ملخص
منذ بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا عام 2022، تنظر اليابان إلى روسيا، ولا سيما تعاونها العسكري والتكنولوجي مع الصين وكوريا الشمالية، على أنها تهديد لأمنها، وتخشى أن تدفع الأحداث في أوروبا الصين إلى حسم قضية تايوان بالقوة.
هل الشرق الأقصى على موعد مع صراعات عسكرية أخرى تضاف إلى الملف الروسي - الأوكراني الذي دخل عامه الرابع، على أمل أن يرى الضوء في نهاية نفق هذه الحرب؟
ثمة ثلاثة أضلاع تتنافس، بل تتناوش تاريخياً، في تلك المنطقة، وقد جرت بينها من قبل حروب كبيرة، وهي روسيا والصين واليابان، وبينما تجمع الصين وروسيا حالياً علاقة براغماتية يصعب وصفها بأنها رابط إستراتيجي عضوي، تبدو اليابان، الضلع الثالث في مثلث آخر هو المثلث الرأسمالي العالمي مع أوروبا والولايات المتحدة، مرشحة للدخول في صراعات مع البلدين الكبيرين، وتتقاطع بين الطرفين ملفات ساخنة قد تقود إلى مواجهات عسكرية في أية لحظة.
لماذا عاد هذا الحديث مرة جديدة؟
في أواخر مايو (أيار) الماضي نقلت الأخبار قيام اليابان بنشر قواتها بصورة عاجلة باتجاه روسيا، بسبب مخاوف من "جبهة الشرق الأقصى"، وتجلى ذلك في زيارة وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي إلى القواعد العسكرية لبلاده في جزيرة هوكايدو الرئيسة الواقعة في أقصى شمال اليابان، ومن هناك تحدث عن قلق طوكيو من احتمال فتح روسيا جبهة ثانية في الشرق الأقصى، ونتيجة لذلك سارعت الحكومة اليابانية إلى حشد قواتها نحو الحدود الروسية في هوكايدو، وفي التوقيت نفسه نقلت "هيئة الإذاعة والتلفزيون" اليابانية عن وزير الدفاع قوله إن الموقف العسكري الروسي في المنطقة "يمثل سبباً للقلق البالغ إلى جانب تعاونها الإستراتيجي مع الصين".
يبدو المشهد الياباني جزءاً لا يتجزأ من الارتباك الحاصل في جغرافيا منطقة الـ "إندوباسيفيك" عموماً، مع الأخذ في الاعتبار الدعوات المتسارعة إلى إعادة التسلح داخلياً، والمناورات الصاروخية مع الولايات المتحدة، وهو ما يجعل الجانب الروسي يستشعر قلقاً بالغاً مع العداءات التاريخية اليابانية – الصينية، ويعزز ذلك احتمال تقارب بكين وموسكو لمواجهة طوكيو، وتداعيات ذلك على تحالف طوكيو – واشنطن، فكيف يمكن تفكيك هذه الخيوط المتشابكة، ولا سيما أن تعقيداتها تمثل مزيجاً من التاريخ والجغرافيا؟
طوكيو - موسكو وارتدادات كييف
منذ بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا عام 2022 تنظر اليابان إلى روسيا، ولا سيما تعاونها العسكري والتكنولوجي مع الصين وكوريا الشمالية، على أنها تهديد لأمنها، وتخشى أن تدفع الأحداث في أوروبا الصين إلى حسم قضية تايوان بالقوة، وقد بيّنت الأعوام الأربعة الماضية أن اليابان تبنت موقفاً مؤيداً لأوكرانيا علناً، فيما شهدت العلاقات مع روسيا جموداً تاماً، ولم يتحدث قادة البلدين ولا وزيرا خارجيتهما منذ ما قبل الحرب، فضلاً عن عدم لقائهم شخصياً، وكذلك فرضت اليابان عقوبات واسعة النطاق على روسيا، مما أدى إلى انخفاض حجم التجارة الثنائية من 20.8 مليار دولار في السنة المالية 2021 إلى 7.5 مليار دولار فقط في السنة المالية 2025، لكن السؤال الجوهري كيف ينظر الجانبان إلى بعضهما بعضاً؟
في أواخر أبريل (نيسان) الماضي صدر عن قسم "الدراسات الآسيوية" في جامعة موسكو الحكومية تقرير إستراتيجي أعده البروفيسور الروسي ديمتري ف. ستريلتسوف يوضح مسارات تلك العلاقة، ويمكن تلخيص المشهد في أن المواقف الروسية تجاه اليابان تتسم بنمطية شديدة، فاليابان، في نظر الروس، قوة اقتصادية متراجعة تفقد مكانها باستمرار في التجارة والتكنولوجيا العالميتين، وبالتالي لا يؤخذ رأيها في الاعتبار، وأيضاً ينظر الروس إلى اليابان باعتبارها موقع القواعد العسكرية الأميركية ولذا تعد خصماً عسكرياً محتملاّ، وبسبب دعمها أوكرانيا تُعامل بوصفها عدواً، ويرى الروس أيضاً أن انسحاب الشركات اليابانية من الداخل الروسي محاولة لإلحاق الضرر بالاقتصاد الروسي، مما ينعكس على مخططات التنمية الاقتصادية والتكنولوجية لسيبيريا والشرق الأقصى.
وتقود هذه الصورة النمطية إلى استنتاج مفاده اعتبار اليابان غير ذات أهمية لأهداف السياسة الخارجية الروسية، ولهذا فمنذ استقالة رئيس الوزراء شينزو آبي عام 2020 لم يجر تقريباً أي نقاش في روسيا حول آفاق العلاقات مع اليابان، ولا سيما تأثير هذه العلاقات في مكانة موسكو الدولية.
هل النظرة اليابانية لروسيا أفضل حالاً؟
ينظر الجمهور الياباني إلى روسيا الحديثة على أنها دولة غير جذابة بل ومعادية، ولا يرتبط ذلك فقط بتناول وسائل الإعلام اليابانية لأزمة أوكرانيا، بل أيضاً بتصورات حقبة الحرب الباردة عن الاتحاد السوفياتي باعتباره تجسيداً للشرور، وتهديداً عسكرياً ومعتدياً ومنتهكاً لمعاهدة الحياد، وغازياً للأراضي "الأجدادية"، ومسؤولاً عن معاناة آلاف الأسرى اليابانيين في الحرب وغير ذلك، لكن هل عكست التحركات اليابانية الأخيرة انتقال العلاقة من المخاوف السياسية إلى إرهاصات مواجهة عسكرية؟
اليابان والتهديدات العسكرية الروسية
تشير نظرة سريعة للخريطة إلى أن روسيا تشكل تهديداً عسكرياً مباشراً لليابان، فأقرب القوات الروسية في كوناشير تبعد 25 كيلومتراً فقط من هوكايدو، إحدى الجزر اليابانية الأربع الرئيسة، وكوناشير جزء من جزر الكوريل الجنوبية، وهو أرخبيل خاضع لسيطرة موسكو منذ عام 1945، بينما تطالب به اليابان بوصفه أراض شمالية تابعة لها، وتشغل فرقة المدفعية الرشاشة الروسية الـ 18 التي تضم 3500 جندي متمركزين بصورة دائمة في هذه الجزر المتنازع عليها، دبابات قتال رئيسة من طراز "تي-80 بي في"، وكذلك فإن الفرقة مجهزة بصواريخ "باستيون" و"بال" المضادة للسفن، ومنظومة صواريخ "في-4300" التي يمكن استخدامها لضرب أهداف أرضية، وهو ما يعني أن معظم أراضي هوكايدو وبحرها ومجالها الجوي تقع ضمن المدى الروسي.
وقد يشير قرب هذه القوات وشدة تصريحات موسكو العلنية حول امتلاك روسيا القدرات والنية لتهديد اليابان عسكرياً بصورة مباشرة إلى أن الخطر قريب بالفعل، وهناك من يتبنى هذا التوجه، فمثلاً زعمت مقالة نشرتها مجلة "نيوزويك" الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 أن روسيا فكرت جدياً في شن نزاع محلي ضد اليابانيين خلال أغسطس (آب) من العام نفسه، وعلى رغم أن هذه الادعاءات تفتقر إلى أدلة داعمة، فإن كثيراً من المحللين وصناع السياسات في اليابان يحذرون من سلوك روسيا بوصفه مصدر قلق بالغ، لكنه لا يرقى إلى مستوى تهديد عسكري ملحّ، ويتضح ذلك من خلال إستراتيجية الأمن القومي اليابانية الصادرة في ديسمبر (كانون الأول) 2022، والتي تصف روسيا بطرق مختلفة تبعاً للمنطقة الجغرافية التي تمارس فيها أنشطتها، فبينما تعد الأنشطة الخارجية والعسكرية الروسية التهديد الأبرز والأكثر مباشرة للأمن في المنطقة الأوروبية، تصنف تصرفات موسكو في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك اليابان، على أنها مصدر قلق أمني بالغ، وينعكس هذا التوجه أيضاً على انتشار القوات اليابانية التي لا تزال توجّه بعيداً من الشمال الشرقي، أي هوكايدو، ونحو الجنوب الغربي، أي محيط جزر سينكاكو وتايوان، فعلى سبيل المثال عندما أنشأت اليابان لواء "رد الفعل السريع البرمائي" عام 2018، اُتخذ قرار بتمركز هذه الوحدة البحرية الجديدة في ساسيبو - كيوشو على بعد 1800 كيلومتر من الجزر المتنازع عليها مع روسيا.
وهنا يبرز سؤال: هل تمثل القوات الروسية على المحور الإستراتيجي الشرقي مخاوف فعلية لليابان، بما يفسر فكرة إعادة نشر قوات بحرية وجوية وبرية وصاروخية لمواجهة تهديدات روسية قائمة أو محتملة، خشية أن تجد طوكيو نفسها أمام سيناريو يشبه ما حل بكييف في فبراير 2022؟
عن عسكرة روسيا للشرق الأقصى
تشير تقارير عسكرية دولية إلى زيادة قدرات القوات المسلحة للاتحاد الروسي في الشرق الأقصى بصورة ملاحظة وعلى مستوى جميع الفروع، وكانت الأولوية لتحديث أنظمة أسلحة قديمة الطراز بعد أعوام من نقص الاستثمار عقب انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، وبحلول ديسمبر 2021 ارتفعت نسبة المعدات الجديدة في المنطقة العسكرية الشرقية إلى 56 في المئة.
وبالنظر إلى كل فرع على حدة فإن القوات البرية الروسية في المنطقة العسكرية الشرقية تتألف من 31 لواء وفرقتين، ويقدر إجمال عدد أفرادها حالياً بنحو 80 ألف جندي، وإضافة إلى صواريخ "بال" و"باستيون" المضادة للسفن، جُهزت القوات البرية خلال الأعوام الأخيرة بصواريخ "إسكندر" أرض – أرض، وكان تعزيز الأسطول الروسي في المحيط الهادئ، المنتشر بين قاعدتي فلاديفوستوك وكامتشاتكا، أكثر وضوحاً، وخلال عامي 2022 و2023 فقط أضيفت 10 سفن حربية وسفن مساعدة جديدة، وفي ديسمبر 2023 افتتح الرئيس فلاديمير بوتين أحدث هذه الإضافات، وهما غواصتان تعملان بالطاقة النووية، وبذلك يضم الأسطول الروسي في المحيط الهادئ حالياً أكثر من 260 سفينة، بإزاحة إجمالية تتجاوز 610 آلاف طن، وطاقم قوامه 30 ألف فرد، وتشمل الأصول الجديدة البارزة فرقاطات من فئة "ستيرجوشي" مزودة بصواريخ "كاليبر" الجوالة، وغواصات هجومية تعمل بالطاقة النووية من فئة "ياسين".
أما في ما يتعلق بالقدرات الجوية فقد نشرت روسيا في المنطقة العسكرية الشرقية نحو 320 طائرة مقاتلة، بما في ذلك أحدث طائرات "سو-35"، وشهدت القوات النووية الإستراتيجية في المنطقة تحديثاً كبيراً، وتمتلك روسيا حالياً خُمس غواصات نووية من طراز "بوري" مزودة بصواريخ باليستية في المحيط الهادئ، إضافة إلى 30 قاذفة بعيدة المدى من طراز "تو-95" تعمل انطلاقاً من قاعدة أوكراينكا الجوية في مقاطعة آمور.
وبعد حصولها على هذه المعدات الجديدة لم تتردد القوات المسلحة الروسية في استخدامها، فقد شهدت مناورات "فوستوك" التي تُجرى كل أربعة أعوام، ونفذت في المنطقة العسكرية الشرقية خلال سبتمبر (أيلول) 2022، مشاركة رسمية لأكثر من 50 ألف جندي و9 آلاف قطعة من المعدات العسكرية، وازداد نشاط الأسطول الروسي في المحيط الهادئ قرب اليابان، ومن يناير (كانون الثاني) إلى مارس (آذار) 2023، أجرت روسيا مناورة شاملة لأسطولها في بحر أوخوتسك بمشاركة 20 سفينة حربية، وعبرت السفن الروسية مضيق سويا بين هوكايدو وساخالين، ومضيق تسوغارو بين هوكايدو وهونشو مرات عدة.
وفي الوقت نفسه تُجري قاذفات "تو-95" الإستراتيجية الروسية دوريات طويلة المدى بانتظام فوق بحر اليابان، مما دفع قوات الدفاع الذاتي اليابانية إلى إرسال مقاتلات، ومن الأمثلة الحديثة على ذلك ما حدث في الثاني من أبريل 2024 حين ادعت اليابان أن مروحية روسية انتهكت مجالها الجوي فوق هوكايدو في الـ 31 من أكتوبر 2023، وهنا يبرز سؤال آخر: هل يحق لليابان التفكير في تسريع إعادة تسلحها لمواجهة ما يجري على الجانب الروسي؟
اليابان وإعادة التسلح وتنامي القومية
من الواضح أن ما يجري في روسيا من جهة، وفي الداخل الصيني من جهة أخرى، يدفعان اليابان نحو تصاعد النزعة القومية والإسراع في تعزيز قدراتها العسكرية، مع التخلي عن نهجها السلمي الذي تبنته بعد الحرب، ففي الـ 21 أبريل الماضي أعلنت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي رسمياً أن اليابان رفعت حظراً دام عقوداً على تصدير الأسلحة الفتاكة، ويشمل العرض الجديد ما لا يقل عن 17 دولة كمشترين محتملين للطائرات المقاتلة والصواريخ والسفن الحربية اليابانية، وهنا يبرز تساؤل: إذا كانت اليابان تمضي في طريق بيع الأسلحة الفتاكة إلى الخارج، فماذا عن صناعاتها العسكرية التقليدية، وكذلك قدراتها النووية المحتملة؟ ويقود ذلك إلى ما يشبه صحوة عسكرية يابانية تثير مخاوف الجيران، ولا سيما روسيا والصين، في ضوء تاريخ الإمبراطورية اليابانية، خصوصاً على الصعيد البحري العسكري، فقبل أيام من نهاية مايو الماضي وقّعت اليابان وأستراليا صفقة بقيمة 7 مليارات دولار أميركي، تبني بموجبها شركة "ميتسوبيشي" للصناعات الثقيلة 11 سفينة حربية للبحرية الملكية الأسترالية، وقبل ذلك بأسبوع بدأت "قوات الدفاع الذاتي اليابانية" المشاركة كقوة قتالية في مناورات "باليكاتان 2026" الأميركية - الفليبينية للمرة الأولى، حيث اختبرت صاروخها السطحي من طراز "تايب-88"، مسجلة أول استخدام لليابان لسلاح هجومي في الخارج منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتزامن إعلان تاكايتشي في الـ 21 من أبريل مع تقارير أفادت بأنها أرسلت قرباناً طقسياً إلى ضريح ياسوكوني الذي يكرم قتلى الحرب اليابانيين، بمن فيهم أكثر من 1000 مدان بجرائم حرب من الحرب العالمية الثانية، ويشمل ذلك رئيس الوزراء السابق توغو هيديكي والجنرال ماتسوي إيواني، اللذين أمرا جنودهما بتنفيذ عمليات إعدام جماعية للمدنيين في أنحاء نانجينغ عندما حاصر الجيش الإمبراطوري الياباني المدينة الصينية في ديسمبر1937.
ويرى بعضهم أن هذه التطورات مقلقة، ولا سيما أن التوجه السريع لإعادة التسلح اليوم يُعزى، وفق هذا الرأي، إلى تصاعد النزعة اليمينية المتطرفة والقومية في البلاد، بما يعيد للأذهان حقبة اتسمت بالعنف والوحشية في شرق آسيا، وفي هذا السياق عاد الحديث عن فكرة نشر أسلحة نووية أميركية على الأراضي اليابانية، بل إن ثمة من يرى أن اليابان تمتلك بالفعل القدرات العلمية والمخبرية اللازمة لحيازة أسلحة نووية، وأنها قادرة، على غرار ألمانيا، على تحويل مصانعها المدنية إلى مصانع عسكرية خلال فترة زمنية لا تتجاوز ستة أشهر.
وفي المقابل يبرز سؤال: هل تزعج هذه الصحوة العسكرية روسيا وحدها أم روسيا والصين معاً، مما يجعل شرق آسيا مرشحاً لمزيد من القلاقل واحتمال نشوب مواجهات جديدة، في ظل غياب مؤشرات تهدئة أو اتفاق سلام بين موسكو وكييف؟
روسيا والصين ورفض تسلح اليابان
من الواضح أن موسكو وبكين تنظران إلى اليابان بعين الماضي قبل الحاضر، وتستحضران طموحات إمبراطورية كانت يوماً ما ذات طابع توسعي، ويرى روس وصينيون أنه لولا وقع قنبلتي هيروشيما وناغازاكي النوويتين، لكان من الصعب على الإمبراطور هيروهيتو التخلي عن المسار الذي سلكته اليابان آنذاك، ومن جهة ثانية تنظر موسكو وبكين إلى اليابان باعتبارها منصة إطلاق للنفوذ الأميركي يمكن تفعيلها عند أي صدام بين الشرق والغرب، ومن هذا المنطلق جاء اعتراض وزارة الخارجية الروسية أواخر مايو الماضي على وجود صواريخ أميركية في اليابان، ضمن إجراءات تدريبات اعتبرتها تهديداً لروسيا، ففي الـ 28 من مايو الماضي قالت وزارة الخارجية الروسية إن السماح بنشر أنظمة الصواريخ الأميركية على الأراضي اليابانية، كجزء من التدريبات العسكرية، من شأنه أن يهدد أمن الحدود الشرقية لروسيا، وذكرت المتحدثة باسم الوزارة ماريا زاخاروفا أن روسيا تعتبر توفير اليابان أراضيها لنشر أنظمة صواريخ "تايفون" الأميركية طوال فترة التدريبات العسكرية خطوة "تهدد حدود روسيا في الشرق الأقصى"، موضحة أن موسكو أبلغت طوكيو مراراً مخاوفها من أن أي نشر للصواريخ في اليابان له "تأثير سلبي خطر في استقرار وأمن المنطقة وآسيا والمحيط الهادئ، ويشكل تهديداً مباشراً لحدودنا في الشرق الأقصى".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووفق ما نقل عنها فقد شددت روسيا على أنها "حذرت الجانب الياباني بانتظام من اتخاذ مثل هذه القرارات التي ستصنف حتماً على أنها متعمّدة وعدائية وتتجاهل المصالح الوطنية للاتحاد الروسي، وتدخل العلاقات الثنائية في مرحلة الخطر".
أما الصين فيمكن استقراء موقفها من مقالة نشرتها صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" في الـ 29 من أبريل الماضي للكاتب أليكسي لو، أشار فيها إلى أن إعادة بناء اليابان لقواتها المسلحة بدعم أميركي يهدد الاستقرار في الصين وما يتجاوزها، وبحسب الطرح نفسه فإن الصين تشكو من أن لدى اليابان خطة لتعاظم وجودها العسكري في أقصى الشرق الآسيوي، ومع امتلاكها أسطولاً كبيراً من طائرات "أف-16" خارج الولايات المتحدة، تعمل بالاشتراك مع إيطاليا وبريطانيا على تطوير طائرات متقدمة، وطلبت مئات الصواريخ من طراز "توماهوك" الأميركية الصنع بعيدة المدى والقادرة على ضرب الصين، لكن عمليات التسليم تأخرت بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.
وتتزايد مخاوف الصين أيضاً جراء نشر صواريخ أرض-جو متوسطة المدى في جزيرة يوناغوني الواقعة على بعد 110 كيلومترات فقط من السواحل الشرقية لتايوان، مما يعني ارتباطها مباشرة بأي طارئ عسكري في مضيق تايوان، وفي هذا السياق يبرز تساؤل حول ما إذا كانت اليابان تتعمد إعادة تسليحها لمواجهة الحلف الروسي - الصيني المتصاعد، خصوصاً أن ذلك يمثل، وفق هذا التصور، مصدر قلق للولايات المتحدة التي تحاول الحد من تقارب موسكو وبكين، مثلما فعلت في أوائل سبعينيات القرن الماضي حين خطط هنري كيسنجر للتقارب مع الصين في مواجهة نفوذ الاتحاد السوفياتي.
تحالف يزعج مستقبل طوكيو
تشعر طوكيو بقلق إزاء العلاقات الروسية - الصينية المتنامية، وتخشى من تشكيل جبهة موحدة مناهضة لليابان، وفي هذا الإطار تكررت تأكيدات رئيس وزراء اليابان الراحل شينزو آبي ضرورة فصل روسيا عن الصين، أو في الأقل الحد من تقاربهما، ولا يقتصر هذا المفهوم على آبي بل يتبناه أيضاً اليمين الياباني المتشدد، والذي يرى وجود أهداف غير معلنة بين روسيا والصين تهدف إلى تقليص الحضور الياباني في شرق آسيا.
وفي هذا السياق حظيت المناورات الروسية - الصينية المشتركة في بحر الصين الشرقي، الذي يشهد نزاعاً إقليمياً بين الصين واليابان، وكذلك الدوريات الجوية والبحرية المشتركة قرب الأراضي اليابانية، بتغطية إعلامية سلبية واسعة في وسائل الإعلام اليابانية والغربية، ويرى البروفيسور جيمس براون من "جامعة سيدني"، والذي يعلق بصورة متكررة على العلاقات اليابانية -الروسية في الصحافة اليابانية، أن روسيا "قد لا تكون حرة تماماً في اختيار مسارها الخاص"، وفي حال حدوث أزمة إقليمية فيمكن لبكين استخدام نفوذها لإجبار موسكو على التواطؤ مع طموحات الصين الإقليمية.
وفي الوقت نفسه يخشى مراقبون يابانيون من إمكان نقل التكنولوجيا العسكرية الروسية إلى الصين، وهو ما قد يسهل تحديث "جيش التحرير الشعبي" ويخلق تحديات إضافية لأمن اليابان، وقد ركزت تغطية وسائل الإعلام اليابانية خلال عام 2025، لمناسبة الذكرى الـ 80 لانتهاء الحرب العالمية الثانية، على العلاقات الروسية - الصينية والقواسم المشتركة بين الموقفين، ولا سيما في ما يتعلق بالذاكرة التاريخية وهزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، إذ تبدي طوكيو حساسية خاصة تجاه استحضار جيرانها لماضيها العسكري، وغالباً ما تصف وسائل الإعلام الصينية الدولة اليابانية الحديثة بأنها تحريفية وانتقائية بل وحتى فاشية، والخلاصة أن الماضي بين بكين وموسكو وطوكيو لا يموت.