Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحب في زمن الـ"سوشيال": قواعد جديدة للعشق

كيف انتقل من تجربة عاطفية بطيئة تتكون في الداخل إلى علاقة اتصالية معروضة في فضاء رقمي لا ينام؟

ربما يرى الإنسان صورة قبل أن يسمع الصوت (مواقع التواصل)

ملخص

لم يقتل الفضاء الرقمي علاقات الحب العاطفية، ولم يجعلها بالضرورة أضعف أو أقل صدقاً، لكنه غيّر مادة هذه العلاقات والوسائل المستخدمة لإظهار الحب والمشاعر والعواطف التي تعبر عنه بين شخصين هما في علاقة حب.

قبل الفضاء الرقمي وعوالمه وطرق الاتصال والتواصل فيه كانت المشاعر العاطفية تتكون ببطء، عبر النظرة والانتظار والرسالة والأغنية والفيلم والحكاية الشعبية، بينما صارت اليوم تمر عبر الصورة والإعجاب بها أو التعليق عليها وعبر تتبّع المنشورات اليومية، وكأن الحبيب يتعرف إلى حبيبه في المكان الرقمي العام أكثر مما يعرفه في الحياة الواقعية.

هذا لا يعني أن الحب قبل الفضاء الرقمي كان في حال أفضل والحب الحالي غير طبيعي أو مصطنع، بل يعني أنه بإمكاننا نحن الذين عايشنا ما قبل الفضاء الرقمي وخلاله أن نلحظ كيفية تبدّل تركيب علاقات الحب وكيفية تطويرها وتتويجها بعلاقة، فالفرق ظاهر بين العلاقات العاطفية القديمة التي كانت تستمد مواضيعها ومعناها من الأغاني العاطفية وأفلام الأبيض والأسود، فكان شكل وتركيب علاقة الحب موحّدين تقريباً مع الفرق في المجتمعات والثقافات المحلية والظروف التي تسمح للحبيبين بالتقارب والتواصل.

أما اليوم، فليس هناك تعريف محدد لعلاقة الحب، فهي متنوعة بتنوع الأفراد الذين يتواصلون عبر الفضاء الرقمي، وبات هذا الفضاء نفسه يقرب بين الحبيبين المستقبليين عبر الخوارزميات من دون جهد منهما، ويكون الحب قائماً على مشاهدة الحبيب المفترض الذي يقدم نفسه فيه، فلا تكون الصورة عن الحبيب متخيلة ومفترضة وتصير واضحة عندما تصبح العلاقة بينهما مقبولة رسمياً من الأهل والمجتمع، كما كانت الحال في العلاقات السابقة على ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من تطبيقات التعارف والمواعدة في عالم الإنترنت الواسع.

من هنا ليس السؤال عن الحب في الزمن الرقمي سؤالاً عن التطبيقات أو وسائل التواصل وتأثيرها في العلاقات، بل السؤال يدور حول الطريقة التي تتبدل بها المشاعر القديمة جداً شبه الغريزية في وسائل تواصل جديدة توصل المشاعر بطرق مباشرة وواضحة.

الحب القديم يتحدى الجديد

ليس الهدف القول إن الحب القديم كان أصدق من حب اليوم، فهذه مقاربة سهلة ومن المحتمل أن تكون خادعة. ففي الزمن السابق كانت هناك قيود اجتماعية قاسية ورقابة عائلية وخوف من الفضيحة وتفاوت طبقي وصعوبة في اختيار الشريك، وحرمان طويل لا يملك صاحبه أحياناً أية قدرة على التعبير.

لكن ذلك الزمن كان يمنح الحب إيقاعاً مختلفاً. كان الحب يولد غالباً داخل مكان ما في الحي، أو الجامعة أو في العمل أو في المقهى أو مع العائلة. ولم يكُن الشخص الآخر يظهر دفعة واحدة، ولا كان يتحول منذ البداية إلى ملف من الصور والمعلومات والانطباعات. كان يظهر ناقصاً، بل كان يترك للخيال عملاً واسعاً. فتصير جملة عابرة كأنها كنز يردده العاشق في الرأس عشرات المرات، أو نظرة يمكن أن تُقرأ بأكثر من معنى، أو يدفع الغياب المفاجئ إلى مشاعر الفقد والحرمان مباشرة وتتطور القصص في خيال المنتظر حول سبب غياب الآخر.

في الفضاء الرقمي، يدخل الحب غالباً من باب آخر، فربما يرى الإنسان صورة قبل أن يسمع الصوت، ومن الممكن أن يقرأ تعريفاً قصيراً قبل أن يعرف الجسد، وقد يبدأ الكلام من إعجاب عابر أو رسالة قصيرة أو خوارزمية تقترح شخصاً بعيداً لم يكُن ممكناً أن يدخل حياته في العالم السابق. ولم يعُد الحب محكوماً بالكامل بمن نعرفهم في الحي أو الجامعة أو القرية أو المكتب. صار ممكناً أن يولد من مسافة بعيدة، بين مدينتين أو ثقافتين أو لغتين.

العلاقة الخاصة باتت عامة

لم تعُد العلاقة، في حالات كثيرة، علاقة بين حبيبين فقط، بل بين حبيبين وجمهور غير محدد من المتفرجين والمفسرين والمقربين والغرباء. ويصبح الشغف جزءاً مما يمكن تسميته "اقتصاد الظهور"، إذ عليه أحياناً أن يثبت نفسه لا أمام الحبيب وحده، بل أمام الشبكة أيضاً. ومن هذه المشاعية الجديدة، تتولد أنواع مختلفة من الحساسية العاطفية، غيرة من تعليق، والتباس بسبب إعجاب، وانشغال بصورة لم تُنشر، وحرج من صورة نُشرت أكثر مما ينبغي، ومقارنة دائمة بثنائيات أخرى تعرض لحظاتها كما لو أنها إعلان طويل عن السعادة.

هذا التحول يغيّر مادة الحب النفسية والتعبيرية. ففي هذه الأيام من لا يردّ فإنما يعني أنه تجاهل الرسالة، على رغم أن هناك أسباباً كثيرة منعته من الرد مباشرة. فتبدأ الأسئلة من قبيل، لماذا شاهد ولم يرد؟ لماذا نشر ولم يكتب؟ لماذا كان متصلاً ثم اختفى؟ لماذا أعجب بصورة شخص آخر؟ لماذا أخفى قصة؟ لماذا حذف صورة؟ لماذا تغيّر أسلوبه في الكتابة؟ ولا تتحول هذه الأسئلة دائماً إلى شك، لكنها تغيّر طريقة الإحساس بالآخر.

كان الخيال في الحب القديم يملأ نقص المعلومات، أما اليوم فقد يضطر الخيال إلى العمل وسط فائض المعلومات.

من هنا تتغير وظيفة التواصل نفسها. وقبل الفضاء الرقمي، كان التواصل أقل كثافة وأكثر ندرة. فتكون الرسالة ثمينة لأنها نادرة، والندرة لا تجعل الحب أفضل تلقائياً، لكنها تمنحه وزناً مختلفاً. أما اليوم، فالتواصل صار غزيراً إلى حد أن العلاقة تبدو أحياناً كأنها لا ترتاح من الكلام.

وهذا يخلق قرباً جديداً، لكنه يخلق عبئاً جديداً أيضاً. في العلاقة القديمة كان السؤال كيف أصل إلى الآخر؟ وفي العلاقة الرقمية صار السؤال أحياناً، كيف أترك للآخر مسافة من دون أن تبدو المسافة فتوراً أو إهمالاً؟

وقبل الفضاء الرقمي، صاغت الأغنية والسينما والأدب الشعبي خيال الحب كما عاشه الناس أو كما أرادوا أن يعيشوه نظرة وانتظار ورسالة وسفر وعودة وفراق ووعد وخيانة ولقاء على محطة ونافذة مضاءة وشارع تحت المطر ومكالمة لا تأتي، وحبيب يغني لغياب حبيبته وبطلة تنتظر رجلاً لا تعرف إن كان سيعود.

لم تكُن هذه الفنون تنقل الحب فقط، بل كانت تعلم الناس كيف يتخيلونه، والأدب الشعبي كان يضع الحب في حكايات الفراق والوفاء والصبر والقدر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في الزمن الرقمي، ظهرت فنون أخرى للحب مثل فيديو قصير عن علاقة، واعتراف على "تيك توك" أو "إنستغرام"، أو حالة "واتساب"، أو لقطة شاشة، أو محادثة مصورة، أو منشور غامض بعد الانفصال، أو أغنية مبنية على جملة قصيرة قابلة للاقتباس والمشاركة، أو صورة مشتركة تصير علامة إعلان، وحذف الصورة نفسها يصير علامة انتهاء.

ليس الفرق بين الحب القديم والحب الرقمي أن الأول صادق والثاني زائف. هذا حكم أخلاقي أكثر منه فهماً. فالفرق أن الأول كان يتكون في زمن الندرة، والثاني يتكون في زمن الوفرة. الأول كان يختبر قدرة الإنسان على الانتظار، والثاني يختبر قدرته على تنظيم الاتصال وحماية المعنى داخله. الأول كان يتألم أحياناً لأن الوصول صعب، والثاني قد يتأثر لأن الوصول سهل أكثر مما ينبغي. الأول يخاف ألا يرى الحبيب، والثاني يخاف أن يراه في كل مكان ولا يعرف دائماً ماذا يعني حضوره. الأول يكتب رسالة وينتظر مصيرها، والثاني يعرف أن الرسالة وصلت وشوهدت ولم يأتِ الرد.

فما حدث أمام أعيننا خلال أعوام قليلة أن شعوراً قديماً، في صلب التكوين الإنساني، تبدل في معانيه وأدواره ونتائجه وغريزته التعبيرية. والحب لم يعُد يعيش فقط بين قلبين، ولا حتى بين جسدين، بل صار يعيش أيضاً بين أجهزة ومنصات وخوارزميات وجمهور وذاكرة رقمية لا تنسى بسهولة. وصار على الإنسان أن يحب داخل عالم يريد تحويل كل شيء إلى إشارة وصورة ومحتوى وأثر قابل للتأويل.

ربما لهذا لا يحتاج الحب الحديث إلى حنين إلى الماضي، بل إلى وعي جديد بوسائله. فالمشكلة ليست في أن الهاتف دخل العلاقة، بل في أن العلاقة قد تنسى أحياناً أنها أوسع من الهاتف. وليست المشكلة في أن الحب صار يملك أدوات تعبير أكثر، بل في أن كثرة الأدوات قد تبتلع الشيء الذي جاءت للتعبير عنه. وكان على العاشق القديم أن يتخيل الآخر من ندرة العلامات، أما العاشق الرقمي فعليه أن يحمي الآخر من فائض العلامات. وفي الحالين يبقى السؤال نفسه، وإن تبدلت وسائله، هل نحب شخصاً، أم نحب الصورة التي صنعتها أدوات زمننا عنه؟

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات