Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لبنان الآخر... حكايات أقليات لا يراها كثيرون

جماعات تُعد بالآلاف، وينظر إليها البحث الكمي على أنها "أقلية" على المستوى الوطني العام

لا تحظى أقليات إلا بتمثيل سياسي محدود داخل البرلمان والإدارة العامة، ولكنها في الوقت نفسه تشكل كتلة وازنة في مناطق تجمعها داخل لبنان (ا ف ب)

ملخص

يحفل لبنان بعدد كبير من الأقليات التي يحيط وجودها جدل فكري وقانوني. ويحاول أنصار تلك الجماعات فرض وجودهم بالطرق السلمية، والحصول على تمثيل كافٍ والقدرة على التأثير في القرار. ويفتقر هؤلاء لتكافؤ الفرص بسبب عدم الاعتراف القانوني بهم، فيما يبرز وجودهم على مستوى النخب الثقافية والاجتماعية.

في بلدٍ تُعرّفه الكتب والدساتير بأنه وطن 18 طائفة معترفاً بها رسمياً، تختبئ خلف المشهد طوائف وجماعات أخرى لا يعرف اللبنانيون عنها إلا القليل. بعضها لا يتجاوز عدد أتباعه بضع مئات، وبعضها الآخر يمتد حضوره إلى أكثر من قرن، لكنه يعيش بعيداً من الأضواء، بين هواجس الحفاظ على الهوية وصعوبة الاندماج الكامل في نظام يقوم أساساً على التمثيل الطائفي. 

أنتجت أجواء الانفتاح الفكري والثقافي التي عاشها "لبنان" بدءاً بالنصف الثاني من القرن التاسع عشر فضاءً واسعاً لاستقبال الأفكار الوافدة والجماعات الباحثة عن "ملجأ لخصوصيتها". وشارك هؤلاء الوافدون إلى البلاد برسم الهوية الخاصة والفريدة بهذه البلاد التعددية، وباتت جزءاً من أوقات ائتلافها ولحظات عاصفة بتناقضاتها. في لبنان، جماعات تُعد بعشرات الآلاف، وينظر إليها البحث الكمي على أنها "أقلية" على المستوى الوطني العام، ولا تحظى إلا بتمثيل سياسي محدود داخل البرلمان والإدارة العامة، ولكنها في الوقت نفسه تشكل كتلة وازنة في مناطق تجمعها داخل لبنان، كما هي حال الطائفة العلوية الوازنة في حضورها شمالاً، وتمتلك نائبين إثنين في عكار وطرابلس، أو حتى مجموعة ذات "بصمة فنية وصناعية" كما هي حال الأرمن في المتن الشمالي قرب بيروت وعنجر في البقاع. إلا أن هناك مجموعات لا يتعدى عدد أتباعها المئات، وتفتقر إلى التمثيل القانوني المستقل. ونحاول في تقريرنا هذا تقديم  من تلك المجموعات في لبنان، حضورها وهواجسها على لسان أتباعها، الذين يعيشون أحياناً حالة من الصمت، ليس خوفاً من الاضطهاد، وإنما تجنباً لكثرة السؤال، وعلامات الاستفهام والأحكام المتسرعة بفعل الأفكار المسبقة.

"ميناء يونان"

لمدينة الميناء في طرابلس (عاصمة محافظة لبنان الشمالي) قصتها مع "اليونان"، حيث تحولت المدينة الساحلية إلى موطن لعدد كبير من التجار والبحارة والمهاجرين، وانعكست بصماتهم على جدران المدينة وأسماء نواحيها، حيث يستمر النادي اليوناني فاتحاً لأبوابه على رغم تبدل الوظيفة من نادٍ محض ثقافي، ذي هوية خاصة، إلى حاضنة للأنشطة الرياضية.

تنتمي ماري يان نيكولاييدس (معلمة لغة فرنسية) إلى الجيل الثالث من اليونان، تروي قصة العائلة التي أسهمت في تطوير الميناء، بعد أن جاء جدها أغاثوكليس إلى هنا قبل أكثر من مئة عام، ليعمل "كمهندس للفنارات التي تضيء الساحل من طرطوس شمالاً إلى حيفا في فلسطين جنوباً". تستمر ماري بالعيش في لبنان، على رغم امتلاكها جواز السفر اليوناني إلى جانب اللبناني وانتقال عائلات إخوانها للعيش في اليونان بفعل التسهيلات التي حصلوا عليها من الحكومة، وتكرر "أنا لبنانية من جذور يونانية"، مبرزةً هوية مشتركة وأسلوب حياة قائم على التمسك بالفرح والعائلة والعادات والتقاليد والمطبخ المتوسطي، إذ تُصر على تعليم أبنائها اللغة اليونانية قراءةً وكتابةً، وأرسلتهم بدءاً من عمر 8 سنوات في رحلات كشفية إلى اليونان بدعم من السفارة في لبنان. وتشدد على الدور الذي لعبه القنصل أرسطو كاركاس خلال إشرافه على النادي اليوناني في الحفاظ على خصوصية الهوية اليونانية وتعليم اللغة الأم التي تُعتبر مفتاح المعرفة والحكمة الإغريقية القديمة، وإقامة أنشطة ثقافية وسهرات وتنظيم "الفاسيلوبيتا" التي تشارك فيها فاعليات طرابلسية ولبنانية ويونانية، إضافة إلى الموسيقى الكلاسيكية الراقصة، مستذكرةً والدها الذي كان يستمع إلى الإذاعة اليونانية التي تصل عبر الأثير إلى الميناء، وقد أسهم ذلك في اكتساب اللغة وحفظ الأغاني، ومعايشة الاحتفالات القومية والشعبية على غرار العيد الوطني في 25 من مارس (آذار)، وعيد "لا" ورفض الاستعمار، وتعلم الأطباق التراثية على غرار "الباستيتشيو" قوامها العجين، و"الموساكا" التي تعتمد على الباذنجان المقلي، و"التاراما"، و"التزازيكي" وغيرها من المازات.

تشير ماري نيكولاييدس إلى تراجع في أعداد العائلات اليونانية المقيمة في لبنان، وتقدرها بـ 12 عائلة، إضافة إلى جالية موزعة بين الكورة وبيروت، وتضم أفراداً من الطوائف المسيحية والإسلامية، ممَن درسوا في اليونان قبل العودة والاستقرار في لبنان.  

البهائيون في لبنان

يكتنف الديانة البهائية الكثير من الغموض، فهي من الديانات الحديثة نسبياً مقارنةً بالأديان الأممية الكبرى. وتحظى بآلاف الأتباع في لبنان، حيث يشكل هؤلاء امتداداً للآباء الأوائل، ممن نشروا أفكار "حضرة بهاء الله" بدءاً من أواخر القرن التاسع عشر. يضع عصام أردكاني، أحد الفاعلين في أوساط الطائفة في لبنان، الحضور البهائي التاريخي ضمن "فسيفساء التعدد"، إذ يشكل جزءاً من "بلدٍ ارتبط اسمه بالتنوّع الديني والثقافي، حيث يشكّل الوجود البهائي أحد المكوّنات ذات الخصوصية في المشهد اللبناني". ويتحدث عن التعاليم التي تقوم "على مبادئ أساسية أبرزها وحدة الجنس البشري، والمساواة بين المرأة والرجل، ونبذ التعصّب، وتعزيز الانسجام بين العلم والدين، إضافة إلى الدعوة لبناء مجتمع يقوم على العدالة والتعاون". وبحسب أتباعها، "تتميّز الديانة البهائية بعدم وجود كهنوت أو رجال دين، إذ تُدار شؤونها عبر مؤسسات منتخبة، أبرزها بيت العدل الأعظم، الهيئة العليا التي تشرف على شؤون الجامعة البهائية عالمياً. وتتمحور الممارسات الروحية حول الصلاة اليومية وقراءة الأدعية، إضافة إلى إحياء مناسبات دينية مثل عيد الرضوان وعيد النوروز".

يتطرق أردكاني إلى حقبة الظهور التاريخي المحلي للديانة مع "وصول أوائل البهائيين إلى لبنان في القرن التاسع عشر، والاستقرار في بيروت ومناطق أخرى، ثم انضمّت إليهم عائلات لبنانية تعرّفت إلى التعاليم الجديدة. وشكّلت زيارة حضرة عبد البهاء إلى بيروت في عام 1887 محطة مهمة في تاريخ العلاقة بين البهائيين ولبنان، إذ التقى في حينه بأدباء وصحافيين ورجال دين وشخصيات اجتماعية بارزة، ما أسهم في توفير مناخ من الحوار والتفاعل الفكري"، مضيفاً أنه "مع مطلع القرن العشرين، ازداد عدد البهائيين في البلاد، خصوصاً مع التحاق طلاب بهائيين بمؤسسات تعليمية مرموقة مثل الجامعة الأميركية في بيروت، التي شكّلت مساحة للتلاقي الثقافي والفكري. ومن بين هؤلاء حضرة شوقي أفندي (1897-1957) الذي تولّى لاحقاً مسؤولية قيادة المجتمع البهائي عالمياً وأسهم في تنظيم مؤسساته الإدارية وتوسيع انتشاره".

بعيداً من ضجيج الإعلام والسياسة، يعيش البهائيون في مناطق مختلفة في لبنان، ويؤكد أردكاني، "ينتشر البهائيون في عدد من المناطق اللبنانية، منها بيروت والمتن وبعبدا والبقاع الغربي والجنوب. ويُقدَّر عددهم بآلاف قليلة وفق مصادر غير رسمية، نظراً لعدم وجود إحصاءات دقيقة، إذ إن الدولة اللبنانية لا تعترف بهم كطائفة مستقلة ضمن الطوائف الـ18 المعترف بها رسمياً. وينعكس ذلك في بعض التحديات القانونية، خصوصاً في مسائل الأحوال الشخصية، إذ لا توجد محاكم روحية خاصة بهم، ما يدفع بعضهم إلى عقد الزواج المدني خارج لبنان ثم تسجيله رسمياً"، مضيفاً أنه "في السياق اللبناني، برزت شخصيات أكاديمية وثقافية من أتباع هذه الديانة، من بينهم الدكتور سهيل بشروئي، الذي عُرف بنشاطه الفكري والثقافي. ويركّز البهائيون في لبنان والعالم على مجالات التعليم، وخدمة المجتمع، وتعزيز الحوار والتعاون بين مختلف المكوّنات، سعياً للإسهام في التقدّم المادي والروحي للمجتمعات التي يعيشون فيها". ويشير إلى "الامتداد الكوني للمجتمع البهائي، على الصعيد العالمي، يُقدَّر عدد أتباع الديانة البهائية بين خمسة وستة ملايين شخص موزعين في أكثر من 200 دولة ومنطقة، ما يجعلها من أكثر الديانات انتشاراً جغرافياً. وتوجد أكبر التجمعات في الهند وأفريقيا وأميركا اللاتينية، إضافة إلى حضور ملحوظ في أميركا الشمالية. ومن أبرز معالمها الدينية 'مشرق الأذكار'، وهو بيت عبادة مفتوح لجميع الناس بغضّ النظر عن ديانتهم، ويُعدّ معبد اللوتس في نيودلهي من أشهر هذه المعابد، لما يتميز به من تصميم معماري مستوحى من زهرة اللوتس البيضاء"، موضحاً "عدم وجود معابد بهائية رسمية، بل تُقام اللقاءات والأنشطة الروحية في أماكن مخصّصة وفق الحاجة".

السريان والتمثيل السياسي

في الدائرة الانتخابية الأولى للعاصمة اللبنانية بيروت، خصصت السلطة مقعداً للأقليات، يختزل الهوية الثقافية التعددية لمجموعة من الطوائف المصنفة "أقليات"، ومن بين تلك المجموعات الثقافية "السريان" التي لا تحظى بتأثير كبير في القرارات بفعل تقاسم المناصب بين الطوائف السياسية الكبرى.

تعود المحامية مارسيل سمعان ناضر إلى تاريخ تعرفها إلى زوجها "السرياني" جوزيف موصللي، على مقاعد السنة الجامعية الثانية في كلية الحقوق، مستذكرةً "لم أكن أعرف أنه سرياني، إلا قبل الزفاف بأسبوع، عندما كان يستجوبني الخوري في كنيسة سيدة البشارة، عندها سألوني: هل لديك مشكلة بالزواج من ابن طائفة أخرى، استغربت، وقررت أنه لا مشكلة تمنع الزواج". ولكن، بدأت المعاناة لاحقاً بعد وفاة زوجها، وتحديداً بعد أن تخرج ابنها من الجامعة، حيث اصطدم بالتوازنات الطائفية التي تعيق التطور الوظيفي.

من جهته، يتحدث المحامي جورج موصللي عن تجربة الطائفة السريانية في لبنان، انطلاقاً من تجربته الشخصية التي عكسها في كتاب له بعنوان "الأقليات والتعددية مصدر وحدة أو تقسيم في لبنان والعراق؟". إذ يشير إلى أن "السريان الكاثوليك وهي أصغر الأقليات في لبنان، يكاد لا يكون لها تمثيل أو تأثير يُذكر في القرار اللبناني"، و"تتقاسم 6 طوائف مسيحية مقعد الأقليات (السريان، والأشوريون، والكلدان) في منطقة الأشرفية ببيروت". ويعتقد موصللي أن "التوزيع الطائفي للوظائف يشكل مساساً بمبدأ المساواة بين كافة المواطنين"، و"هو ما يدفع أبناء الطائفة إلى النضال ورفع الصوت لتحسين التمثيل وإنصاف الأقليات التي يُقدَّر مجموع أتباعها بـ 57 ألف مواطن، ويُفترض رفع تمثيلهم إلى 3 نواب"، وفق موصللي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يعتقد السريان أنهم من مؤسسي لبنان، ويشيرون إلى أن "اسم البلاد هو كلمة سريانية وتعني قلب الله، كذلك في حاضرة في أسماء القرى والبلدات المنتشرة في مختلف المناطق"، ويطمح هؤلاء للحفاظ على اللغة التي تراجع عدد المتحدثين فيها إلى حد كبير، والتي ما زالت صامدة في بعض البلدات في سوريا.

ويرى المحامي موصللي أن "من المشكلات التي يعيشها السريان عدم وجود مجتمع خاص بهم، ويقتصر على رابطة سريانية وبعض الكنائس، على خلاف الأرمن مثلاً. ولا تحظى سرديتهم التاريخية باهتمام كبير على مستوى الفضاء العام، كذلك لا تحظى لغتهم الأصلية باهتمام كافٍ، وهو ما يجعلها من أكثر الأقليات تهميشاً التي تتمسك بالبقاء في لبنان على رغم هجرة أعداد كبيرة من أبنائها بسبب الحروب المتعاقبة".

الأحمدية العابرة

تعد "الأحمدية" أو القاديانية من الأقليات الصغيرة في لبنان، التي ينتسب إليها عدد قليل من الأتباع. ويُثير وجود تلك الطائفة الكثير من الجدل في الأوساط الإسلامية بسبب إدعاء مؤسسها "مرزا غلام أحمد القادياني" أنه "الإمام المهدي" أي المخلص الموعود في آخر الزمان. وأدى حصول جمعيتها على علم وخبر في عام 2015 إلى سجال كبير، وهو ما دفع إلى سحب الترخيص المبدئي منها. يعيش أبناء الطائفة بـ "صمت" في أنحاء مختلفة في جنوب لبنان وشماله، وينشر هؤلاء أفكارهم ضمن الدائرة الضيقة، من خلال النقاش ببعض الطروحات والأفكار، أو توزيع الكتب والمؤلفات على غرار "كتاب إلَهُنا لحضرة ميرزا بشير أحمد" الصادر باللغة الأردية (إحدى لغات الهند) في عام 1925، والتي تعكس رؤية أعلام تلك الطائفة التي تنظر إلى نفسها بأنها "جماعة المؤمنين الأخيرة". يعزو هؤلاء وجودهم في لبنان إلى عام 1920، لكن حضورهم تراجع كثيراً في حقبة الحرب الأهلية 1975، ونشطت من جديد في لبنان في 2005. وبعد سحب ترخيص "الجمعية اللبنانية للمسلم الأحمدي" في عام 2015، دخلت الطائفة مرحلة الحياة في الظل و"ممارسة الطقوس في المنزل لا على العلن" بسبب حالة الجدل التي أحاطت الإعلان عن أفكارها في لبنان، فيما يتحدث أنصارها عن انتشارها على مستوى 200 دولة وإقليم، ويعبرون عن اعتقادهم بأن "الانتصار الموعود للإسلام يتحقق بالحجة والبرهان والإقناع الفكري، لا بالقوة والإكراه"، و"أهمية إدارة الاختلاف بين الفرق المختلفة في إطار الاحترام المتبادل وحرية المعتقد والحوار السلمي"، متمسكين بشعار "الحب للجميع ولا كراهية لأحد". ويشير ممثل الجماعة في لبنان عمر علام إلى "وصول أعداد أتباع الجمعية في لبنان إلى 250 شخصاً، ولكن أعداداً كبيرة هاجرت منهم إلى الخارج، وهو ما أدى إلى تراجع الموجودين إلى قرابة 150 تابعاً".

يؤكد أتباع الجماعة في لبنان أنهم "لا يشكلون جماعة مستقلة بنفسها، وإنما يتوزعون بين أتباع مختلف الطوائف"، و"هم تيار فكري عالمي عابر للمذاهب يعيش إيمانه على رغم حرمانهم من التنظيم الإداري".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات