Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حان الوقت لمواجهة تنمر إيلون ماسك

أصبح مالك "سبيس إكس" أول شخص في العالم تبلغ ثروته تريليون دولار ويتمتع بنفوذ أكبر من أي وقت مضى لكن الوقت حان كي تحاسب الحكومة عمالقة التكنولوجيا حفاظاً على سلامتنا جميعاً

قد تحرص بريطانيا على خطب ود هذه الشركات، خصوصاً في مجال الذكاء الاصطناعي لكن أضرارها بالبلاد والمجتمع تفوق استثماراتها (أ ف ب/ غيتي)

 

ملخص

تحولت منصة "إكس" إلى أداة لتأجيج الغضب ونشر دعوات الاحتجاج والعنف عقب هجوم بلفاست، فيما كشفت الأحداث حجم النفوذ الذي باتت تمارسه شركات التكنولوجيا على السياسة والمجتمع. وتواجه الحكومة البريطانية اختباراً حاسماً بين الاستمرار في استرضاء عمالقة التكنولوجيا طمعاً في استثماراتهم، أو فرض قواعد صارمة تحد من التحريض والمحتوى غير القانوني وتحمي المجتمع.

لم يكن التناقض الحاد الذي تجلى هذا الأسبوع جديداً. فبينما كانت "بي بي سي" ومحطات البث الرئيسة تتعامل بحذر شديد مع عرض لقطات هجوم الطعن في بلفاست، فلا تبث الجزء الأكثر فظاعة من المقطع وتنتقي بعناية كلمات تعليقها، لم يكن لدى وسائل التواصل الاجتماعي أي تحفظ مماثل.

سارع إيلون ماسك إلى التحرك عبر منصته "إكس"، فنشر المقطع وقائمة بأماكن في أنحاء المملكة المتحدة لتنظيم احتجاجات حاشدة، وقال لمتابعيه، البالغ عددهم 240 مليوناً حول العالم، إن "التظاهر بصورة متكررة وبصوت عالٍ هو السبيل الوحيد لإحداث أي تغيير!!". كذلك أعاد نشر ادعاء مات غودوين، من حزب "ريفورم"، أن السبب هو "سياسة متعمدة للهجرة الجماعية غير المنضبطة والحدود المفتوحة". ودخل الناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون على الخط هو الآخر، داعياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى تحرك مباشر.

أما روبرت لوي، زعيم حزب "استعادة بريطانيا" والمدعوم من ماسك، فتعهد في مقطع على "يوتيوب" بأن يبدأ حزبه عمليات ترحيل جماعية ويعيد العمل بعقوبة الإعدام لردع الهجمات التي يرتكبها من وصفهم بـ"البرابرة". وسرعان ما انتشرت عبر "واتساب" رسائل من حسابات مجهولة تدعو الرجال الذين تبلغ أعمارهم 18 سنة فما فوق في إيرلندا الشمالية إلى "الاستعداد للقتال أو للاعتقال".

كان ذلك إيذاناً بمشاهد صادمة توالت ليلاً في بلفاست، إذ طرد رجال ملثمون عائلات من منازلها ثم أضرموا النار في تلك المنازل.

ورداً على أعمال العنف الجماعي المنظم، توالت الإدانات من سياسيين ومعلقين لتدخل ماسك في السياسة البريطانية. وقالت وزيرة التكنولوجيا ليز كيندال إن الحكومة ستسن تشريعات تقلص المدة المتاحة أمام منصات التواصل الاجتماعي لإزالة المحتوى غير القانوني. وأين نشرت كيندال رسالتها؟ على منصة "إكس" المملوكة لماسك.

وفي نهاية الأسبوع، طُرحت في البورصة مجموعة "سبيس إكس" التابعة لماسك، التي تجمع تحت مظلتها أنشطة الرحلات الفضائية والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، بقيمة بلغت 1.75 تريليون دولار، ليصبح بذلك أول تريليونير في العالم.

المفارقة أنه في الوقت الذي كان مثيرو الشغب يضعون أقنعة على وجوههم ويرمون قنابل مولوتوف حارقة، كان خبير في سياسات التكنولوجيا من حزب "العمال" يعبر بحماسة خلال عشاء عمل في لندن، عن مدى تطلعه إلى القمة المقبلة للأمم المتحدة في شأن حوكمة الذكاء الاصطناعي.

وقد أثار كلامه نظرات حائرة بين مستمعيه، الذين نظروا مرة ثانية، بل لنقل ثالثة، من شدة الدهشة. أولاً، لأنه ذكرهم، في خضم حرب الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران، بأن الأمم المتحدة لا تزال موجودة. وثانياً، لأن هذا أول اجتماع من نوعه تعقده الأمم المتحدة، على رغم أن هذه التكنولوجيا موجودة منذ أعوام وتحقق تقدماً هائلاً. وثالثاً، لأنه يستحيل تصور حدوث أي أمر ذي مغزى أو التوصل إلى اتفاق من دون تعاون القوتين التكنولوجيتين العظميين، الولايات المتحدة والصين، كذلك يصعب تصور أن يشارك البلدان فيها بحماسة.

بل ثمة سبب رابع للدهشة، وهو أن عمالقة الشركات في مجالي الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا أغنى من كثير من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وهذا يعني حتماً أنها تستطيع ممارسة الضغط السياسي، واللجوء إلى القضاء، والتهديد بسحب استثماراتها ووقف دعمها المالي متى شاءت.

 

ويسلط ذلك الضوء بوضوح على مفارقة متكررة أخرى، تتمثل في خضوع دول عدة، من بينها بريطانيا، لهذه الشركات وخطب ودها، وسعيها بقلق إلى استقطاب أموالها وأعمالها، وبذل كل ما في وسعها لجعلها تشعر بأنها موضع ترحيب، فيما يواجه صانعو السياسات في الوقت نفسه صعوبة في إخضاعها للقواعد. ويُعد تخبط الحكومة في شأن حظر وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون الـ16 مثالاً آخر على ذلك.

وبعدما رأينا بأعيننا إلى أي حد يمكن أن تنفلت الأمور - مع احتمال وقوع مزيد من الاضطرابات وحوادث التجمهر الخاطفة، كاقتحام حشود لمتاجر ونهب رفوفها، وذلك عبر حملات يتم تنظيمها بالكامل عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال أشهر الصيف المقبلة - يبدو أننا وصلنا بالتأكيد إلى مرحلة يتعين فيها الكف عن التردد. إن الاستخفاف الذي أظهرته هذه الشركات تجاه أحداث بلفاست، والرعب الذي أثاره ما نُشر من مقاطع فيديو، من المفترض، لا بل ينبغي، أن يمنحنا صورة كاملة عما نحتاج معرفته.

لقد شهدنا من قبل إساءات وملاحقات عبر الإنترنت دمرت حياة أشخاص، بل قادت بعضهم إلى الانتحار، إلى جانب نشر محتوى ضار وغير قانوني، والترويج لمواد ومنتجات محظورة، وغير ذلك كثير. ولا بد أن يأتي وقت يقول فيه المجتمع: كفى. وبالنسبة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، فقد حان هذا الوقت الآن.

وفي وقت كان مالك منصة "إكس" نفسه ينشر ويعيد نشر محتوى تحريضياً لغودوين وروبنسون وأمثالهما، بدا تحذير "أوفكوم" من استخدام المنصة لإثارة الكراهية والتحريض على العنف ضعيفاً وبلا أثر. ولم يفعل سوى كشف الفارق الهائل في القوة بين شبكات التواصل الاجتماعي والسلطات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن "أوفكوم" والحكومة البريطانية يملكون بالفعل أدوات التحرك والردع. وبوسعهم اتخاذ إجراءات حازمة، وإن كانوا قد أحجموا حتى الآن عن فعل ذلك، كما يستطيعون التحرك سريعاً، وإن لم يُعرف عنهم مثل هذا التحرك. عمالقة التكنولوجيا لا يضيعون الوقت، وعلى الحكومات، وهذه الحكومة تحديداً، أن تغير أسلوبها وتجاريهم في سرعتهم.

وإن أدى ذلك إلى تعرضنا لتهديداتهم، فليكن. فقد تنفذ هذه الشركات وعيدها وتسحب استثماراتها، وهذه مخاطرة لا بد من قبولها. لكن الحزم معها قد يعيدها، ولو من باب الاحتمال، إلى رشدها، ويدفعها إلى إدراك الطريق الذي تقودنا إليه.

قد تكون الحكومة حريصة على كسب ود هذه الشركات وخائفة من خسارته، ولا سيما في ما يتصل بمستقبل الذكاء الاصطناعي، لكن ما تلحقه بالبلاد والمجتمع من ضرر يفوق بكثير ما تضخه من أموال. ثم إن هذه الصفقات نادراً ما تكون بالحجم الذي توحي به عناوينها، إذ يكشف التدقيق في تفاصيلها غالباً عن التزامات أقل بكثير من الأرقام المعلنة.

وإذا كان ذلك سيغضب إيلون ماسك ونظراءه في قطاع التكنولوجيا، فليكن. فبريطانيا تتعرض اليوم للتلاعب، شأنها شأن دول أخرى، لكن ما يعنينا ويعني حكومتنا هو ما يحدث في بريطانيا. ولا جدوى من انتظار هذه الشركات حتى تفرض الرقابة على نفسها؛ فقد جُرّب ذلك من قبل ولم يترك أثراً يُذكر، ولا من انتظار الأمم المتحدة حتى تتفق وتتحرك. وفي بريطانيا، يجب أن يضع ما حدث خلال الأسبوع الفائت حداً لهذا النهج.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من آراء