Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

داخل حياة جنود لبنان... حراس الوطن براتب لا يطعم أولادهم

بسبب الأزمة الأخيرة فقدت رواتبهم نحو 90 في المئة من قيمتها الفعلية

الجندي الذي كان راتبه يؤمن له حياة كريمة لعائلته قبل أعوام، بات اليوم يعجز عن تأمين أبسط الحاجات اليومية (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي)

ملخص

تعيش الأسلاك العسكرية اللبنانية على أمل تحسين أوضاعهم بعد انهيار قيمة رواتبهم إلى 22 في المئة من قيمتها السابقة، فيما تلجأ الحكومات المتعاقبة منذ عام 2020 إلى سياسة "المنح" وبدلات المثابرة والمحروقات والنقل، للحفاظ على ما تبقى من موظفي القطاع العام بأسلاكه المدنية والعسكرية.

في ظروف معقدة، يعيش العنصر الأمني والعسكري الشرعي اللبناني، فهو يفتقر إلى أدنى مقومات الصمود في ظل مسؤوليات كبيرة ملقاة على عاتقهم، إذ تتنوع التحديات التي لا تقتصر على البعد الاقتصادي والاجتماعي، وإنما تتجاوزها إلى مواجهة الأطماع الإسرائيلية جنوب لبنان، ومهمة ضبط الحدود الشمالية والشرقية وإحكام غلق المعابر غير الشرعية، وصولاً إلى مهام حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية وحفظ الأمن الداخلي وتحقيق الاستقرار بفعل انتشار عصابات الاتجار بالبشر والمخدرات، وغيرها من الأعباء الكثيرة داخل بلاد تعاني انهياراً مالياً واقتصادياً.

قيمة الرواتب تراجعت بنسبة 90 في المئة

كنتيجة مباشرة للانهيار المالي، فقدت رواتب الجنود والعناصر الأمنية في لبنان أكثر من 90 في المئة من قيمتها الفعلية، نتيجة الانهيار الحاد في سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي.

فالجندي الذي كان راتبه يؤمن له حياة كريمة لعائلته قبل أعوام، بات اليوم يعجز عن تأمين أبسط الحاجات اليومية من غذاء ودواء ونقل، مما دفع الآلاف من العسكريين إلى ترك الخدمة وحتى ولو فراراً، أو البحث عن عمل إضافي وأكثر خارج دوامهم الرسمي. ومع تفاقم الغلاء وارتفاع أسعار المحروقات والسلع الأساس، أصبح الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية تحدياً حقيقياً.

وعلى رغم الدعم الذي تقدمه بعض الدول والمؤسسات الدولية عبر مساعدات مالية وغذائية وطبية للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي بعضها شهري، فيصل عبر 100 دولار لكل عنصر في الجيش، فإن هذا الدعم يبقى إجراء موقتاً لا يعالج جوهر المشكلة، وهي انهيار الاقتصاد الوطني وتآكل قدرة الدولة على تمويل مؤسساتها.

"لا يمكننا تحمل مزيد"

أرخت الأزمة الاقتصادية التي بدأت عام 2019، ومعها انهارت العملة الوطنية بصورة غير مسبوقة، بظلالها على عناصر المؤسسات الأمنية.

ويشكل العسكر نموذجاً حياً لتلك المعاناة بفعل اضطرارهم إلى الانتقال من مكان إقامتهم إلى مركز الخدمة، بوصفه عبئاً إضافياً على الأعباء الاجتماعية والاقتصادية.

داخل غرفة صغيرة على أطراف البقاع الغربي، يجلس منير (اسم مستعار لعنصر في الجيش فضل عدم الكشف عن هويته)، وهو جندي في الجيش اللبناني منذ أكثر من 10 أعوام، ينظر إلى بزته العسكرية المعلقة على الحائط قائلاً بصوت خافت "كانت هذه البزة تعني لي الشرف… اليوم تعني لي الجوع".

يستيقظ منير عند الرابعة فجراً ليصل إلى ثكنته قبل السابعة، راتبه 25 مليون ليرة لبنانية، أي ما يعادل 270 دولاراً أميركياً، وهو بالكاد يكفي بدل نقل وأساسات حياة متواضعة.

وبكثير من الحزن يعبر "أنا جندي براتب لا يطعم أولادي. زوجتي تعمل في الخياطة، وأحياناً أستدين من إخوتي لأشتري البنزين كي أصل إلى الخدمة".

أخطر من أية معركة

منذ عام 2019، تقلصت قيمة راتب العسكري اللبناني إلى نحو عُشر ما كان عليه قبل الأزمة. ويقول منير إن الشعور بالإحباط بات "أخطر من أية معركة"، ويضيف "نحن نحرس الحدود والمرافئ والمقار الرسمية، لكننا لا نستطيع حماية عائلاتنا من الجوع".

وعلى رغم الدعم المحدود الذي يتلقاه الجيش عبر مساعدات غذائية ومالية من دول صديقة، يؤكد أن المعاناة اليومية لم تتغير كثيراً، فصندوق المساعدات الذي يعرف بـ"الإعاشة" يخفف الضغط، لكنه لا يعيد الكرامة.

حين نسأله عن سبب بقائه في المؤسسة العسكرية على رغم الصعوبات، يجيب بعد صمت طويل "الجيش ليس وظيفة بالنسبة إلي، هو آخر ما تبقى من فكرة الدولة. لو تركناه، من سيبقى؟ كما أن أية مهنة يمكنني أن أتعلم اليوم؟".

في نهاية المقابلة، يخرج منير من جيبه ورقة قديمة مطوية، وهي ورقة راتب له تعود إلى عام 2018، كانت قيمته تعادل مئات الدولارات، وينظر إليها مبتسماً بمرارة "كان راتبنا وقتها يكفي بيتاً وحياة… اليوم لا يكفي فاتورة مولد".

أعمال خاصة وابتعاد من العائلة

يستعرض لؤي بدوره تجربته الخاصة بعد 15 عاماً من الخدمة الفعلية في السلك العسكري، فهو أب لعائلة تضم خمسة أطفال، وأحد العناصر الذين اضطروا إلى البحث عن عمل آخر بسبب عدم كفاية الأجر الذي يتقاضاه من الدولة، راوياً تنقله بين أعمال مختلفة، فقد عمل في مجال رش المبيدات وقيادة سيارة أجرة، وأيضاً في خدمة التوصيل وركن السيارات في المواقف العمومية، وغيرها.

ويقول "اضطررت للبقاء بعيداً من عائلتي في بيروت لأشهر عدة لكي أتمكن من توفير ما تحتاج إليه"، ويصنف نفسه ضمن "الفئة الملزمة بالتضحية في كل شيء لتأمين الحد من المعيشة لأطفاله، وتأمين استمرارية تعليمهم، لأن الدراسة خط أحمر".

ويقضي لؤي فترة طويلة بعيداً من أسرته متنقلاً بين العمل والخدمة العسكرية، مُفتقداً أجواء رمضان والعيد "إذ لا يعطل إلا اليوم الأول من العيد".

في المقابل، لم يستفد سمير (أيضاً اسم مستعار لعنصر في قوى الأمن الداخلي) من "نظام المنح الشهرية بالدولار التي تمولها بعض الدول، لأنه ينتمي إلى سلك خارج إطار الجيش اللبناني، وهو يتخوف من تطبيق القرار بمنع العمل المدفوع خارج إطار الخدمة على سلكه قريباً، أي بمعنى آخر لن يعود بإمكانه العمل في وظيفة أخرى خارج السلك الأمني.

في المقابل، يختصر زاهر وهو عسكري في الخدمة المشهد بالقول إنه يعيش في دوامة الديون، إذ ينتقل من تسديد دين قديم إلى طلب دين جديد لتأمين المصروف إلى نهاية الشهر، مضيفاً "نعيش على الجمعية، وما إن نقبضها حتى ندفعها على دفعات متأخرة".

منير ولؤي وسمير وزاهر، قصص لواقع مرير وصعب يعيشه أفراد الجيش والقوى الأمنية داخل لبنان، فيما آخرون اضطروا إلى نقل أولادهم إلى المدارس الرسمية أو حتى إلى السكن مع العائلة، وهم يأملون في حل جذري لأزمتهم في القريب العاجل، فيما بدا وكأن هذا الانتظار طال أكثر مما توقعوا.

"نحاول جهدنا"

بلغة الأرقام كان راتب العنصر في الجيش اللبناني أو القوى الأمنية اللبنانية، قبل أزمة 2019، يبدأ بالحد الأدنى بنحو 650 دولاراً أميركياً، أما اليوم فقد انخفض هذا الراتب إلى نحو 200 دولار.

في المقابل يحاول مجلس النواب تحسين أوضاع موظفي القطاع العام في السلكين المدني والعسكري من خلال بعض المنح والإعانات التي لا تدخل في أساس الراتب، ولا يستفيد منها العنصر عند احتساب تعويض نهاية الخدمة أو المعاش التقاعدي، على حد تعبير رئيس لجنة الأمن والدفاع النيابية النائب جهاد الصمد، الذي يصف تلك الإجراءات بـ"المسكنات ريثما تقر الدولة اللبنانية سلسلة جديدة من الرتب والرواتب". ويلفت أن "هكذا خطوة تحتاج إلى دراسة معمقة بالتعاون بين وزارة المالية ومجلس النواب، وذلك نظراً إلى الأوضاع المالية لخزانة الدولة والخوف من آثار سلبية لأية خطوة ارتجالية، ناهيك بالعدد الكبير لموظفي القطاع العام المستفيدين من السلسلة والذين تتجاوز أعدادهم بـ200 ألف فرد بين عسكري ومدني، وهم أصبحوا يعيشون في ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة".

يتحدث الصمد عن خطوات متكررة اتخذها مجلس النواب لتحسين أوضاع العسكريين في الخدمة الفعلية والمتقاعدين، وآخرها منحة مالية للمتقاعدين العسكريين.

فرصة عمل للمستقبل

على رغم الأوضاع الصعبة للعناصر العسكرية، تستمر الأسلاك الأمنية والجيش في جذب أعداد كبيرة من أبناء مناطق الأطراف، فيما يقبل أبناء المركز والمدن على المواقع ذات المناصب المرتفعة، فيما لا يزال اللبناني ينظر بأمل إلى مستقبل الوظيفة العامة والضمانات التي يمكن أن تقدمها وتحسين الأوضاع في حال إقرار سلسلة جديدة للرواتب، كتلك التي أقرت عام 2017، قبل نحو عامين من الانهيار الكبير في سعر صرف العملة، التي هوت من 1500 ليرة لبنانية مقابل الدولار الأميركي الواحد إلى نحو 89500 ليرة لبنانية.

ويكشف النائب الصمد "ما زالت الوظيفة العسكرية جذابة لكثر في ظل الأزمة الاقتصادية ومستويات البطالة القياسية، فعلى سبيل المثال تقدم قرابة 35 ألف شاب على دورة أمن الدولة الجديدة التي ستجري لإلحاق 500 عنصر في السلك العسكري التابع للمديرية".

ورداً على سؤال حول تأثير التهديدات الإسرائيلية، بالتالي تأثيرها في نية بعض الالتحاق بالأسلاك العسكرية، يجيب الصمد "لم تؤثر بأية صورة من الصور".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

السكوت لن يدوم

انعكست التهديدات الإسرائيلية المتزايدة على "حراك العسكريين المتقاعدين في لبنان"، الذين يطالبون بدورهم بتحسين أوضاعهم ومعاشاتهم التقاعدية، ونفذوا تحركات خلال الفترة الماضية قبل أن ينسحبوا "موقتاً" من الشارع، كما يقولون، بسبب الظروف الوطنية الأكبر وضرورات الأمن القومي وأولوية مواجهة التهديد الخارجي، حسب العميد المتقاعد جورج نادر، الذي يقول "ماذا ستكون ردة الفعل على حراك يطالب بزيادة 100 دولار أميركي إضافية في ظل خطر وجودي بسبب العدوان الإسرائيلي".

ويلفت إلى أن "حراك العسكريين دخل في مرحلة ربط نزاع مع الدولة، ولكن سرعان ما سيعود إلى الشارع قريباً في ظل إصرار الحكومة على المماطلة في حسم ملفهم.

يوضح العميد المتقاعد أن "العسكري يتقاضى اليوم بين 20-22 في المئة من أصل الأجور التي كان يتقاضاها في السابق، فمن كان يتقاضى 1000 دولار أميركي في السابق، تجده اليوم يقبض بين 240-270 دولاراً أميركياً فقط". وهذا ينسحب على تعويضات نهاية الخدمة والمعاشات التقاعدية التي يحصل عليها الضابط عندما يبلغ السن القانونية الذي يختلف على ضوء الرتبة، فالعميد يتقاعد عند بلوغ 58 سنة، والعقيد في سن 56، أما المقدم فيتقاعد عند بلوغ 54 سنة. ولكن المفاجأة عندما نقارن تلك التعويضات مع المبالغ التي كان يتقاضاها الضابط في السابق، مؤكداً "هناك بعض العمداء تقاضوا أخيراً تعويضاً عاماً بلغ 6 آلاف دولار وهو لا يكفي لإجراء عمل جراحي بعد 35 عاماً من الخدمة الفعلية"، مشدداً على وجود مظلومية تطاول جميع موظفي القطاع العام وتحديداً العسكر الذين يمنعهم القانون من ممارسة عمل آخر، على رغم غض البصر خلال فترة سابقة، و"هذا ما شكل مساساً في معنويات العنصر العسكري الذي يعمل رهن أمر صاحب عمل آخر إلى جانب الدولة، وأصبح لديه ولاء آخر".

يجزم نادر أن "مطلب العسكريين بسيط للغاية، فهم يريدون إعادة الأجور إلى مستوى أول 50 في المئة من أجورهم الأصلية، لكي يعودوا إلى عيش الحد الأدنى من الحياة الكريمة"، وقال "العسكريون يقدرون ويعترفون بأوضاع الدولة والخزانة، ولكنهم يحتاجون إلى تحسين أوضاعهم". وهم كانوا اقترحوا فرض ضرائب على الأملاك البحرية والبرية العامة، واستعادة الدولة حقوقها المنتهكة، والتهرب الضريبي في المرافئ البرية والجوية، والتي تؤمن عائدات كبرى للدولة وتكفي لتمويل سلسلة الرتب والرواتب، داعياً موظفي القطاع العام والإدارة العام إلى مشاركة العسكريين في تحركاتهم الميدانية.

تحسين الأوضاع أولوية

تشكل الأوضاع الاقتصادية عبئاً على العناصر في الخدمة الفعلية، وشهد لبنان خلال أعوام من الانهيار المالي ظاهرة "الفرار" وعدم الالتحاق بمراكز العمل، وتقديم الاستقالات والطرد.

ويعتقد الباحث العسكري العميد المتقاعد أندريه بو معشر أن "تحسين الأوضاع المالية عامل أساس في رفع معنويات العسكري وخروجه من حالة القلق على عائلته، وتحفيزه لأداء مهامه في مواجهة التهديدات، على رغم وجود الإرادة والاستعداد والتدريب لدى المؤسسة العسكرية اللبنانية القادرة على القيام بجميع المهام المطلوبة منها"، لافتاً إلى "شعور بالغبن والخيبة لدى العسكري عندما يرى تحسين أوضاع كثير من الأسلاك المدنية المحظية، وبعض شرائح الإدارات العامة"، متسائلاً "في حال إعلان الاستنفار أو حال التقاعد في لبنان، هل هناك قدرة لدى العناصر كافة على الالتحاق أم الأوضاع المالية ستؤثر في شريحة واسعة منهم؟".

ويلفت النظر إلى اضطرار نسبة كبيرة من العناصر إلى اللجوء لعمل آخر من أجل تأمين دخل إضافي بفعل خسارة رواتبهم لقيمتها و"وضعهم في موقع الخيار بين العمل في القطاع الخاص أو المغادرة للالتحاق بالمؤسسة الرسمية"، متحدثاً عن "سياسة الترقيع" التي تظهر على صورة معونة زهيدة غير كافية لتأمين معيشة أيام عدة إضافية، والتي لا تدفع بصورة دورية ومنتظمة.

ويتطرق إلى وجود محاولات لـ"حل ملف الفارين والمنقطعين عن الخدمة"، معبراً عن أمله بـ"إعادة العناصر الراغبة لأن انقطاعهم لم يكن بقرار منهم والهرب من الحرب والخيانة، وإنما بسبب الظروف القاهرة بفعل الوضع الاقتصادي السيئ. ويمكن دراسة الملفات إدارياً ومسلكياً ومنحهم حق الخيار".

ويتحدث عن وضع المتقاعدين الذي تتجاهلهم الخطط الحكومية، وتقتصر بنود إعانتهم على "الفتات" بعد توزيع المنح والإعانات على أبواب باقي موظفي القطاع العام في الخدمة الفعلية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير