Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أشباه أدرعي وصلاح وحتى غيفارا... عندما يصبح الوجه سلاحا

الشبه يتحول أحياناً من مصادفة بيولوجية إلى مهنة كاملة تدر أموالاً هائلة

"بيخلق من الشبه أربعين" يقول المثل الشعبي، لكن الزمن الرقمي أضاف تتمة لم تكن في بال الأجداد أبداً (اندبندنت عربية)

ملخص

"يخلق من الشبه أربعين"، لكن في عصر "السوشيال ميديا" يكفي واحد منهم ليحول ملامحه إلى مصدر دخل. من شبيه أفيخاي أدرعي في لبنان إلى أشباه دونالد ترمب ومحمد صلاح ومادونا، صار الشبه مهنة لها جمهور وتسعيرة وسوق كاملة.

لا نتحدث هنا عن الدوبلير (الممثل البديل) الذي يقفز من فوق سيارة مشتعلة بدل الممثل، ولا عن محترفي الأخطار الذين يدخلون الدراما من باب الكدمات المدفوعة الأجر. نتحدث عن شبه حقيقي، لا يُكتب في السيناريو ولا يخرجه مخرج لامع، فهو يولد في الوجه ثم يجد نفسه فجأة على مسرح الحياة. ملامح تقرر نيابة عن صاحبها أن تشبه شخصاً آخر، رئيساً أو نجماً أو عدواً أو أسطورة. ومن هنا تبدأ الحكاية، حكاية وجه وجد نفسه في دائرة الشبه فأهدته فرصة نادرة أو لعنة قاسية أو مهنة غيرت مستقبله.

الشبه مصدر رزق

"بيخلق من الشبه أربعين" يقول المثل الشعبي، لكن الزمن الرقمي أضاف تتمة لم تكن في بال الأجداد أبداً. واحد منهم يفتح حساباً ويصوّر فيديوهات ويستضاف في المقابلات، وربما يضع تسعيرة للدقيقة!

ففي لبنان، ظهر أخيراً مواطن شاب يدعى محمود عياش يشبه إلى حد لافت الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، وهي مفارقة لا تحتاج إلى كثير من الخيال كي تتحول إلى مادة ساخرة ومربكة ومربحة أيضاً. في بلد يحمل وجه أدرعي معنى سياسياً ونفسياً ثقيلاً يصبح الشبه مادة سمجة، فالوجه مرتبط بالعداء والإنذارات والحرب والخطاب العسكري والتهديد المصور والاستفزاز، لذلك حين يرى البعض شبيهه في الشارع، يسبق ضحكهم ارتباك صغير، وربما خوف خاطف، كأنهم يظنون أن واحداً من أسوأ كوابيسهم يمشي أمامهم.

القصة بدأت بملامح فرضت نفسها على صاحبها قبل أن يختارها، ثم جاءت الكاميرا و"السوشيال ميديا" وتعليقات الناس والمقابلات، وبعد ذلك جاء ما هو أكثر إثارة، تحويل الشبه إلى خدمة قابلة للتسعير، فحين حاول فريقنا الصحافي التواصل مع عياش لإجراء مقابلة مصورة، كان الرد واضحاً ومباشراً أن للمقابلة بدلاً مادياً يبلغ 250 دولاراً لخمس دقائق إذا صُوّرت في الشمال حيث يقيم، مع اختلاف التسعيرة بحسب المكان والوقت، كأننا لم نعد أمام شاب يشبه شخصية عامة فحسب، وتحول هذا الشبه إلى اقتصاد مصغر للوجه يقرّش بالدولار.

ليست حالة عياش قصة معزولة، فعالمياً يتحول الشبه أحياناً من مصادفة بيولوجية إلى مهنة كاملة، وهناك من يشبه الرؤساء أو نجوم الفن، وبعضهم قد يشبه الطغاة... تبدأ المسألة بتشابه ملامح الوجه ثم تضاف سمات الشخصية المشهورة وطريقة تصفيف الشعر واللحية وتمتد إلى النظارات والبذلة والاستايل، وتتقمص أحياناً نبرة الصوت وحركة اليد وطريقة الوقوف والابتسامة، وربما لازمة كلامية معينة تضيف إلى مسرح التشابه بصمة إضافية، وشيئاً فشيئاً يبدأ الشبيه في أداء الشخصية، كأننا أمام نسخة اجتماعية من الأصل وليس مجرد نسخة جينية.

الدوبلير للحماية أو للاستيلاء

قديماً، كان الشبيه أداة سلطة وخداع في آن، لم يكن الشبيه دائماً ذلك الرجل الذي يقف في الصف الخلفي منتظراً رصاصة لا تخصه. أحياناً كان الشبيه حارساً للجسد، وأحياناً كان لصاً للعرش، ولم يكن الدوبلير للترفيه في القصور، فمهمته الأساسية كانت الحماية والتضليل وامتصاص الخطر. في اليابان الإقطاعية (بين أواخر القرن الـ12 وحتى القرن الـ19) عُرف مفهوم الكاغيموشا، أي محارب الظل، وهو بديل يشبه القائد ويظهر مكانه لإرباك العدو.

وفي روما، بعد موت الإمبراطور نيرون عام 68، ظهر أكثر من شخص ادعى أنه نيرون العائد، عُرفت الظاهرة باسم Pseudo-Nero. بعض هؤلاء اعتمدوا على الشبه الجسدي، وبعضهم على تقليد صوته أو مهارته الموسيقية، لأن نيرون كان معروفاً بالغناء والعزف. وهنا لا نتحدث عن دوبلير رسمي يحمي الإمبراطور، إنما عن شبيه سياسي بعد الوفاة، متمثل بشخص يستثمر حنين الناس وانقسامهم وغموض موت الحاكم، وهكذا عاد نيرون بعد موته أكثر من مرة بنسخ بشرية ادعت أنها هو.

تضليل الجواسيس

استخدم البريطانيون في الحرب العالمية الثانية، الممثل أم إي كليفتون جيمس شبيه للجنرال برنارد مونتغمري في عملية تضليل عُرفت باسم "عملية كوبرهيد" قبل إنزال النورماندي عام 1944. وشكّل هذا الشبه سلاحاً استخباراتياً حقيقياً، إذ خضع جيمس لتدريب على طريقة مشية مونتغمري وسلوكه، وارتدى إصبعاً صناعياً لإخفاء إصابة قديمة كانت قد تفضح الخدعة، ثم ظهر علناً في جبل طارق والجزائر، حيث كان من المتوقع أن تلتقطه أعين الجواسيس الألمان، فيوحي وجوده هناك بأن مونتغمري منشغل بعمليات عسكرية في البحر المتوسط وليس بالتحضير للغزو المرتقب لفرنسا. وعلى رغم أن المؤرخين يختلفون حول حجم تأثير العملية، فإنها أصبحت واحدة من أشهر الأمثلة على استخدام الشبه الجسدي كسلاح استخباراتي ضمن خطة الخداع الكبرى التي سبقت الإنزال الشهير.

أشباه ستالين وصدام وغيفارا

وفي تاريخ الديكتاتوريات الحديثة تكثر حكايات البدلاء، وارتبطت بجوزيف ستالين روايات عن دوبليرات، أبرزهم فيليكس داداييف الذي قال لاحقاً إنه أدى دور الزعيم السوفياتي في بعض المناسبات. وداداييف كان فناناً وراقصاً، شارك في بعض المناسبات العامة والاستعراضات والظهورات التي كان يُخشى فيها على حياة الزعيم السوفياتي. وبحسب روايته، خضع لتدريبات دقيقة شملت طريقة المشي والتحدث وتعبيرات الوجه، وجرى تعديل مظهره بالماكياج والملابس ليصبح نسخة شبه مطابقة من ستالين. وذكر أنه لم يكن مجرد شبيه عابر، فلقد اضطر إلى زيادة وزنه وتعلم حركات ستالين بدقة، وعاش أعواماً طويلة من دون أن يُسمح له بالحديث عن المهمة بسبب السرية السوفياتية.

أما الرئيس العراقي الراحل صدام حسين فبقيت قضية أشباهه واحدة من أكثر الروايات إثارة للجدل في تاريخ الزعماء المعاصرين، ففي عام 2002 وقبيل الغزو الأميركي للعراق أثار خبير الطب الشرعي الألماني ديتر بومان ضجة واسعة عندما أعلن عبر تحقيق بثته شبكة ألمانية أنه فحص نحو 450 صورة ومقطع فيديو لصدام حسين، وخلص إلى أن بعض الظهورات العلنية تعود على الأرجح إلى ثلاثة أشخاص مختلفين يشبهونه، مستنداً إلى فروقات في شكل الأذنين والأنف والذقن وبعض ملامح الوجه، وانتشرت هذه الفرضية في وسائل إعلام غربية عدة، وعززت الاعتقاد السائد بأن النظام العراقي ربما استخدم بدلاء لأسباب أمنية.

في المقابل، برزت شهادات من داخل الدائرة الضيقة المحيطة بصدام تنفي هذه الرواية، فقد أكد طبيبه الشخصي وجراحه علاء بشير، في مقابلات عدة بعد سقوط النظام، ثم في كتابه The Insider: Trapped in Saddam's Brutal Regime الصادر عام 2004، أنه لم يشهد وجود أشباه لصدام ولم يُطلب منه يوماً إجراء عمليات تجميل لأشخاص بهدف تحويلهم إلى نسخ من الرئيس العراقي، وعاد بشير عام 2010 ليصف قصص الأشباه بأنها مبالغات لا تستند إلى أدلة حاسمة.

وبين تأكيد بومان ونفي بشير المتكرر بقيت القضية من دون حسم نهائي، وتحولت قصة أشباه صدام إلى مثال كلاسيكي على المنطقة الرمادية التي تعيش فيها الأنظمة المغلقة، حيث يصبح الغموض نفسه جزءاً من القوة، ويصعب أحياناً التمييز بين الحقيقة الأمنية والأسطورة السياسية.

بعض الشخصيات تملك أشباهاً، أما تشي غيفارا فأصبح العالم كله شبيهاً له، فالصورة الشهيرة التي التقطها المصور الكوبي ألبرتو كوردا عام 1960 بعنوان " الثائر البطولي" حوّلت ملامح غيفارا إلى أيقونة عالمية. ومنذ ذلك الحين ظهر عشرات الأشخاص الذين يشبهونه ويعمل بعضهم في المناسبات السياسية والثقافية أو في صناعة السياحة المرتبطة بالثورة الكوبية، وأشهرهم الكوبي أورلاندو فرنانديز الذي لُقب في وسائل إعلام أجنبية بـ"شبيه تشي غيفارا"، وعمل في بعض الفعاليات السياحية والثقافية المرتبطة بإرث الثورة. وبقيت صورة تشي المطبوعة على ملايين القمصان والملصقات والأكواب الأشهر والأكثر حضوراً، وحولت وجهه إلى قالب جاهز للاستنساخ. لم يعد الناس يبحثون عن رجل يشبه غيفارا بشعره المجعد ولحيته وقبعته الشهيرة، فكل شخص يستطيع ارتداء رموزه البصرية وإقناع الآخرين بأنه يحمل شيئاً من روحه الثورية، ففي حالة تشي انتصر الرمز على الجسد، وصارت القبعة أكثر شهرة من صاحبها.

ترامب وصناعة الأشباه

أما الرئيس الأميركي دونالد ترمب فقد أنجب من حيث لا يدري صناعة كاملة من الأشباه، كأن الرئاسة الأميركية تحتاج إلى باروكة شقراء وربطة عنق حمراء وحركة يد تعرف كيف تقطع الهواء بثقة. ومن أشهر مقلديه الأميركي جون دي دومينيكو، الذي بدأ تقمّص الرئيس الأميركي حتى قبل وصوله إلى البيت الأبيض بأعوام، وذكر في مقابلات أن التحول إلى ترمب يحتاج إلى شعر مستعار وماكياج وتدريب على الصوت والإيماءات. وقد ظهر في برامج وإعلانات ومناسبات مدفوعة، حتى تحولت شخصية ترمب لديه إلى وظيفة كاملة وليس مجرد نكتة انتخابية، ولم يبق الأمر عند حدود الحفلات الخاصة، ففي عام 2017 قدم الكوميدي أنتوني أتامانويك شخصية الرئيس الأميركي في برنامج ساخر بعنوان "عرض الرئيس" إذ لم يكن المطلوب أن يشبهه فقط، فلقد حوّل لغته الجسدية وتكراراته وخطابه المتضخم إلى مادة تلفزيونية. وقالت مجلة "التايم" إن بعض المقاطع انتشرت أحياناً خارج سياقها، فظن بعض المشاهدين أنهم أمام ترمب الحقيقي وليس أمام شبيهه، وهي لحظة مثالية لفهم زمن الصورة، فالنسخة أحياناً لا تحتاج إلى أن تكون دقيقة، يكفي أن تكون قابلة للتصديق للحظات قليلة.

الملكة والليدي

في العائلات الملكية للشبه ثقله الخاصة وخصوصيته، فلقد بنت جانيت تشارلز أشهر شبيهات الملكة إليزابيث الثانية، على شبهها بها مسيرة امتدت أكثر من أربعة عقود، وظهرت خلالها في أفلام وبرامج تلفزيونية، والمفارقة أن هذا الشبه عطل بداياتها كممثلة، قبل أن يتحول لاحقاً إلى مهنتها الأساسية. وكانت تشارلز حريصة على عدم قبول أدوار مهينة لصورة الملكة، كما عملت ماري رينولدز كشبيهة للملكة منذ عام 1988، ثم أعلنت اعتزالها بعد وفاة إليزابيث الثانية عام 2022، في تفصيل يكشف أن وظيفة الشبيه الملكي ترتبط بطقس الاحترام العام.

أما الأميرة ديانا فتعرض شبيهات لها في وكالات أوروبية وبريطانية بوصفهن قادرات على استحضار الأناقة والحنين وليس مجرد تقليد الملامح. المطلوب هنا تلك الإمالة الخجولة للرأس، والشعر الأشقر القصير والابتسامة الحزينة، وحضور امرأة ما زال غيابها أكثر شهرة من حضور كثيرين.

وتتكرر الظاهرة مع وجوه ملكية معاصرة، أبرزها هايدي آغان، الشبيهة المحترفة لكايت ميدلتون، أميرة ويلز، التي بدأت العمل في هذا المجال عام 2012 بعدما كانت نادلة، ثم صارت تُستدعى للمناسبات والإعلام بسبب شبهها اللافت بكايت. والطريف أن هذا الشبه دخل عام 2024 في قلب نظريات المؤامرة، حين اضطرت آغان إلى نفي أنها المرأة التي ظهرت في فيديو لكايت وويليام قرب متجر في وندسور خلال فترة غياب الأميرة عن الظهور العام.

إلى الفن

في القرن الـ20، ومع صعود السينما والتلفزيون خرج الشبيه من غرف الاستخبارات إلى خشبة الاستعراض. وصار هناك شبيه للنجوم إلفيس بريسلي ومارلين مونرو ومايكل جاكسون ومادونا. بعضهم يظهر في الأعراس والمهرجانات والإعلانات، وبعضهم يعمل في برامج ساخرة أو مناسبات معينة. ولم يعد الشبيه يستخدم لحماية الأصل من الاغتيال، وصارت مهمته حماية الجمهور من الملل، إذ يقدم نسخة أقرب وأرخص وأكثر طواعية من النجم، حتى إن بعض الوكالات العالمية تعرض خدمات الشبهاء للمناسبات، وتضع الأسعار كما توضع أسعار المغنين والفرق الموسيقية. بعض المنصات تقدر أجور شبيهي المشاهير بمئات الدولارات للظهور الواحد، وقد ترتفع الأسعار بحسب درجة الشبه والشهرة ونوع الحدث ومدة الأداء... وصار لمهنة الشبيه سوق وجمهور ولجان تحكيم. ومن أوضح الأمثلة على ذلك مسابقات تقمّص إلفيس بريسلي التي انطلقت رسمياً عام 2007 في ولاية تينيسي الأميركية، وتقوم على تصفيات أولية مرخصة في مهرجانات وكازينوهات وفضاءات ترفيهية حول العالم، ثم يتأهل الفائزون للمنافسة على اللقب النهائي. ويُحاكم المتسابقون إضافة إلى الشبه الجسدي، على قدرتهم على إعادة إنتاج "إلفيس" كحضور كامل من الصوت والمظهر إلى الملابس والوقوف على المسرح وطريقة الأداء، كأن الناس لا يبحثون عن إلفيس الحقيقي، إنما عن أفضل نسخة ممكنة من الغياب.

وإذا كان إلفيس يملك جيشاً من المقلدين المعترف بهم رسمياً، فإن المغنية مادونا تملك ما يشبه صناعة كاملة من الشبيهات حول العالم. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي تحولت من نجمة غناء إلى أيقونة بصرية يسهل التعرف إليها من تسريحة الشعر الأشقر وأسلوب الملابس وحركات الرقص التي طبعت مرحلة كاملة من ثقافة البوب، وقد ظهرت عشرات النساء اللواتي بنين مساراً مهنياً كاملاً على تقمّص شخصيتها، سواء في الحفلات الخاصة أو البرامج التلفزيونية أو العروض الفنية، ومن أشهرهن البريطانية ميليسا توتن، التي عملت أعواماً طويلة كشبيهة محترفة لمادونا وشاركت في حملات إعلانية وبرامج تلفزيونية مستفيدة من هذا الشبه.

والشبيه لا يبيع وجهه فقط، فالوجه هو المدخل، لكنه لا يكفي، ولكي ينجح عليه أن يتحول إلى مؤد، فيدرس الأصل كما يدرس الممثل دوره تماماً من نبرة الصوت وإيقاع الجملة والوقفات ونظرة العين وطريقة المصافحة، حتى العيوب الصغيرة، فالنسخة التي تشبه كثيراً ولا تتحرك كالأصل تُخيّب التوقع، أما النسخة التي لا تشبه تماماً لكنها تتقن الأداء فقد تربح الجمهور في عالم الفن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من مارادونا إلى مو صلاح

كثيراً ما حظي أسطورة كرة القدم مارادونا بحكايات خيالية، فلقد كان المثال الأكثر أسطورية في الأرجنتين والعالم، ولشدة تعلق الناس به كان يكفي شعر مجعد وقميص أرجنتيني، وبعض الفوضى في الكاريزما، كي يصدق الناس أنهم أمام دييغو ولو لدقيقة. وكانت وكالات الأشباه الأوروبية تعرض "دوبلير مارادونا" للحفلات والمهرجانات والفعاليات الرياضية والصور التذكارية بأسعار عالية. والطريف أن المغني روبي ويليامز روى أنه التقط صوراً عام 2014 مع رجل ظنه مارادونا على منحدر تزلج في النمسا، قبل أن يكتشف لاحقاً أنه كان شبيهاً أو مدعياً.

وفي عالم الرياضة ظهر أشباه رونالدو وميسي وبيكهام ونيمار وسواهم في شوارع مدن مختلفة من العالم، أشباه لا يملكون تلك الأقدام الذهبية لكنهم يملكون ملامح وجوه كافية للذهول أو لعرقلة الطرقات بسبب تهافت الناس عليهم، ولقد اشتهر الإيراني رضا برستش عام 2017 بسبب شبهه الكبير بليونيل ميسي، حتى إن ظهوره في شوارع مدينة همدان تسبب بتجمهر الناس حوله لالتقاط الصور، فاقتادته الشرطة موقتاً إلى المركز وصادرت سيارته بسبب الفوضى.

أما البريطاني ديفيد بيكهام فربما يمثل النسخة الأكثر تجارية من هذه الظاهرة، فقد تحول شبيهه البريطاني آندي هارمر إلى اسم معروف في صناعة الأشباه، ثم أسس وكالة متخصصة تضم مئات الوجوه الشبيهة بالمشاهير، وهنا يكتمل انتقال الشبه من مصادفة شخصية إلى اقتصاد قائم بذاته.

وعام 2018 اشتهر شبيه محمد صلاح، الشاب المصري أحمد بهاء، إذ كتبت عنه صحف رياضية بعدما ظهر في مقاطع مع النجم نفسه، حتى بدا المشهد كأن مو التقى نسخته التجريبية، وتعرض وكالات الترفيه في بريطانيا شبيهاً لمحمد صلاح للحفلات والفعاليات الكروية، بما يعني أن الشبه هذا أصبح خدمة قابلة للحجز.

أقسى شبه

لعل أكثر الحكايات قسوة عن الشبه تلك التي تجعل الشبيه يكره وجهه لأنه يذكّره بوجه يكرهه. يروي العراقي لطيف يحيى أنه كان ضابطاً شاباً في الجيش حين استدعي عام 1987 إلى قصر عدي صدام حسين، بعدما تذكر الأخير أن زملاء الدراسة كانوا يعلقون قديماً على الشبه بينهما. وبحسب روايته طُلب منه أن يصبح "فدائي" عدي، أي بديله الجسدي في المناسبات الخطرة، وحين رفض سُجن في زنزانة انفرادية قبل أن يرضخ، ثم خضع، كما قال، لتدريب على طريقة كلام عدي ومشيته، ولعمليات تجميل وأسنان كي يقترب أكثر من ملامحه، هكذا لم يعد وجهه ملكاً له، وصار قناعاً إجبارياً لرجل كان العراقيون يخافون اسمه قبل وجهه.

لكن قصة يحيى بقيت أيضاً في معرض الشكوك، فقد نشر روايته في كتب عدة، منها "كنت نجل صدام" عام 1994 و"شبيه الشيطان" عام 2003، وتحولت إلى فيلم عام 2011، غير أن صحافيين عالميين شككوا في بعض تفاصيلها، كذلك نقلت صحيفة "اندبندنت" عن أشخاص من دائرة عدي قولهم إنه ربما كان يشبهه ويتكلم مثله، لكنه لم يكن بديله الرسمي.

يكتشف بعض الأشخاص أن الشبه وضعهم في علاقة قسرية مع شخصيات يكرهها العالم، فبعد فضيحة رجل الأعمال الأميركي برنارد مادوف المالية عام 2008، تحدث أميركيون يشبهونه عن نظرات الريبة والتعليقات التي باتوا يتلقونها في الأماكن العامة، وفي أوروبا، روى رجال اضطروا إلى تغيير شكل شواربهم أو تسريحات شعرهم هرباً من مقارنات متكررة مع أدولف هتلر.

ما يظهر أنه كما يمكن للشبه أن يفتح باب الشهرة يمكنه أيضاً أن يحوّل صاحبه إلى متهم بصري دائم، يدفع ثمن جرائم لم يرتكبها وقرارات لم يتخذها، فقط لأن المرآة أخطأت في اختيار ملامحه. ومن الناحية السوسيولوجية، هذه الحالات مثيرة للاهتمام لأنها تكشف ما يسميه علماء النفس "الوصمة بالارتباط البصري"، أي إن الناس ينقلون مشاعرهم تجاه شخصية معروفة إلى شخص لا علاقة له بها سوى تشابه الملامح.

لكل شبه سيميولوجيا

كتب طبيب الأعصاب النمسوي والمفكر سيغموند فرويد عام 1919 عن مفهوم الغرابة أو اللامألوف، وفي قلبه صورة القرين الذي يربكنا لأنه مألوف وغريب في آن. يشبه ما نعرفه، لكنه ليس هو، يطمئننا ويهددنا.

هنا تدخل السيميولوجيا من الباب الخلفي، فالشبيه علامة تمشي على قدمين، يحمل ملامح شخص آخر ويحمل معها المعاني الملتصقة به، فشبيه أفيخاي أدرعي في لبنان، مثلاً، لا يُقرأ كما يُقرأ شبيه لاعب كرة قدم أو ممثل كوميدي. وجهه يستدعي ذاكرة حرب وخطاباً عسكرياً وعدائية سياسية في بلد احتُل جنوبه ويعيش على وقع الغارات والتهديدات، لذلك يتحول ظهوره إلى مزحة متوترة، نضحك لأننا نعرف أنه ليس هو، وننزعج لأن الوجه يعرف كيف يستحضر صاحبه حتى في غيابه.

أما شبيه الرياضي فيحمل معنى مختلفاً لا يستدعي الخوف، بل يمنح الجمهور وهماً لطيفاً بالقرب من أسطورة بعيدة. هنا يصبح الشبه تذكرة رمزية إلى عالم النجومية يشعر فيها المعجب أن المسافة بينه وبين البطل تقلصت فجأة، وفي عالم الفنانين يصبح الشبه اقتصاد حنين، لذلك تحولت تقمصات إلفيس بريسلي ومادونا ومايكل جاكسون إلى صناعة كاملة، لها مسابقات وعروض وحجوزات وجمهور.

أما شبيه الرئيس أو الزعيم، فقصته أكثر حساسية، لأن وجه السياسي الذي يحمل شهرة يحمل أيضاً قرارات وحروباً وانقسامات وولاءات وخصومات.

هكذا لا يكون الشبيه شخصاً واحداً، ويصبح مرآة متحركة لما علّقناه نحن على الأصل، إن كان الأصل محبوباً صار الشبيه لعبة قرب، وإن كان مكروهاً صار صدمة مصغرة، وإن كان الأصل زعيماً مخيفاً صار الشبيه احتمالاً سياسياً.

نجوم وسائل التواصل

إعلامياً يمكن القول إن الشبيه هو ابن شرعي لعصر المنصات، فالتلفزيون كان يحتاج إلى منتج ومخرج وميزانية كي يصنع نجماً ساخراً. اليوم يكفي هاتف ووجه مناسب وخوارزمية ما. وكلما كان الشبه مثيراً زادت قابلية المقطع للانتشار، فالمنصات لا تسأل كثيراً عن العمق، تسأل عن قابلية الوجه للتداول، فيصبح الشبيه مادة مثالية، سهل الفهم وسريع الالتقاط ويشتغل قبل أن يبدأ الكلام، إذ تسبق الصورة الفكرة، وهذا بالضبط ما تحبه الخوارزميات، لكن المسألة لا تخلو من التباس أخلاقي وقانوني، إلى أي حد يحق لشخص أن يستثمر وجهه حين يشبه شخصية عامة؟ غالباً يحق له ذلك ما دام لا ينتحل هوية الآخر ولا يوهم الناس بأنه الشخص الأصلي ولا يستعمل اسمه تجارياً بطريقة مضللة، لكن المنطقة الرمادية واسعة، فالتشبه المقصود قد يتحول إلى استغلال لصورة شخص آخر أو سمعته أو رمزيته، خصوصاً في الإعلانات والسياسة.

في الثقافات القانونية الغربية توجد نقاشات حول حق الشهرة، أي حق الشخص في التحكم بالاستخدام التجاري لاسمه وصورته وشبهه، أما في منطقتنا فالموضوع لا يزال غالباً يدار بمنطق العرف وليس بمنطق قانوني واضح.

والأدهى أن الأصل نفسه قد يدخل اللعبة، كما حصل مع مو صلاح عندما التقط صورة مع شبيهه، أو عندما نشر أفيخاي أدرعي فيديو يسخر فيه من الشبيه ويرد عليه، وهذا يعني أن الشبيه نجح في الوصول إلى الأصل. هنا تكتمل دائرة وسائل التواصل، نسخة محلية تستفز الأصل الرسمي، والأصل يرد فيمنح النسخة شرعية انتشار إضافية. إنها مفارقة الإعلام الرقمي، حين يرد صاحب السلطة على السخرية، قد يظن أنه يسيطر عليها، لكنه غالباً يوسّع جمهورها، والشبيه لا يحتاج إلى اعتراف رسمي، لكن الاعتراف الرسمي يرفع سعره، كما حصل مع عياش.

من دوبلير الحاكم إلى شبيه المؤثر، ومن الخداع العسكري إلى حفلات الأعراس، قطع القرين أو الشبيه رحلة طويلة. في الماضي كان الشبيه يحمي الأصل، اليوم قد يعيش على ظله، وفي بعض الأحيان، كما في السوشيال ميديا، يصبح الظل أكثر رشاقة من صاحبه، وأكثر قابلية للتداول، وربما أكثر ربحاً.

"بيخلق من الشبه أربعين"... لكن في عصر المنصات، يكفي واحد منهم كي يثبت أن الوجه ليس قدراً فقط، أحياناً يكون مشروعاً تجارياً صغيراً ومهنة عجيبة ونكتة ثقيلة ومرآة لزمن لا يكتفي بالنجوم، ويريد نسخاً منهم أيضاً.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات