ملخص
يشعر لبنان بالارتياح لقرار السعودية "استئناف الصادرات اللبنانية إليها"، إذ سيشكل فرصة لدعم الاحتياطات بالعملات الأجنبية لديه بحدود نصف المليار دولار أميركي. وتشكل القطاعات الزراعية والصناعية المتصلة في مقدمة الرابحين والمستفيدين، فيما يبقى التعويل على عودة السياح الخليجيين والاستثمارات المباشرة من أجل التعافي الطويل الأجل.
أنتج قرار "استئناف الصادرات اللبنانية إلى السعودية" موجة من الأمل بتعافي الاقتصاد اللبناني بعد سنوات من الحظر بفعل المخالفات والضبط المتكرر لشحنات الممنوعات. حيث يُتوقع مضاعفة التبادلات التجارية التي كانت تُقدر بنصف مليار دولار أميركي، أغلبها من المنتجات الزراعية والسلع الغذائية، إذ تشكل السوق السعودية بوابة للمنتجات اللبنانية إلى دول الخليج العربي، ويمنح جرعة من الثقة نحو عودة لبنان إلى الحاضنة العربية. ولاقى القرار السعودي ترحيباً كبيراً لدى مختلف المكونات السياسية والاجتماعية في البلاد، واعتُبر بمثابة دق الجرس لبناء "لبنان الجديد" في ظل الترتيبات التي يقودها العهد الرئاسي الجديد من أجل ترسيخ احتكار الدولة لقرار السلم والحرب ومكافحة عمليات التهريب والتهرب الضريبي والجمركي.
وشكّل القرار رأس الجبل الجديد لتحسين علاقات لبنان مع عمقه العربي، وترافق مع خبر وصول السفير السعودي الجديد فهد الدوسري إلى لبنان.
سمو #ولي_العهد يوجه باستئناف صادرات لبنان إلى المملكة بناء على طلب رئيس الجمهورية اللبنانية، ورئيس مجلس الوزراء، ووفقًا للخطوات الإيجابية التي قامت بها الحكومة اللبنانية في طريق إعادة بناء مؤسسات الدولة.https://t.co/h6PZaGn47P#واس pic.twitter.com/H2ievmYgOZ
— واس الأخبار الملكية (@spagov) June 10, 2026
"صنع في لبنان"
يفتح القرار السعودي الباب واسعاً أمام المنتجات اللبنانية. وقرأ وزير الزراعة اللبناني نزار هاني في الخطوة السعودية "تحولاً إيجابياً في العلاقات بين الأشقاء العرب"، واعتبره "محطة استراتيجية لتعزيز التعافي الزراعي واستعادة الحضور في الأسواق الخليجية". وأكد عبر "اندبندنت عربية" أن "القرار يوقف عداد الخسائر ويمنح أملاً كبيراً للمزارعين والمنتجين في لبنان"، متحدثاً عن "تكدس الإنتاج خلال السنوات الخمس الماضية، وقد حاولت الوزارة التخفيف من وطأتها من خلال حملات لتسويق المنتجات محلياً، ولكن لبنان لا يشكل سوقاً كافية لتوريد تلك الكمية من الثمار، وهو ما ألحق أضراراً كبيرة بالمزارعين وعلى وجه الخصوص سوق الخضار. كما حاول لبنان توسيع التصدير إلى بلدان شقيقة مثل الأردن والعراق وسوريا، ولكن حصة تلك الدول تبقى محدودةً مقارنةً بحجم السوق السعودية". ويذكر الهاني "لطالما نظر المزارع اللبناني إلى 25 أبريل (نيسان) 2021 باليوم الأسود للزراعة والتصدير من لبنان، بعد قرار السعودية وقف استقبال المنتجات اللبنانية، وقد شكّل إغلاقاً للممر البري إلى الخليج العربي، وهو أمر لم تفلح خطوات على غرار التصدير بواسطة البحر أو الشحن الجوي في ردمه"، معبراً عن "شكر لبنان وامتنانه لموقف السعودية التي وقفت عبر التاريخ إلى جانب لبنان على كافة المستويات خلال كافة المراحل".
من جهة أخرى، عبر تجار لبنانيون مقيمون في السعودية عن فرحتهم بالقرار، مؤكدين على أن "السوق السعودية ترحب بالمنتج اللبناني"، وأن "الموقف السعودي تاريخي، ويصدر من دولة لم تترك لبنان أبداً، وبقيت أبوابها مُشرعة أمام الكفاءات اللبنانية في كافة المجالات، بعد أن ضاقت الحلول في المواطن اللبناني داخل أرضه ووطنه".
القرار المطلوب
لن تتأخر نتائج القرار السعودي في الظهور على الحركة الاقتصادية في لبنان، ووقف نزيف الاحتياطي من العملات الصعبة. ويلفت شارل عربيد، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في لبنان إلى "أهمية القرار على المستويات السياسية والاقتصادية، إذ جاء بعد سنوات من وقف دخول المنتجات اللبنانية إلى المملكة، ويشكل بادرة نحو إعادة ترتيب العلاقات الاقتصادية بين البلدين"، و"هو أمر لبنان بأمسّ الحاجة إليه، ويتطلع إليه رجال الأعمال بكثير من الأمل والتفاؤل لبداية مرحلة جديدة"، مذكراً بوجود حزمة مؤلفة من 13 اتفاقية معدة للتوقيع بين البلدين، وهي ستسهم في تيسير تصريف الإنتاج اللبناني ووصل العلاقات الاقتصادية. ويعتقد المتحدث أن "استئناف التصدير قد يكون مقدمة لعودة السائح السعودي إلى لبنان فور تحسن الظروف الأمنية"، منوهاً بأن "انطلاق مرحلة جديدة في المنطقة، وقيام نظام علاقات جديد في المنطقة، قد يحمل إلى البلاد السلام، وعلى لبنان أن يتجهز اقتصادياً وعلى مستوى البنى التحتية والإصلاحات وتأهيل المرافق الاقتصادية المتوقفة والبطيئة حالياً".
ويكشف عربيد عبر "اندبندنت عربية" أن "الصادرات اللبنانية إلى المملكة فاقت 400 مليون دولار أميركي في الفترات السابقة، وهي مؤهلة لتتضاعف بسبب الإمكانيات المتاحة صناعياً وزراعياً". ويرحب بقدوم الاستثمارات السعودية إلى لبنان لأنها "المشجعة الأولى لازدهار لبنان"، والتي قد تشكل "متنفساً حقيقياً وفعلياً، من خلال شراكات بين رجال الأعمال اللبنانيين والسعوديين والتي بحثها مؤتمر "بيروت -1" في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عندما شارك وفد سعودي كبير ولكن شاءت الظروف أن يتوقف المسار"، معتبراً أن "الدخول السعودي قد يسهم في إعادة الإعمار، وترسيخ سياسة الانفتاح على المحيط وترتيب العلاقات مع سوريا، وتكريس وقف إطلاق النار والذهاب نحو السلام في المنطقة".
أمل للمزارعين
يعد القطاع الزراعي أول المستفيدين من قرار السعودية، التي تُعد المستهلك الأول للثمار اللبنانية. ويصف نقيب المصدرين إبراهيم ترشيشي السنوات الخمس الماضية بـ "السنوات العجاف"، قائلاً "كنا نعيش على أمل يومي بأن تفتح الطريق إلى السوق السعودية، وقد تأثر الكثير من المزروعات بالإغلاق، إذ تراجعت زراعة الخس، التي تراجع حجم زراعتها من آلاف الدونمات إلى العشرات فقط". ويضيف "في السابق، كنا نصدّر قرابة 525 ألف طن سنوياً، قبل أن يتراجع إجمالي الصادرات إلى 200 ألف طن"، أي أن الصادرات شهدت انخفاضاً بأكثر من النصف، وقد افتقر المزارع اللبناني نتيجة لها، إذ انخفض التحميل بالشاحنات المبردة، وازدادت الخسائر لأن "الشاحنة المبردة تصل خلال أسبوع إلى وجهتها في الخليج، أما مع الباخرة فقد تحولت المدة إلى زمن مفتوح واحتمال التلف مرتفع، بين 15 يوماً إلى شهر". ويؤكد ترشيشي "لم يستمع أحد إلى نداءات المزارعين في لبنان إلى أن تكرم سمو الأمير محمد بن سلمان بإنهاء تلك المرحلة الصعبة"، منبهاً إلى "أن الزبون الخليجي يحب المنتَج اللبناني وهم في حالة انتظار، وعلينا أن نكون على قدر الثقة والأمل، ونتطلع إلى الأفضل بمعايير جديدة وبشركات شرعية ومشهود لها بشهادات المنشأ، وتركيب سكانيرات (أجهزة المسح الضوئي) على المرافئ والمعابر البرية". ويلفت ترتشيشي "ليس لدينا بديل عن الأشقاء العرب وفي الخليج، ولطالما قلناها: لن نرضى بديلاً عن الأسواق السعودية إلا السعودية نفسها".
اعرب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون عن بالغ امتنانه وتقديره لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية الشقيقة، على قراره باستئناف استيراد المنتجات اللبنانية إلى المملكة.
— Lebanese Presidency (@LBpresidency) June 10, 2026
ورأى رئيس الجمهورية في هذا القرار…
بداية التعافي
يطمح لبنان إلى بلوغ رقم المليار دولار أميركي في الصادرات وهو الرقم الذهبي الذي يراود المنتجين الزراعيين والصناعيين، إلا أن تحقيقه يحتاج الكثير من الجهد والعمل والتطوير في سوق مفتوحة وشديدة التنافسية. ويرى الدكتور أنيس أبو دياب، وهو أكاديمي لبناني متخصص بالقضايا الاقتصادية، أن "القرار السعودي يأتي في وقت شديد الأهمية للاقتصاد اللبناني الذي يعيش أسوأ حالاته في ظل استنزاف الاحتياطي الإلزامي إذ خسر 431 مليون دولار خلال 3 أشهر وهو رقم كبير، وتراجع النشاط الاقتصادي بأكثر من 50 في المئة وتوقف القطاع السياحي والفندقي بشكل كامل إذ لا تتعدى نسبة الإشغال 10 في المئة بسبب الحرب المندلعة بدءاً من 2 مارس (آذار) 2026. وهو بمثابة قرار مصيري، ودليل على أن السعودية لم ولن تخذل لبنان، فهي وقفت إلى جانبه عبر كل مراحل التاريخ الحديث".
ويكشف أن السوق السعودية تعد وجهة أساسية لمجموعة من الصناعات والمنتجات الزراعية اللبنانية. ويعدد دياب أبرز تلك المنتجات، بدءاً بالمجوهرات والأحجار الكريمة والمعادن الثمينة المستخرجة من الذهب، والألماس، والمصوغات على أنواعها، أما على المستوى الزراعي، تستقبل السوق السعودية حصة كبيرة من انتاج لبنان بالفواكه والخضروات الطازجة في الموسمين الصيفي والشتوي، ولا سيما التفاح، العنب، الحمضيات، والبطاطا.
كما يلفت أبو دياب إلى تصدير لبنان إلى المملكة جزءاً من المنتجات الغذائية المصنعة مثل الشوكولاتة والحلويات والكاكاو والمعلبات على أنواعها. كما يضيف أن السوق السعودي كان وراء ازدهار صناعة مستحضرات التجميل والعطور ومنتجات العناية الشخصية المنتجة في لبنان، ناهيك عن بعض المنتجات الصناعية الخفيفة والمواد البلاستيكية والورقية. كما يلفت إلى دور السوق السعودي مستقبلاً في تنشيط "سوق الصناعة التكنولوجية البسيطة" والتطبيقات والبرمجيات الرقمية اللبنانية التي ما زالت في بداياتها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يكشف أبو دياب أن الصادرات إلى المملكة بلغت في عامي 2017 و2018 نحو 400 مليون دولار أميركي، وكانت الزراعة تشكل 70 في المئة. كذلك بلغ التبادل التجاري حدود 700 إلى 800 مليون دولار، ومع تحسن القاعدة الصناعية في لبنان يمكن زيادة الصادرات إلى مليار والنصف مليار دولار. ويعتقد أبو دياب أنه "يمكن للسياحة أن تستفيد كثيراً من القرار، لأنه من الناحية الفعلية، تراجعت وارداتها كثيراً مع توقف السياحة السعودية والخليجية إلى لبنان بدءاً من عام 2017، لأن تلك الشريحة تقضي فترة طويلة في لبنان وتعتبر أنها بمثابة القاطنة في بيتها"، كذلك "لا يمكن التقليل من أهمية الشق السياسي واحتضان لبنان من قبل أشقائه في ظل محاولة بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها". ويلفت أنيس أبو دياب إلى أن "القرار السعودي ترافق مع ورشة إصلاحات واستعدادات في مرفأ بيروت لمواكبة تطوير النقل البري مع سوريا والمحيط، ولا يمكن تجاهل واقع أن فتح باب التصدير إلى السعودية هو فتح بوابة لبنان إلى كافة أرجاء الخليج العربي، الأمر الذي ستكون مفاعيله سريعة في ظل موسم الإنتاج الزراعي الصيفي والصناعات"، مذكراً بضرورة تفعيل الاتفاقيات الموقعة بين لبنان والسعودية لتعزيز الاستثمار بين البلدين.
باسم الدولة اللبنانية وباسمي الشخصي، أتقدّم بأسمى آيات الشكر والتقدير إلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، على القرار الكريم برفع الحظر عن الصادرات اللبنانية، والذي يعكس عمق العلاقات الأخوية والتاريخية التي تجمع بلدينا… pic.twitter.com/rsR4OqRcDM
— Nawaf Salam نواف سلام (@nawafsalam) June 10, 2026
خطوة أولى
ولا يمكن فصل القرار السعودي الحالي عن موقف المملكة التاريخي حيال لبنان، إذ اعتُبرت "الدولة الحاضنة" للدولة الموحدة، وهو ما تجسد في "اتفاق الطائف" الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1989. ويشيد رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس ولبنان الشمالي، توفيق دبوسي، على أن "استئناف الصادرات اللبنانية إلى السعودية محطة مفصلية تعيد ترسيخ الشراكة التاريخية، لأنها تفتح آفاق التعاون الاقتصادي بين البلدين الشقيقين". وشدّد دبوسي على أن "العلاقات اللبنانية- السعودية ليست علاقة ظرفية أو آنية، بل هي علاقة تاريخية راسخة امتدت عبر عقود طويلة من التعاون السياسي والاقتصادي والإنساني، إذ شكّل الدور السعودي محوراً حيوياً وأساسياً في ترسيخ قواعد الوفاق الوطني اللبناني من خلال رعايته ودعمه اتفاق الطائف الذي أسس لمرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات وتعزيز التوازنات الداخلية لقيام دولة القانون والمؤسسات"، موضحاً أن "هذه الشراكة التاريخية تعود إلى مراحل مبكرة من العلاقات الدبلوماسية المميزة بعد استقلال لبنان، وتطورت في إطار جامعة الدول العربية إلى تعاون متعدد الأبعاد، شمل الدعم السياسي والتبادل الاقتصادي والانفتاح على الكفاءات اللبنانية".
من جهته، يضع النائب رازي الحاج عضو لجنة الاقتصاد النيابية القرار في خانة "المؤشرات الإيجابية"، فـ "من الناحية السياسية، يشكل القرار علامة ثقة من السعودية تجاه الحكومة الحالية ورئاسة الجمهورية أي أنه مدخل لعلاقات جيدة بالدولة اللبنانية التي تنفض عنها السطوة التي كانت مفروضة عليها من محور الممانعة"، أما في شقها الآخر، فهي "تعكس مدلولاً اقتصادياً إيجابياً، لدعم القطاعات التي تأثرت بشكل كبير من وقف التصدير ووقف التجارة بالعبور – الترانزيت". من هنا، ينظر الحاج بأمل إلى مستقبل القطاعين الصناعي والزراعي في لبنان، لأنهما سيتأثران نحو الأفضل، معتبراً أن القرار يشكل "استجابةً لحاجة ومطلب كافة الصناعيين، وتحديداً الشريحة التي تعتمد على السوق السعودية بصورة أساسية، حيث سيشكل متنفساً لصادراتها، وسيضاعف أرقام الواردات لتتخطى النصف مليار دولار أميركي سنوياً من القطع الأجنبي".