الخامسة عشرة من "فيسبوك": نابليون الإنترنت يخنق الخصوصية والحرية

في البداية، سار مارك زوكربرغ في مشروع للتواصل والتشارك يتعارض مع هيمنة الشركات الكبرى للمعلوماتية، ثم صار تسلطاً ومصدراً لتهديد الديمقراطية

هل تخطئ العين أن "فيسبوك" صار سلطة طاغية في الفضاء الافتراضي؟ (موقع "دايلي بيست.كوم")

لولا خشية الوقوع في فخّ التشبيهات الميكانيكيّة والجزئيّة، فلربما كان استحضار التاريخ الملتبس لنابوليون بونابرت مع الثورة الفرنسيّة، هو الصورة الأقرب إلى مسار "فيسبوك" في 15 عاماً! هل يبدو تشبيهاً نافراً وبعيداً؟ إذاً، لا بأس من المحاولة مع إبقاء الذهن مفتوحاً على النقد القائل إن كثيراً من التشبيهات تحمل مقتلها فيها. جاء نابليون من قلب الثورة الفرنسية، وتفاءل به كثيرون آنذاك بوصفه "الابن البار للثورة الفرنسيّة" والحامل "على صهوة جواد" قيمها التاريخيّة في الحرية والإخاء والمساواة. في المقابل، لم تكن الثورة سوى جسر عبور لتحقيق طموحات منفلتة لدى نابليون. يكفي القول إنه هو من أعاد فرنسا إلى النظام الإمبراطوري في العام 1799، في يوم الثامن عشر من برومير (وهو تسمية شهر نوفمبر(تشرين الثاني) في التقويم الثوري الذي فُرِض بعد الثورة، ثم طواه النسيان)، كما قاد فرنسا إلى حروب طاحنة لتأسيس إمبراطورية لم تبارح خياله السلطوي، ودفع ملايين من شباب فرنسا وأوروبا أرواحهم ثمناً لذلك الطموح الجامح الساعي إلى الهيمنة المطلقة التي لا تأبه بالحريات ولا الحقوق، سواء لدى الشعوب أو الأفراد.

منذ بعض الوقت، تحديداً منذ التضخم لشبكته في التواصل الاجتماعي (2.3 مليار مستخدم)، لم يأنف كثيرون من متابعي مسار ثورة المعلوماتية والاتصالات، من القول إن الحجم المتضخم لجمهور مستخدمي "فيسبوك" لا يخدم مسألة الخصوصيّة والحريّـات لدى الأفراد. ومع فضيحة "كامبريدج آناليتكا" التي أكملت إشكالية التدخل الروسي المفترض في انتخابات الرئاسة الأميركيّة في 2016، تبدى أن الحجم العملاق لشركة مفردة في التواصل الاجتماعي بإمكانه أن يحمل ضرراً كبيراً للشعوب، كما أن الأسئلة عن دور "فيسبوك" المخفق في مكافحة المحتوى الإرهابي من جهة، واستعماله بكثافة في الحركات الشعبويّة الغربيّة من جهة ثانية، ألقى بسؤال ثقيل عن مدى التلاءم بين الديموقراطية نظاماً وقيماً وآليات من جهة، وبين التضخم شبه الاحتكاري للتواصل الاجتماعي الرقمي المعاصر من جهة ثانية.

الأرقام المتضخمة: شبح الاحتكار

لنبدأ من أكثر ما تباهى به "فيسبوك" في ميلاده الخامس عشر: الأرقام الملياريّة لجمهور مستخدميه. هل تبعث على التفاؤل فعليّاً، أم أنها تحذّر من ظهور احتكار؟ تذكيراً، النظام الرأسمالي الليبرالي فيه قوانين تكبح الاحتكار وتلجم الشركات العملاقة بأكثر مما يعتقد كثيرون. ربما لا توضع تلك القوانين دوماً موضع النفاذ، لكنها موجودة وفاعلة. طريّ في الذاكرة أنّه في العام 2017، فرض "الاتحاد الأوروبي" عقوبة مليارية على "غوغل" بدعوى مخالفته قوانين الاحتكار.

في أميركا، هناك "قانون شيرمان" الشهير الذي طُبِّق ضد شركة "أكسون موبيل" للنفط وأدى إلى تفكيكها. وفي أميركا وخارجها، هناك من يعتقد أن شركات المعلوماتية تتجه إلى أن تكون الشكل المعاصر للاحتكار، على نحو ما مثّلته شركات النفط سابقاً. وفي منطق الرأسمالية الليبرالية، يعيق الاحتكار المنافسة التي يفترض أن تكون حرّة وعادلة. من هذه الوجهة، ألا يبدو مقلقاً أن يشمل مسار تعملق "فيسبوك" ممارسة مستقرة من نوع الاستحواذ على شركات صغيرة بمجرد أن يلوح أنها ناجحة وقادرة على المنافسة؟ يكفي الرجوع إلى صفقات استحواذه على شركات "آنستاغرام" في 2012 و"وواتس آب" في 2014، ليظهر ذلك الملمح بوضوح.

إذاً، ذلك الابن البار لثورة المعلوماتية والاتصالات المتطورة، الذي ابتدأ مشروعاً متواضعاً ومنحازاً إلى الجمهور الواسع، تضخم وانخرط في ممارسات جشعة ليصبح عملاقاً يمسك بسلطات لا يحوزها سواه. ربما صار ملامح شبح نابليون بونابرت، أكثر وضوحاً!

ووفق مقال ظهر في "الإندبندنت" البريطانيّة، يتقاسم "فيسبوك" و"غوغل" حاضراً ما يفوق 70 في المئة من حركة الإنترنت عالميّاً. هل تطمئن تلك الأرقام؟ ألا تشير إلى هيمنة من قبل القلّة؟ ويزيد من القلق الذي تولّده تلك الأرقام أن "فيسبوك" استبق ميلاده الخامس عشر بإعلانه خططاً لإدماج ثلاث تطبيقات رقمية في التواصل الاجتماعي هي "واتس آب" و"فيس ماسنجر" و"آنستاغرام". أكثر ما يثير القلق في الدمج، هو أن التطبيقات الثلاثية ستعمل استناداً إلى بنية إلكترونيّة موحّدة، يديرها "فيسبوك". سؤال: هل نثق في "فيسبوك" في مسألة حماية بيانات الجمهور وخصوصيتها، وهي متصلة تماماً بحرية الأفراد والمجموعات؟ قبل كل شيء، ما هي الخبرة مع تلك المسألة تحديداً؟ لنعبر ولو بسرعة البرق على بعض المحطات. عندما كان يتباهى بقدراته التقنية المذهلة، تحديداً مشروع "ديب فيس" Deep Face، وهو تقنية متقدمة للتعرّف على الوجوه في 2015 (وهو مشروع استفادت منه جهات أمنية واستخباراتيّة)، لم يستطع إثبات قدرته على مكافحة المحتوى المتصل بالكراهية والعنصرية والإرهاب والتجارة الجنسيّة بما فيها الأطفال وغيرها. نعم، لا زال الأمر كذلك. وفي صحيفة "الإندبندنت" بتاريخ 05 فبراير(شباط)، أن الحكومة البريطانية تدعو إلى إجبار الشركات الكبرى في الـ"سوشيال ميديا" (تذكير: "فيسبوك" أضخمها) على حذف المحتوى غير القانوني من مواقعها. يكفي حكّ الرأس قليلاً للتذكير بمأساة فشل "فيسبوك" تقنياً في المساهمة المجدية في ظاهرة التجنيد الإلكتروني المتصل بالإرهاب الإسلاموي.

 

شهادة صديق زمن الحرية... السابق!

مع حلول عامه الـ15، لم تتردد غير وسيلة إعلاميّة بالتذكير بالفضائح المدويّة التي رافقت "فيسبوك" في السنوات الأخيرة، وباتت أمراً أشهر من الخوض في تفاصيله. لنقرأ سريعاً. هناك ابتلاع "فيسبوك" أموال الإعلام السياسي التي حوّلته أداة للتلاعب بالرأي العام ضمن ظاهرة الشعبويّة التي تكتسح دولاً غربيّة، بداية من انتخاب دونالد ترامب رئيساً وصولاً إلى الـ"بريكست" المتعثر. لنتذكر فضيحة "كامبردج آناليتكا" وفشله في حماية عشرات الملايين من بيانات الجمهور، بل إن مبرمجاً روسيّاً استطاع صنع برنامج اسمه "هذه هي حياتك الرقميّة" واستولى على تلك البيانات. وفي سياق فضحية "آناليتكا"، اعترف ساندي باراكليس، وهو خبير كان مسؤولاً على قسم التطوير التقني في "فيسبوك"، أنه بمجرد خروج بيانات الجمهور من خوادم تلك الشركة الموجودة في مقراتها المختلفة، لا تعود الشركة قادرة على معرفة مصيرها. والأنكى أنه أقر بأن "فيسبوك" يعلم ذلك، لكنه لم يقر بذلك علناً.

الأرجح أن قصة تحوّل مشروع الطالب الجامعي الملتزم حريّة المعلومات والتواصل، إلى "إمبراطور" بسلطات قاسية على التواصل الاجتماعي، على غرار مسار نابليون بونابرت، يمكن تكثيفها في تصريح شهير لخبير المعلوماتية الأميركي شون باركر. تذكيراً، باركر هو مبتكر برنامج "نابستر" للتبادل الحر للمعلومات، وأجبرته شركة "مايكروسوفت" على وقف ذلك البرنامج، بدعوى إزعاجه حقوق الملكية الفكريّة. وعقدت صداقة مشهورة بين مارك زوكربرغ، مؤسس "فيسبوك" وباركر، كان خيطها مقاومة هيمنة الشركات الكبرى. ثم انفرط عقد تلك الصداقة. وعندما مثل زوكربرغ أمام برلمانات في أميركا وأوروبا معترفاً بفشله في حماية بيانات الجمهور، لم يتمالك باركر سوى القول: "وحده اللـه يعرف ما الذي يفعله "فيسبوك" في عقول أطفالنا"!

المزيد من اتصالات