ملخص
في بلد اعتاد على صيف قاسٍ واستهلاك مرتفع للطاقة، تبدو المولدات الأهلية اليوم أكثر من مجرد خيار بديل، بل تحولت إلى أحد أهم خطوط الدفاع الخدمية التي يستعد العراق لتفعيلها مع كل موسم حار، في انتظار اكتمال مشاريع الطاقة الكبرى وتحقيق الاكتفاء المنشود، فيما يواصل "اقتصاد الأمبير" أداء دوره بوصفه السلاح الأكثر حضوراً في مواجهة حر الصيف وانقطاعات الكهرباء.
مع كل صيف عراقي يعود مشهد مألوف بات جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، أصوات المولدات التي تملأ الأزقة والأحياء السكنية، وروائح الوقود التي ترافق ساعات الذروة، في صورة تختزل علاقة استثنائية نشأت بين العراقيين وهذه الآلات التي تحولت خلال العقدين الماضيين من حلول موقتة إلى "منظومة رديفة" يعتمد عليها ملايين المواطنين لتجاوز تحديات الكهرباء ودرجات الحرارة التي تلامس الـ50 مئوية.
ومع اقتراب ذروة الموسم الصيفي لعام 2026 تبدو الحكومة العراقية وكأنها تستنفر أحد أهم أسلحتها التقليدية لمواجهة أزمة الأحمال العالية، عبر سلسلة إجراءات متسارعة شملت دعم الوقود، وضبط التسعيرات، وتكثيف التنسيق مع أصحاب المولدات الأهلية، في مؤشر يعكس إدراكاً رسمياً متزايداً للدور الذي تؤديه هذه المنظومة الشعبية في الحفاظ على استقرار الحياة اليومية.
وللمرة الأولى منذ أعوام لا يجري التعامل مع المولدات الأهلية باعتبارها حلاً اضطرارياً وحسب، بل بوصفها شريكاً مكملاً للمنظومة الكهربائية الوطنية، وهو ما برز بوضوح من خلال استقبال رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي وفداً يمثل رابطة أصحاب المولدات الأهلية، بحضور وزير الكهرباء ﻋﻠﻲ ﺳﻌﺪي وهيب، في خطوة حملت رسائل سياسية وخدمية واقتصادية في آن.
اعتراف رسمي بدور المولدات
وخلال اللقاء، استمع رئيس الوزراء إلى شرح مفصل عن آليات تشغيل المولدات وساعات العمل والتسعيرات المعتمدة، فضلاً عن ملف حصص الوقود اللازمة لاستمرار الخدمة خلال أشهر الصيف.
وأكد الزيدي أهمية الدور الذي تؤديه المولدات الأهلية في دعم منظومة الكهرباء وتلبية احتياجات المواطنين، خصوصاً خلال فترات الذروة وارتفاع درجات الحرارة، موجهاً الجهات المعنية بتقديم الدعم اللازم وتسهيل إجراءات توفير الوقود بما يضمن استقرار ساعات التشغيل.
ويقول المتخصص في شؤون الطاقة حيدر علي إن "اللقاء بحد ذاته يحمل دلالة مهمة، إذ إن الحكومة باتت تتعامل مع أصحاب المولدات باعتبارهم جزءاً من منظومة الطاقة في البلاد، وليس مجرد قطاع خاص يعمل بصورة منفصلة"، ويضيف أن "المولدات الأهلية أصبحت تؤدي وظيفة حيوية خلال أشهر الصيف، إذ تسهم في تقليل الضغوط الاجتماعية الناتجة من أي نقص في ساعات تجهيز الكهرباء الوطنية".
وقود مدعوم لثلاثة أشهر
وفي خطوة تهدف إلى ضمان استمرار الخدمة، أعلنت وزارة النفط تجهيز المولدات الأهلية بحصة من الوقود مدعومة لمدة 3 أشهر.
ووفقاً للقرار، ستزود كل مولّد بواقع 40 ليتراً لكل "كي في" (كيلو فولت) بسعر 200 دينار لليتر الواحد، أي ما يعادل نحو 0.15 دولار أميركي، بدلاً من 400 دينار لليتر (نحو 0.31 دولار)، وهو ما يمثل دعماً حكومياً مباشراً يتحمل جزءاً كبيراً من كلف التشغيل.
المتحدث السابق باسم وزارة النفط، صاحب بزون أكد أن القرار يأتي على رغم الأعباء المالية الكبيرة التي ستتحملها الوزارة، لكنه يندرج ضمن جهود الحكومة لمساندة أصحاب المولدات وخدمة المواطنين.
وأشار إلى أن "الفترة المقبلة ستشهد تحسناً واستقراراً في تجهيز الطاقة الكهربائية، بالتزامن مع استمرار دعم القطاعات الحيوية المختلفة".
ويرى مختصون أن تخفيض سعر الوقود إلى النصف يشكل أحد أهم إجراءات الدعم التي شهدها قطاع المولدات خلال الأعوام الأخيرة، إذ ينعكس بصورة مباشرة على استقرار التسعيرات وتقليل الضغوط المالية على أصحاب المولدات والمشتركين.
"اقتصاد الأمبير" يعود إلى الواجهة
لم تعد المولدات في العراق، مجرد أجهزة لإنتاج الكهرباء، بل أوجدت على مدى أعوام طويلة ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الأمبير"، وهو قطاع ضخم يشمل آلاف أصحاب المولدات والعمال والفنيين وورش الصيانة وسائقي الصهاريج وموردي الزيوت والمرشحات وقطع الغيار.
وبحسب تقديرات غير رسمية، تعتمد ملايين الأسر العراقية على اشتراكات الأمبير التي تختلف قيمتها من محافظة إلى أخرى، بحسب ساعات التشغيل والدعم الحكومي وكلف الوقود.
وفي بغداد، حدد مجلس المحافظة سعر "الأمبير الذهبي" (24 ساعة بالتناوب مع الكهرباء الوطنية) بـ12 ألف دينار، أي ما يعادل نحو 9.2 دولار أميركي، فيما بلغ سعر التشغيل الليلي 8 آلاف دينار (نحو 6.1 دولار) بينما حددت المناطق المشمولة بنظام الخصخصة سعر الأمبير بـ6 آلاف دينار، أي ما يعادل نحو 4.6 دولارا
وألزمت السلطات أصحاب المولدات بوضع لوحات تبين الأسعار الرسمية، وتقديم وصولات قبض للمشتركين، مع فرض رقابة مشددة بالتنسيق مع الشرطة والأمن الوطني لملاحقة المخالفين.
كذلك فإن تنظيم سوق الأمبير بات ضرورة، لأن هذا القطاع يمس حياة ملايين المواطنين، وأي خلل فيه ينعكس مباشرة على الاستقرار الخدمي والاجتماعي.
البصرة تطالب بزيادة الوقود
وفي البصرة، حيث ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، أكد رئيس لجنة الكهرباء في مجلس المحافظة ثائر الصالحي أن التسعيرة الحالية تبلغ 8 آلاف دينار للأمبير، أي ما يعادل نحو 6.1 دولار أميركي.
وكشف الصالحي عن مخاطبة وزارة النفط لزيادة حصة الوقود المخصصة للمولدات، مشيراً إلى أن المجلس يطالب برفعها من 10 ليترات إلى 20 ليتراً لكل "كي في"، فضلاً عن المطالبة بحصص مجانية مستقبلاً.
وأوضح أن خفض سعر الوقود المدعوم إلى 200 دينار لليتر الواحد (نحو 0.15 دولار) بدأ تطبيقه فعلياً منذ يونيو (حزيران) الجاري، فيما تواصل الجهات المحلية متابعة احتياجات أصحاب المولدات والعمل على إيجاد حلول لتخفيف الأعباء عن المواطنين.
من حل موقت إلى "شبكة موازية"
منذ عام 2003، تحولت المولدات الأهلية إلى جزء أساس من المشهد العراقي، حتى بات من الصعب تخيل صيف عراقي من دون أصواتها.
ويشير باحثون إلى أن العراق يمتلك واحدة من أكبر شبكات المولدات الأهلية في المنطقة، إذ تشكل هذه المنظومة شبكة موازية للكهرباء الرسمية، توفر ساعات إضافية من التجهيز وتمنع انهيار النشاط الاقتصادي والخدمي خلال أوقات الذروة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فالمحال التجارية والمطاعم والمخابز والمستشفيات الأهلية والورش الصناعية تعتمد بدرجات متفاوتة على الطاقة التي توفرها المولدات، مما يجعل استمرار عملها قضية ترتبط بالنشاط الاقتصادي بقدر ارتباطها براحة المواطنين.
حرارة قياسية واختبار صيفي
ومع توقعات بارتفاع درجات الحرارة خلال الأسابيع المقبلة، يدخل العراق اختباراً جديداً في إدارة ملف الطاقة، وسط زيادة الأحمال الناجمة عن الاستخدام المكثف لأجهزة التبريد.
ويعتقد مختصون أن نجاح الحكومة في تأمين الوقود للمولدات وضبط الأسعار وتحسين تجهيز الكهرباء الوطنية قد يسهم في عبور الصيف بأقل الأضرار، خصوصاً في ظل الطلب المتزايد على الطاقة.
ويقول علي الربيعي، أحد أصحاب المولدات الأهلية في العاصمة بغداد، إن المولدات الأهلية أصبحت تمثل جزءاً من منظومة الأمن الخدمي في العراق، لأنها توفر استقراراً نسبياً للأسر والأنشطة الاقتصادية خلال أشهر الصيف، ويضيف أن الدعم الحكومي للوقود لا يقتصر أثره على أصحاب المولدات، بل يمتد إلى ملايين المواطنين الذين يعتمدون على الأمبيرات لتشغيل أجهزة التبريد وحفظ المواد الغذائية واستمرار أعمالهم اليومية.
معركة الصيف
وعلى رغم الحديث المستمر عن مشاريع تطوير قطاع الكهرباء وزيادة الإنتاج، فإن المولدات الأهلية لا تزال تحتفظ بمكانتها بوصفها "سلاح الصيف" الذي يلجأ إليه العراقيون كلما ارتفعت درجات الحرارة أو تراجعت ساعات التجهيز.
وبين محطات الإنتاج الوطنية، وخزانات الوقود، وأزقة الأحياء الشعبية التي تصدح بأصوات المحركات، يخوض العراق معركته السنوية ضد الحر، مستنداً هذه المرة إلى دعم حكومي مباشر ورهان على منظومة أهلية أثبتت، على مدى أعوام طويلة، أنها قادرة على سد جزء كبير من الفجوة الكهربائية.
وفي بلد اعتاد على صيف قاسٍ واستهلاك مرتفع للطاقة، تبدو المولدات الأهلية اليوم أكثر من مجرد خيار بديل، بل تحولت إلى أحد أهم خطوط الدفاع الخدمية التي يستعد العراق لتفعيلها مع كل موسم حار، في انتظار اكتمال مشاريع الطاقة الكبرى وتحقيق الاكتفاء المنشود، فيما يواصل "اقتصاد الأمبير" أداء دوره بوصفه السلاح الأكثر حضوراً في مواجهة حر الصيف وانقطاعات الكهرباء.