Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أسرار تصدعات هزت نظام القذافي عام 1994 من دون إسقاطه

الخلاف المستمر بين الزعيم الليبي الراحل وعبدالسلام جلود أدى إلى تضييق قاعدة مؤيديه وزيادة اعتماده على الأجهزة الأمنية

العام الـ25 من حكم القذافي اتسم بما وصفته الوثيقة بالفشل شبه الكامل في مختلف مجالات النشاط 

ملخص

ذكرت الوثيقة أن حملات التطهير التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة في أكتوبر (تشرين الأول) 1993 ضد الأشخاص المتورطين فيها، أو الذين عدوا غير جديرين بالثقة، خلقت حالاً من العداء، ولا سيما داخل قبيلة ورفلة ذات الأهمية الكبيرة، وأدى الخلاف المستمر بين القذافي وعبدالسلام جلود، الرجل الثاني في النظام، إلى تضييق قاعدة التأييد التي يستند إليها.

تستند هذه الوثيقة إلى تقرير بريطاني أعده الدبلوماسي باسل إيستوود، من إدارة البحث والتحليل في وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث البريطانية، ضمن سلسلة المراسلات والتقارير الدبلوماسية السنوية الخاصة بليبيا، وتحمل الوثيقة المرجع الأرشيفي (FCO 160/339)، وهي محفوظة ضمن مقتنيات "الأرشيف الوطني البريطاني" في لندن بعنوان "المراسلات الدبلوماسية لعام 1995"، وتغطي الفترة الممتدة من الأول من يناير (كانون الثاني) وحتر الـ31 من ديسمبر (كانون الأول) 1995.

شغل إيستوود مناصب في السعودية وسريلانكا ومصر وألمانيا والسودان، إذ عُين رئيساً لـ "دائرة الشؤون الدبلوماسية" عام 1984، وشغل منصب سفير بريطانيا لدى سوريا بين عامي 1996 و 2000، ولدى الاتحاد السويسري من عام 2001 إلى 2004.

وتقدم الوثيقة البريطانية تقييماً شاملاً للأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في ليبيا عام 1994، مع تركيز خاص على تداعيات "قضية لوكربي" وانعكاساتها على علاقات ليبيا الخارجية، إضافة إلى تقييم وضع نظام العقيد معمر القذافي داخلياً ومستوى استقراره السياسي، وطبيعة علاقاته الإقليمية والدولية، في ظل استمرار العقوبات الدولية والعزلة السياسية التي كانت تواجهها البلاد آنذاك.

 

وتكتسب هذه الوثيقة أهمية خاصة بوصفها تعكس تقديرات وتحليلات وزارة الخارجية البريطانية للأوضاع الليبية خلال مرحلة مفصلية من تاريخ النظام الليبي، وتكشف عن رؤية الدوائر الدبلوماسية البريطانية لموازين القوى الداخلية والخارجية التي أحاطت بليبيا خلال منتصف تسعينيات القرن الـ20.

في الـ25 من يناير عام 1995 أعدّت إدارة البحث والتحليل في وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث البريطانية مراجعتها السنوية للأوضاع في ليبيا خلال عام 1994، ورفعتها إلى وزير الخارجية البريطاني دوغلاس هيرد، وخلصت إلى أن "قضية لوكربي" استمرت في الهيمنة على علاقات ليبيا الخارجية طوال العام، إذ لم تظهر أية مؤشرات على استعداد العقيد معمر القذافي لتسليم المشتبه فيهما بالقضية، ولجأت السلطات الليبية بدلاً من الامتثال لمطالب الأمم المتحدة إلى اتباع أساليب وصفتها الوثيقة بأنها تحويلية، ومحاولات لإحداث انقسامات بين الأطراف الدولية المعنية، لكنها أخفقت في إيجاد مخرج للأزمة.

وأكدت الوثيقة أن القذافي حافظ على علاقته بالرئيس المصري حسني مبارك، وشهدت العلاقات الليبية مع تشاد تحسناً ملاحظاً، إلا أنه واصل معارضته لعملية السلام العربية - الإسرائيلية، واستمر في توثيق علاقاته مع كل من إيران والسودان.

وكذلك رأت الوثيقة أن ضعف المشاركة الدولية في احتفالات الذكرى الـ25 للثورة الليبية عكس حال العزلة والتهميش التي أصبحت تعانيها ليبيا على الساحة الدولية، مشيرة إلى أن القاعدة التي يستند إليها القذافي داخلياً أصبحت أضيق مما كانت عليه في السابق، وأن اعتماده على الأجهزة الأمنية والاستخباراتية ازداد تبعاً لذلك، لكنه ظل ممسكاً بزمام السلطة.

وسجلت الوثيقة تراجع الصادرات البريطانية إلى ليبيا مع بقائها عند مستوى 148 مليون جنيه إسترليني، وانتهت إلى عدم وجود ما يدعو إلى الاعتقاد بأن القذافي لن يتمكن من البقاء في السلطة خلال عام 1995.

 

وذكرت الوثيقة البريطانية في مقدمها أن العام الـ25 من حكم القذافي اتسم بما وصفته بالفشل شبه الكامل في مختلف مجالات النشاط، إذ لم يتمكن من إيجاد مخرج لـ "قضية لوكربي"، واضطرت ليبيا إلى الاستمرار في تحمل تبعات العزلة الدولية، غير أنه احتفظ بسيطرته الداخلية بفضل أجهزة الأمن التابعة له.

وكشفت الوثيقة أن "قضية لوكربي" واصلت هيمنتها على السياسة الخارجية الليبية طوال عام 1994، إذ أمضت السلطات الليبية ذلك العام في طرح مبادرات مختلفة، هدفت إلى تحويل مسار القضية عبر اقتراحات لإجراء المحاكمة في أي مكان، باستثناء اسكتلندا أو الولايات المتحدة، واعتبرت طرابلس أن اقتراح إجراء المحاكمة في مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي كان مفيداً لها، لأنه أثار قدراً كبيراً من التعاطف، خصوصاً في أوساط دول العالم الثالث.

وبدا لمستشاري القذافي، وفقاً للوثيقة، أنهم لا يزالون يعتقدون بإمكان تحقيق مكاسب من خلال محاولة تعميق الخلافات بين الولايات المتحدة، التي اعتبروها عدائية بصورة لا رجعة فيها، وبين فرنسا وبريطانيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتبيّن الوثيقة أن أحداث عام 1994 لم تؤد إلى أي تغيير في قناعة القذافي بأن التنازل في "قضية لوكربي" أكثر خطورة عليه من الاستمرار في الرفض، ولذلك لم تظهر في نهاية العام أية مؤشرات تدل على أن احتمالات تسليم المشتبه فيهما للمحاكمة في اسكتلندا أو الولايات المتحدة أصبحت أكبر مما كانت عليه في بدايته.

وذكرت الوثيقة أن ضعف الحضور في احتفالات الذكرى الـ25 للثورة كشف بوضوح عزلة ليبيا وتراجع أهميتها في عالم سريع التغير، إذ لم يحضر المناسبة سوى خمسة رؤساء دول، مقارنة بـ19 رئيس دولة شاركوا في احتفالات الذكرى الـ20 عام 1989، وعكست محاولات القذافي الدعوة إلى عقد قمة عربية هذا الواقع، بعدما قوبلت مبادراته بالرفض بدرجات متفاوتة من المجاملة الدبلوماسية.

 

وأكدت الوثيقة أن ليبيا واصلت، بحسب التوصيف البريطاني، انتماءها إلى ما سمي "نادي الدول المنبوذة في الشرق الأوسط"، من خلال استمرار علاقاتها الجيدة مع إيران، وتحسين علاقاتها مع السودان، واستمر القذافي في معارضة عملية السلام العربية - الإسرائيلية، ووجّه انتقادات حادة للفلسطينيين والأردنيين المشاركين فيها، وسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية على حساب الفلسطينيين المقيمين في ليبيا، وفي مارس (آذار) من ذلك العام استضاف ممثلين عن "منظمة أبو نضال" وجماعات فلسطينية أخرى، وُصفت في الوثيقة بأنها إرهابية ورافضة للتسوية.

وأشارت الوثيقة إلى أن شركاء ليبيا في اتحاد المغرب العربي امتنعوا مرة أخرى من اتخاذ أية خطوات من شأنها التخفيف من مأزقها الدولي، وأن السلطات الليبية لم تبذل جهوداً تذكر لتحسين علاقاتها مع تونس، وفي المقابل أظهر القذافي قدراً من البراغماتية من خلال المحافظة على علاقته بالرئيس المصري حسني مبارك، الذي اعتبرته الوثيقة جهة اتصاله المنتظمة الوحيدة مع العالم الخارجي، ووصفته بالعاقل والمؤثر، وكذلك زارت رئيسة الوزراء التركية تانسو تشيلر ليبيا، ويبدو أن هدف الزيارة كان ثني القذافي عن مواصلة دعمه للنزعة القومية الكردية، إضافة إلى المطالبة بسداد الديون المستحقة للشركات التركية العاملة في ليبيا.

وذكرت الوثيقة أن أحد التطورات الإيجابية في السياسة الخارجية الليبية تمثل في استعادة العلاقات الجيدة مع تشاد، بعد قبول ليبيا بهدوء حكم "محكمة العدل الدولية" في شأن "شريط أوزو"، غير أن الوثيقة رأت كذلك أن النتيجة النهائية، والمتمثلة في الانسحاب الليبي من المنطقة، كان بالإمكان تحقيقها قبل أعوام عدة.

أما في الشأن الداخلي فذكرت الوثيقة أن القذافي تجاوز عام 1994 من دون أن يواجه محاولات جادة للإطاحة به، لكن حملات التطهير التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1993 ضد الأشخاص المتورطين فيها، أو الذين عُدوا غير جديرين بالثقة، خلقت حالاً من العداء، ولا سيما داخل قبيلة ورفلة ذات الأهمية الكبيرة، وأدى الخلاف المستمر بين القذافي وعبدالسلام جلود، الرجل الثاني السابق في النظام، إلى تضييق قاعدة التأييد التي يستند إليها.

وأشارت الوثيقة إلى أن القذافي أصبح أكثر اعتماداً من أي وقت مضى على أجهزة الاستخبارات والأمن، لكنها رأت في الوقت نفسه أن المعارضة الداخلية تحتاج إلى أعوام طويلة قبل أن تستعيد قدرتها على تنظيم محاولة جديدة لإبعاده من السلطة.

 

وذكرت الوثيقة أن المعارضة الخارجية ظلت ضعيفة وغير مؤثرة، وأن القذافي امتنع، لأسباب غير واضحة، من اتخاذ إجراءات ضد المعارضين المقيمين في الخارج، وذلك على رغم المخاوف التي سادت عقب اختطاف أحد أبرز المعارضين من القاهرة أواخر عام 1993.

وتقول الوثيقة البريطانية إن الاقتصاد الليبي كان يمر بمرحلة متزايدة من التدهور، لكن السبب الرئيس لذلك لم يكن العقوبات الدولية، بقدر ما كان سوء الإدارة وانخفاض أسعار النفط، ورأت أن العقوبات المحدودة المفروضة على ليبيا ظلت مزعجة أكثر منها مدمرة، إذ بقيت المتاجر الليبية مملوءة بالسلع على رغم ارتفاع الأسعار، ولم تظهر مؤشرات على استياء شعبي واسع النطاق بسبب مستويات المعيشة.

وفي إطار العلاقات الثنائية مع المملكة المتحدة، أوضحت الوثيقة أن ليبيا ظلت سوقاً مهمة للصادرات البريطانية، على رغم غياب العلاقات السياسية الطبيعية بين البلدين، وبلغت قيمة الصادرات البريطانية حتى نهاية سبتمبر (أيلول) عام 1994 نحو 148 مليون جنيه إسترليني، بانخفاض يزيد قليلاً على الخُمس، مقارنة بالفترة نفسها من عام 1993، واستمرت الجالية البريطانية المقيمة في ليبيا، والتي وصفتها الوثيقة بأنها كبيرة نسبياً، في ممارسة أعمالها من دون مضايقات.

ورجحت الوثيقة البريطانية في تقديرها للمستقبل أن عام 1994 لم يقرّب تسوية "قضية لوكربي"، وأن القذافي سيواصل الاعتقاد بأن الأخطار المترتبة على تسليم المشتبه فيهما إلى بريطانيا أو الولايات المتحدة تفوق المكاسب المحتملة من ذلك، ما لم يجر تشديد العقوبات بصورة كبيرة، ولذلك توقعت أن تقضي ليبيا العام التالي في حال من العزلة الدولية المستمرة، وأن يؤدي رفضها مسار السلام في الشرق الأوسط إلى تعزيز عزلتها وتهميشها.

وختمت الوثيقة تقييمها بالإشارة إلى أن ليبيا ستكون على الأرجح قادرة على التعايش مع الصعوبات الناجمة عن العقوبات، وأنه ما دامت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية باقية على ولائها للقذافي، فلا يوجد سبب يدعو إلى الاعتقاد بأنه لن يتمكن من البقاء في السلطة خلال عام 1995، مثلما تمكن من البقاء طوال ربع القرن السابق على رغم ما شهده من اضطرابات.

وأوضح باسيل إيستوود في تقريره أنه أرسل نسخاً من هذه البرقية إلى السفراء البريطانيين في واشنطن وباريس وروما والقاهرة والجزائر وتونس، وكذلك إلى بعثة المملكة المتحدة لدى الأمم المتحدة في نيويورك.

المزيد من وثائق