما أن ثمة حفلات أو مؤسسات او منشآت تطلب حراس أمن في عطلة نهاية الأسبوع فقط وعندها يكون على الشركة التعويض على الحارس في بقية الأوقات. من جهة أخرى هناك مؤسسات ترفض أن تكون للحارس مثلاً وشوم، ومنها ما يطلب حارس أمن أكثر نضجاً أو في سن متقدمة.
بشكل عام قد تطلب المباني السكنية مواصفات خاصة، فيما يمكن أن تُطلب للفنادق والحفلات والمطاعم مواصفات أخرى لحراس أمن هم غالباً من الشباب الذين يتمتعون ببنية جسدية قوية.
ويشير مدير إحدى شركات حراسة الأمن الأخرى إلى أنه في السنوات الأخيرة بات كثيرون من العسكريين يعملون في هذا المجال، ومنهم من هم من المتقاعدين، ويكون من الواجب تسهيل الأمور عليهم ليتمكنوا من تأمين مدخول لهم للعيش في ظروفهم الصعبة، كذلك هناك من يعملون في هذا المجال ولديهم مهنة حرة تخولهم بذلك، لكن الأصعب يكون حين يصل دوام العمل إلى 12 ساعة أو حتى 16 لدى البعض، مع يوم عطلة واحد، لذلك، تعتبر من الوظائف المرهقة، لكن كثيرين في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد يرغبون بالعمل فيها لأن لا اختيار آخر أمامهم.
كذلك في السنوات الأخيرة، زاد الطلب على حراس الأمن لحماية المباني، حتى أن البعض يطلبون حراس أمن مزودين بالسلاح.
على رغم كل الجهود التي يبذلها حارس الأمن، أياً كان عمره، يعلم الجميع أن هذا الأجر الذي يتقاضاه لا يكفي أبداً لتكاليف المعيشة لأسرة في لبنان. لذلك، يمكن توقع كل الضغوط النفسية التي يتعرض لها من يعمل في هذا المجال، إلى جانب الضغوط الجسدية والإرهاق في عمله هذا.