Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"لا نخنوخ بعد اليوم"... عندما تنافس كأس العالم فضائح الكبار في مصر

لم يحظ إعلان القبض على نخنوخ بقدر من التفاعل الشعبي مثلما يحدث مع وقائع يومية اجتماعية أقل صخباً ومع شخصيات مغمورة

برز اسم صبري نخنوخ فجأة قبل أعوام قليلة في المجتمع المصري (صفحة نخنوخ على فيسبوك)

ملخص

قضية نخنوخ من ألفها إلى يائها لا تفتقد الإثارة، ورغم ذلك بقي اهتمام المصريين "دون المستوى" المتوقع في حوادث وقضايا وفضائح وأزمات مثل القبض على فتيات "تيك توك" "حماية لقيم الأسرة المصرية" وحرب غزة وحوادث التحرش وفوز الزمالك وحرب إيران وقرارات تقليص الدعم والحلقة الأخيرة من برنامج "دولة التلاوة" ورفع أسعار المحروقات والزوج الذي ذبح زوجته وإغلاق مضيق هرمز والزوجة التي خنقت زوجها وافتتاح المونوريل، ودائماً وأبداً كلفة المعيشة.

بحجة الأرقام وبرهان البيانات، ينشغل المصريون في أوقات السلم والحياة العادية بالبطولات الكروية فوزاً وخسارة، وأسعار الذهاب صعوداً وهبوطاً، ودرجات الحرارة سخونة وبرودة، ومواعيد القطارات وباصات النقل العامل تعديلاً وإلغاء وتأكيداً، ومستوى صعوبة الامتحانات ابتدائية وإعدادية وبالطبع ثانوية، لا سيما العامة، إضافة إلى توليفة القبض على فتاة "تيك توك" "حفاظاً على قيم الأسرة المصرية"، أو متابعة حادثة تحرش المتهمة فيه الضحية التي وُجدت في محيط المتحرش في ظرف لا يناسب حالته الهرمونية أو النفسية، أو جراح قلب لم يقترب من كلية الطب وتسرب من كلية الألسن وعالج آلاف المرضى، وأسعار الوقود والسجائر والبيض والدجاج سواء بسبب قرارات حكومية تصب في مصلحة الاقتصاد، أو بتفتقات ذهنية صادرة عن أحدهم تقلب موازين النظام الغذائي والعلاج الدوائي.

وبحجة وبرهان الأرقام والبيانات نفسها، تفسح هذا القائمة المجال لقضايا مثل الحروب والصراعات، لا سيما المجاورة أو المؤثرة في الداخل المصري أو المدغدغة لمشاعر دينية، وذلك لبعض الوقت حيث التعاطف والاهتمام والمتابعة. وحين يخفت الاهتمام لطول مدة الصراع، أو ينتهي بانتهائه، يعودون أدراجهم إلى قوائمهم المعتادة من بطولات كروية وأسعار ذهب ودرجات حرارة وحوادث مثيرة.

فئة ثالثة من القضايا التي تثير المشاعر، وتجذب الاهتمام، وتحفز قرون الاستشعار يمكن تسميتها "حوادث الكبار". تتداخل في هذا النوع من القضايا توليفة من التناقضات العصية على الفهم والمناهضة للمنطق. فهي مثيرة لأنها تتعلق بأسماء شخصيات عامة أو تمكنت من أن تكون عامة لأسباب غامضة أو مثيرة للشك أو مفهومة، لكن غير منطوقة.

وعادة تكون تفاصيلها الدقيقة وملابساتها المثيرة غير متوافرة، لكنها في الوقت نفسه غارقة في تخمة رهيبة من "قيل" السوشيال ميديا، و"قال" أحدهم مع بقائه مبهماً مجهلاً. كما أنها تتحوّل في خلال سويعات معدودة من قضية كبرى إلى مادة ترفيهية، إذ تتعامل معها الجموع الغفيرة بدافع التسلية مع قليل من الاهتمام بالشأن العام، وبغرض معرفة ما يجري وراء الأبواب المغلقة، لكن من دون المطالبة بفتحها أو كشفها لعلم يقيني إنها ستظل موصدة. وأغلب هذا النوع من القضايا له دورة حياة، حيث يظهر بناء على تراكمات وملاحظات وتلميحات، ثم يمر بفترة هدوء وترسيخ أقدام، وبعدها يجري التعامل معه باعتباره أمراً واقعاً، وفجأة يحدث ما لم يكن في الحسبان، إذ تتفجر فضيحة أو أزمة أو قضية أو خبر إلقاء قبض على أحد "الكبار".

اهتمام لكن بحساب

خبر إلقاء القبض على رجل الأعمال المصري صبري نخنوخ، الذي برز اسمه فجأة قبل أعوام قليلة، رغم نشاطه المكثف في سنوات حكم الرئيس السابق الراحل محمد حسني مبارك. الظهور المدوي كان في عام 2012 حين ألقي القبض عليه بتهم تتعلق بحيازة أسلحة وذخائر وحيوانات مفترسة والاتجار في مواد مخدرة. وقال وقتها عن نفسه إنه كان "يساعد" في سير العملية الانتخابية في الدوائر التي يمتلك فيها نفوذاً وسطوة، "وذلك لخدمة الرئيس (السابق) والدولة".

وجرى الحكم عليه بالمؤبد في العام التالي، بعدها بخمسة أعوام، خرج بعفو رئاسي. ومنذ ذلك الحين، واسمه يظهر على السطح حيناً مرتبطاً بقيل وقال هنا أو هناك، ثم يخفت، لكن من دون مواجهات مع الدولة. وعلى رغم ارتباط اسمه بـ"أعمال بلطجة"، واتجار في أراض وعقارات وسيارات وغيرها، فإن رئاسته مجلس إدارة إحدى أكبر وأهم شركات الأمن الخاص والحراسة كانت الأكثر لفتاً للانتباه، لكن الانتباه ظل محدوداً في خضم مشاغل الحياة اليومية للمصريين، وهوامشها من ضغوط اقتصادية وأحداث إقليمية ودولية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الظهور المفاجئ والمدهش الأخير والمتمثل في خبر إلقاء القبض عليه في واقعة اقتحام معرض سيارات في القاهرة الجديدة، وذلك بعد تلقي النيابة بلاغاً من أصحاب المعرض يفيد بقيام نخنوخ وآخرين باقتحام المعرض وتحطيمه والتعدي على أحد العاملين والاستيلاء على وحدة تسجيل كاميرات المراقبة، بسبب خلاف مالي بينهما، باغت المصريين، لكن بحساب يتناسب وحجم التفاصيل المعلنة.

النيابة العامة أعلنت أن التفتيش أسفر عن العثور على وحدة تسجيل كاميرات المراقبة المبلغ بسرقتها، وأسلحة وذخائر، وأسلحة صوت وهواء مضغوط، وأجهزة اتصالات غير مرخصة و10 قطع أثرية. وجاء في بيانها أنه بتفتيش هواتف نخنوخ ومن معه، عثر على تسجيلات تفيد ارتكابهم وقائع مقترنة بوقائع هتك عرض، واحتجاز مصحوب بتعذيب بدني، وإكراه على توقيع أوراق، إضافة إلى حيازة أسلحة وأدوات تعذيب وحيوانات شرسة.

القضية من ألفها إلى يائها لا تفتقد الإثارة، ورغم ذلك بقي اهتمام المصريين "دون المستوى" المتوقع في حوادث وقضايا وفضائح وأزمات مثل القبض على فتيات "تيك توك" "حماية لقيم الأسرة المصرية" وحرب غزة وحوادث التحرش وفوز الزمالك وحرب إيران وقرارات تقليص الدعم والحلقة الأخيرة من برنامج "دولة التلاوة" ورفع أسعار المحروقات والزوج الذي ذبح زوجته وإغلاق مضيق هرمز والزوجة التي خنقت زوجها وافتتاح المونوريل، ودائماً وأبداً كلفة المعيشة.

جرى العرف أن يهتم المصريون بقضايا سقوط الكبار، كبار الساسة أو المسؤولين أو الفنانين أو لاعبي كرة القدم، رجال الأعمال.

 

منذ ظهور الطبقات والتفاوتات بين أفراد المجتمع وبعضهم، والجموع تظهر اهتماماً بالغاً بكل ما يتعلق بالشخصيات القابعة في قمة الهرم، سواء كيف يفكرون أو ماذا يأكلون أو أين يعيشون أو ماذا يقترفون؟ وقد يكون ذلك بدافع الحب والإعجاب أو الكره والاحتقار أو الغيرة والنقمة.

اهتمام طبيعي من قبل الجموع الغفيرة لما يلحق بشخصيات عامة، لا سيما من أحداث وحوادث سيئة يفسره علم النفس بالغريزة الفطرية لمراقبة أصحاب المكانات الرفيعة، وإلى حد ما بظاهرة الشماتة النفسية، إذ الشعور بالمتعة أو الراحة النفسية في مصائب أصحاب الحظوة والسطوة، لا سيما لو كانت الأقاويل أو المعلومات ترجح أنهم صنعوا مجدهم أو سطوتهم بطرق غير قانونية أو عبر قنوات غير أخلاقية. جزء من هذا الشعور بالراحة ينجم عن معرفة يقينية أن الشخصية العامة أو المهمة التي سقطت أو ألقي القبض عليها نهبت أو سرقت أو استغلت أموال وموارد وحقوق البسطاء من دون وجه حق.

علوم النفس والاجتماع والجريمة اتفقت على ما يسمى "تأثير المعادلة"، حيث محاسبة ومعاقبة الأثرياء أو ذوي النفوذ الذين يخطئون يعطي الناس شعوراً بأن العدالة مطبقة والمساواة مبدأ يتبع، وأنه لا أحد فوق القانون فعلاً لا قولاً.

علماء الجريمة والاجتماع يتفقون على أن الشعور الجمعي بالشماتة والمقارنة السلبية لدى متابعة أخبار أو معرفة تفاصيل سقوط نجم لامع أو شخصية عامة بارزة تجعل كثيرين من الأشخاص العاديين والبسطاء يشعرون أنهم ليسوا وحدهم من يعاني ويصارع من أجل البقاء.

العلاقة بين الأشخاص العاديين والمشاهير علاقة غريبة. أستاذة علم الجريمة في قسم علم الاجتماع في جامعة كنت ستايت في ولاية أوهايو الأميركية هيدي ناشري تقول في مقال عنوانه "لماذا تعد محاكمات المشاهير مثيرة للاهتمام؟" (2022) إن محاكمات المشاهير تثير اهتمام الجمهور وتشغل الرأي العام منذ العصور الوسطى، تحديداً القرن الـ11، حتى قبل ظهور محاكمات المشاهير على شاشات التلفزيون وانتشارها عبر الإنترنت. وظل التناقل الشفهي والإذاعي والصحافي يثير اهتمام الجمهور بقضايا معينة، محولاً المدعين والمدعى عليهم إلى مشاهير. التغطية الإعلامية لقضايا المشاهير في المحاكم هي اليوم مادة ترفيهية للجماهير.

وتشير دراسات نفسية إلى أن المشاهير يثيرون اهتمام الجماهير، لأنهم يعيشون في عالم يبدو موازياً لهم، عالم يشبه عالم الناس العاديين من حيث العلاقات والعمل والمشكلات، لكنه في الوقت ذاته بعيد المنال عنهم بصورة شبه تامة.

المصريون والمشاهير

في حالة المصريين، وقضايا المشاهير المتعلقة بمال وأعمال ورجال ونساء من أصحاب وصاحبات السطوة، لا سيما تلك التي تتشابك فيها الخيوط وتتداخل فيها التفاصيل، وتدرك القاعدة العريضة أن المسألة أكبر من مجرد شخص اقترف خطأ أو بيزنس انخرط في فساد، أو خطوط تداخلت بين مسموح ومحظور وكليهما غير معلن لكنه معروف، يلاحظ أن الاهتمام الجماعي يظل قائماً، لكن بتحفظ، وأن المتابعة اليومية للتفاصيل تبقى حاضرة، لكن بناء على علم مسبق أن الأمر لا يعنيهم.

نظرياً، يحدث هذا بسبب إصابة الجماهير بخيبة أمل، أو تصدم جراء خيانة ثقة حيث الكشف عن وقائع فساد ضخمة رغم ادعاء التعاطف مع الفقراء مثلاً، أو الإرهاق الجماعي جراء التعرض المفرط للأخبار المفجعة أو التي تبدو لفرط فداحتها خيالية، أو لشعور ما ينتابهم بأن الأمر لا يتعلق بمكافحة فساد أو الكشف عن جرائم بقدر ما يتعلق بتصفية حسابات أو شأن داخلي بين طبقات وفئات بعيدة تماماً من قاعدة الهرم الجماهيري.

عملياً، توقف المصريون عن الاهتمام الجارف والانغماس العارم في تفاصيل قضايا الكبار متشابكة التفاصيل، متداخلة المصالح، معقدة المعالم والملامح. يستمر الاهتمام، لكن عن بعد. وتظل عمليات البحث والتنقيب عن الأسرار، سواء ما يجري الكشف عنها بحساب، أو ما يفتئت عليه ويختلقه صناع المحتوى لأغراض تتعلق بأكل العيش، لكن لأغراض ترفيهية بحتة.

 

في سنوات النضج الشعبي المصري في ما يتعلق بقضايا الكبار، مثل سقوط نخنوخ، أو قضية الفساد "الكبرى" المتعلقة بصوامع القمح في عام 2016، أو إلقاء القبض على وزير الزراعة الأسبق صلاح هلال في عام 2015 لاتهامات تتعلق بفساد "كبير"، أو إلقاء القبض ومحاكمة ثم انتحار الأمين العام لمجلس الدولة الذي استقال من منصبه وائل شلبي عقب اتهامات في ما عرف بقضية "الرشوة الكبرى" وغيرها من القضايا "الكبرى" لشخصيات تصنف بأنها "كبار"، ينقسم المصريون إلى ثلاث مجموعات. الأولى تعتبر الكشف عن القضية، وسقوط "الكبير" دليلاً دامغاً على أن أحداً ليس فوق مبادئ العدالة، وأن سيادة القانون لا تزال مهيمنة مهما طال الانتظار، أو انتابت البعض شكوك بأن أحدهم يتمتع بحظوة أو ينعم مكانة خاصة لأسباب تتعلق بالسياسة أو المال أو كليهما.

المجموعة الثانية تنظر بعين الشك والريبة والمؤامرة لغالبية هذا النوع من القضايا، لا سيما حين يسقط "الكبير" فجأة، أو تعتبر القضية ومتابعتها أمراً ترفيهياً بحتاً، وذلك بحكم انتماء الكبير لعالم مواز من حيث السلطة والمال والسطوة وغيرها، أي لا يمت لعالمها محدود الإمكانات بصلة. ويمكن القول إن هذه المجموعة تضم نسبة معتبرة من المصريين.

أما المجموعة الثالثة والأخيرة، فهي تلك الغارقة في تسييس قضايا سقوط الكبار، وذلك على طرفي نقيض المشهد السياسي. النقيض الأول يهلل ويشيد ويثني على النزاهة والشفافية والمسؤولية الدولة والحكومة، التي سمحت بالكشف عن قضية تتشابك فيها السياسة مع الأعمال مع العلاقات. والنقيض الثاني يندد ويشجب ويدور في فلك واحد لا مخرج منه أو بديل عنه ألا وهو مهاجمة ومعارضة الرئيس والحكومة وأحياناً الشعب نفسه، على اعتبار أن الكشف عن القضية إلهاء أو تغييب أو تحركات محسوبة لأهداف أخرى.

"لا نخنوخ بعد اليوم" شعار رفعته مجموعات على السوشيال ميديا تزامناً وبدء مباريات كأس العالم 2026، حيث ضرورات الاهتمام بالحدث الكروي الأكبر تبيح محظورات الانصراف عن قضايا الكبار.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات