Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تعامت إيران عن "درس ليبيا" الجوهري... وتمسكت بالخاطئ؟

سفير أميركي سابق شارك في مفاوضات تسليم القذافي ترسانته النووية يقدم البراهين على أن طهران ترتكب الخطأ الذي أودى بالزعيم الليبي من حيث لا تشعر

لا يزال سقوط االقذافي يلقي بظلاله على المنطقة (اندبندنت عربية)

ملخص

أثار الإصرار الغربي على تسويق التجربة الليبية غضباً في طهران، واعتبرته وسائل إعلامها رسالة تهديد مباشرة بتغيير النظام، مما زاد من صلابة الموقف الإيراني، بتأكيد أن "إيران ليست ليبيا"، مؤكدة أن نموذج 2003 لم يجلب الاستقرار لليبيا بل فككها. 

لكن هذا الاستنتاج الإيراني يمثل "قراءة خاطئة لنموذج ليبيا"، بحسب السفير غوردون غراي الذي كان شاهد عيان ودبلوماسياً فاعلاً في تلك المرحلة، إذ قضى يناير (كانون الأول) من عام 2004 في طرابلس لإتمام الجولة الختامية من المفاوضات التي أقنعت ليبيا بالتخلي عن برنامجها.

تتجه الأنظار مجدداً إلى طهران مع تجدد الحرب وتوارد الأنباء حول تفاهمات أميركية - إيرانية محتملة لعقد صفقة تختلف التقديرات في شأن التفاصيل الشائكة فيها، مثل المضيق والأموال المجمدة.

إلا أن المراقبين يجمعون على أن "الجزء الأصعب لم يأتِ بعد، وهو وضع المعايير والضوابط الخاصة بالبرنامج النووي"، وفي هذا السياق يبرز عائق فكري واستراتيجي يتمثل في القراءة الإيرانية المشوهة للتاريخ، وتحديداً "سوء فهم طهران لتجربة العقيد الليبي الراحل معمر القذافي"، وهو ما يهدد بانسداد أي أفق دبلوماسي مستقبلي.

تنطلق المقاربة الإيرانية من قناعة راسخة تولدت لدى النخبة الحاكمة، مفادها أن الدول التي تفرط في قدراتها غير التقليدية تقدم نفسها لأعدائها لقمة سائغة، مستشهدين بنماذج مثل العراق وأوكرانيا وليبيا، في مقابل صمود كتل نووية مثل كوريا الشمالية وباكستان.

 هذا الفهم رسخه المرشد الأعلى الراحل آية الله علي خامنئي، الذي انتقد القذافي علناً وبشدة في خطبة جماهيرية عام 2011. وبحسب شهادة السفير الأميركي الأسبق غوردون غراي أخيراً، فإن خامنئي لم يكن واقعياً حين هاجم القذافي لأنه "جمع كل معداته النووية عقب تهديدات فارغة، وشحنها على متن سفينة وسلمها للغربيين قائلاً: خذوها! ثم قرروا بعد ذلك مهاجمة ليبيا والاستيلاء على نفطها".

ويرى المحلل السياسي اللبناني طارق وهبي أن تجربة ليبيا باتت تُعقِّد التفاوض مع إيران لأنها "تحوّلت إلى مرجع رمزي في الوعي الإسرائيلي والأميركي لمعنى "التفكيك الكامل"، بينما ترى طهران أن المقارنة غير واقعية سياسياً  وأمنياً لأنها تساوي بين برنامج يمكن نزعه من نظام ضعيف وبين برنامج صار جزءاً من معادلة بقاء نظام يعتقد أنه مهدَّد أصلاً"، إلا أنه يثق بقدراته الجغرافية والعسكرية، التي يراها بين مقوماته بقائه، ولا سيما بعد الحرب الأخيرة.

 هذه الرؤية تسيطر اليوم على الجناح المتشدد في طهران، الذي يرى في برنامجه النووي غطاء شرعية وورقة ضغط ممتدة، تحاط بهالات من الخطوط الحمراء.

 

وكان المرشد السابق في فبراير (شباط) 2020 عاد وغمز مرة أخرى، "مفاوضات التفكيك"، محذراً قادة الحرس الثوري والجيش من تكرار ما سماه "نماذج الاستسلام" الإقليمية التي أدت، بحسب تعبيره، إلى تدمير البنية الدفاعية للدول، كذلك أكد أن الهدف النهائي للولايات المتحدة هو الإغلاق الكامل للصناعات النووية الإيرانية، تماماً كما حدث في ليبيا.

النموذج الليبي يغري إسرائيل

في الجولة الأخيرة من الصراع حضر "النموذج الليبي" كخارطة طريق علنية تطالب بها إسرائيل وأوساط أميركية كشرط لأي تسوية مع طهران، إذ نقل موقع "أكسيوس" عن مسؤول إسرائيلي رفيع أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يصر على "نموذج ليبيا القائم على التفكيك الكامل للبرنامج النووي" بمشاركة وكالة الطاقة الذرية، معتبراً فرص أي اتفاق آخر ضئيلة للغاية.

تزامن ذلك مع دعوة الباحث في معهد المشاريع الأميركية، مارك ثيسن، لـ"فوكس نيوز" بضرورة إبرام اتفاق بلا تنازلات يحاكي اتفاق إدارة بوش مع القذافي عام 2003، الذي نُقلت بموجبه مكونات البرنامج النووي إلى واشنطن، ورفض في هذا الصدد رفع الحصار البحري أو فتح مضيق هرمز من دون تسليم كامل اليورانيوم المخصب، مستنكراً بقاء المضيق كورقة ضغط بيد إيران.

أثار هذا الإصرار الغربي على تسويق التجربة الليبية غضباً في طهران، واعتبرته وسائل إعلامها رسالة تهديد مباشرة بتغيير النظام، مما زاد من صلابة الموقف الإيراني، وردت جريدة "طهران تايمز" بحسم تحت شعار "إيران ليست ليبيا"، مؤكدة أن نموذج 2003 لم يجلب الاستقرار لليبيا بل فككها.

 وسعت طهران إلى تفنيد المقارنة عبر إبراز أوراق قوتها، موضحة أن هيكل الحكم الإيراني يستند إلى مؤسسات دولة قوية وفعالة، على عكس نظام القذافي الهش الذي تسبب غياب مؤسساته في انهيار البلاد وانقسامها عقب إطاحته، وشددت على أن وضعها الجيوسياسي وثقلها الدولي ونفوذها الحيوي في "محور المقاومة" بغرب آسيا، يمنحها عمقاً استراتيجياً وقدرات ردع معقدة تجعل من المستحيل معاملتها كحالة معزولة مثل ليبيا.

  شهادة من غرف المفاوضات

لكن هذا الاستنتاج الإيراني يمثل "قراءة خاطئة لنموذج ليبيا"، بحسب السفير غوردون غراي الذي كان شاهد عيان ودبلوماسياً فاعلاً في تلك المرحلة، إذ قضى يناير (كانون الأول) من عام 2004 في طرابلس لإتمام الجولة الختامية من المفاوضات التي أقنعت ليبيا بالتخلي عن برامج أسلحة الدمار الشامل.

 ويروي غراي في شهادته التي نشرتها مجلة "منارا" البريطانية، التابعة لكامبردج اللحظات التاريخية الحرجة قائلاً "جاءت ذروة فترتي هناك في عتمة الليل البهيم من صبيحة الـ26 من يناير، عندما شاهدت ليبيا وهي تسلم نحو 55 ألف رطل من الوثائق والمكونات الخاصة ببرامجها النووية والصاروخية الباليستية ليتم نقلها إلى الولايات المتحدة على متن طائرة نقل عسكرية غير مميزة من طراز C-17".

ويكشف غراي أن كواليس النظام الليبي كانت تعيش انقساماً حاداً يشابه الصراعات غير المرئية داخل أروقة القرار في طهران اليوم، فقد كان رئيس الاستخبارات الليبية حينها، موسى كوسا، يقود التيار البراغماتي الساعي إلى تحسين العلاقات مع الغرب لرفع العقوبات الاقتصادية، في مواجهة عبدالله السنوسي (عديل القذافي ورئيس الاستخبارات العسكرية) الذي عارض التسليم بشدة، وفي نهاية المطاف نجح كوسا في إقناع القذافي، بناءً على حسابات سياسية واقتصادية، وليس استسلاماً لتهديدات عسكرية محددة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


بحسب رواية أحمد قذاف الدم، فإن قرار ليبيا التخلي عن برنامجها النووي جاء في سياق ضغوط دولية متصاعدة وخشية من تعرض البلاد لعمل عسكري غربي. ويقول في حوار مع "الشرق الأوسط" اللندنية إن طرابلس اكتشفت خلال مفاوضاتها مع الولايات المتحدة ودول غربية أن خصومها "كانوا يملكون كل وثائق البرنامج النووي والصاروخي"، وأن هناك خططاً قديمة لـ"تدمير ليبيا وسحقها"، مما دفع معمر القذافي إلى تبني خيار وصفه بـ"القرار الجريء" للتخلي عن البرنامج مقابل رفع العقوبات وتطبيع العلاقات، ويضيف أن ليبيا كانت تسعى إلى "إنقاذ ما يمكن إنقاذه وتفويت الفرصة على العدو لتدمير البلد".

وأقر بأنه كان من بين الفريق الذي يرى صواب عدم استفزاز الغرب، والدخول في مواجهة صفرية معه، وهو ما قال إنه نجح أخيراً في رفع العقوبات، إلا أن أطرافاً أخرى أعاقت تنفيذ الإصلاحات التي كان سيف الإسلام يقودها، مما ساعد في تأجيج الصراع الذي أنهى النظام، في سياق ما عرف بـ"الربيع العربي".

 "كل الأسلحة النووية لم تكن لتنقذ نظام القذافي"

إن الفخ الاستراتيجي الذي تقع فيه طهران بحسب المراقبين يتجسد في إغفال الأسباب الحقيقية التي أدت إلى مقتل القذافي وإسقاط نظامه عام 2011 بعد 42 عاماً في السلطة، فالقذافي لم يسقط لأن ترسانته النووية أصبحت في المتاحف الأميركية، بل نتيجة ثورة شعبية عارمة فجرها الداخل الليبي. ويوضح السفير غراي، الذي راقب سقوط النظام من كثب من موقع عمله سفيراً لبلاده على حدود ليبيا في تونس آنذاك، قائلاً "إن القمع الوحشي والفساد وسوء الإدارة الاقتصادية الفادح والحوكمة السيئة للغاية هي العوامل التي أنهت حكمه، وليس غياب الترسانة النووية"، ويضيف جازماً "إن كل الأسلحة النووية في العالم لم تكن لتنقذ نظام القذافي" من الغضب الشعبي المشتعل نتيجة سياساته الإقصائية.

 

وتتطابق هذه الرؤية مع شواهد تاريخية عدة، فالأنظمة الديكتاتورية وسوء إدارة الحكم تحمل في تركيبتها عوامل السقوط والاهتزاز من دون الحاجة إلى تدخل خارجي، تماماً كما تهاوى جدار برلين وسقطت المنظومة الاشتراكية على رغم ترسانتها النووية الضخمة.

 وبصورة أقرب إلى طهران يبرز النموذج السوري، إذ عرفت القيادة الإيرانية تمام المعرفة أن نظام بشار الأسد "كان مجوفاً وهشاً إلى حد أن امتلاكه شكلاً آخر من أسلحة الدمار الشامل (الأسلحة الكيماوية) لم يتمكن من إنقاذه من الانهيار المخزي في ديسمبر (كانون الأول) 2024"، ولهذا السبب تحديداً، آثرت طهران حينها "عدم إتلاف أموالها عبثاً، وامتنعت عن التدخل لصالحه" لعلمها بحتمية السقوط الداخلي.

وهو الفخ الاستراتيجي والتاريخي ذاته الذي تقع فيه طهران حالياً، كما يقول المسؤول الأميركي عبر تجاهل حقيقة أن القمع المحلي وسوء الإدارة الاقتصادية والفساد المستشري هي المهدد الحقيقي لبقائها، لا سيما عندما تتضاعف هذه العوامل تحت وطأة الضغوط الدولية والحروب الإقليمية المحيطة بها.

وتتضارب تقديرات المحللين نحو مؤشرات شكل النظام الإيراني بعد الحرب، إذ يرى بعضهم أن التحدي الذي خضع له قد يقنعه بتغيير بعض رهاناته، في حين رجح آخرون أن تفرد الحرس الثوري بالقرار في ظل أجواء الحرب قد يدفع بالقوى الأكثر تشدداً إلى الواجهة وليس العكس.

البرنامج النووي كـ"مشروع كرامة"

على الجانب الآخر من المشهد، ثمة مقاربة ترى أن القيادة الإيرانية لا تنظر إلى البرنامج النووي من زاوية عسكرية بحتة، بل توظفه استراتيجياً كأداة شرعية داخلية وحاضنة شعبية، فالبرنامج تحول عبر البروباغندا السياسية إلى "مشروع كرامة وطنية" وتحدٍّ إمبراطوري أمام الغرب، فتخشى السلطة في طهران أن التخلي عنه تحت الضغط سيعني انهيار ما تبقى لها من تأييد أو قبول شعبي في الداخل.

لذلك، تبدو طهران مستعدة على غرار النموذج الباكستاني لتحمل أقصى درجات الضغط الدولي، والعقوبات الاقتصادية الخانقة، وحتى الضربات العسكرية المحدودة، مراهنة على أن هذه الأثمان، مهما بلغت قسوتها، تظل أقل كلفة وأخف وطأة من السقوط الوجداني والشعبي الشامل الذي قد تتكبده داخلياً إذا ما قررت التنازل عن رمز طموحها القومي.

 

ترى صحيفة The Guardian  أن تمسك إيران بتخصيب اليورانيوم لا يرتبط فقط بالطاقة النووية، بل بات رمزاً للسيادة والاستقلال الوطني. ووفق تقرير لها في هذا السياق، تعتقد أن انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018 عزز من شعور الإيرانيين بأن الغرب لا يلتزم تعهداته، مما جعل البرنامج النووي يُنظر إليه باعتباره قضية كرامة وطنية بقدر ما هو مشروع تقني أو اقتصادي.

ويلخص التقرير هذه الرؤية بنقل قول محمد البرادعي إن إيران لا تسعى بالضرورة إلى السلاح النووي بقدر ما تسعى إلى الاعتراف بها كقوة إقليمية، إذ تمثل التكنولوجيا النووية بالنسبة إليها "رمزاً للهيبة والمكانة".

ويعزز ذلك ما كتبه حسن روحاني في مقال بصحيفة "واشنطن بوست"، معتبراً أن "امتلاك الطاقة النووية هو تعبير عن الهوية الإيرانية ومطلب للاحترام الدولي"، وأن فهم إصرار طهران على برنامجها النووي لا يكتمل من دون فهم أثر الهوية الوطنية في صياغة سياستها الخارجية.

تأخر السقوط لا يلغيه

ويشير الباحث السعودي أحمد الميموني المختص في الشأن الإيراني إلى أن النظام في طهران أصبح منذ وقت طويل كمثل الأسير للبرنامج النووي، فقد صاغه ضمن خطابه الشعبي والأيديولوجي، مما يجعل مناورته محدودة في هذا السياق.

ويرى في حديث مع "اندبندنت عربية" أن التمسك بالتقنية النووية "بات أولوية إيرانية تمليها أيديولوجيتها غير المرنة، فهو بالنسبة إليها رمز للاستقلالية، كذلك فإنه دليل على التقدم والمعرفة التقنية، ومصدر للشرعية، وقد استثمرت فيه إيران موارد ضخمة، وفرص ضائعة مهولة، فضلاً عن أنه كان ولا يزال ورقة شديدة الأهمية في إدارة علاقاته مع الغرب والشرق، لذا فإن التخلي عن كل ذلك كما يطرح الغرب هو خط أحمر بالنسبة إلى المرشد والنظام ككل".

لكن الميموني، وهو ضابط متقاعد برتبة لواء، لفت إلى أن ما لم تدركه إيران هو أن دونالد ترمب في هذه الفترة من رئاسته أمام اختبار صدقية وإثبات قدرته على الفعل، كذلك فإنه "قليل الصبر وتقع عليه ضغوط كبيرة جراء الضربات التي أصبحت مؤثرة في الإسرائيليين وفي سمعة وكفاءة الأسلحة الأميركية".

ويتقاطع معه وهبي كذلك، إذ يعتقد هو الآخر أن النووي "قد يؤخر السقوط أو يرفع كلفة إسقاط النظام، لكنه لا يلغيه إذا تضافرت ضده الأزمات الداخلية والضربات الخارجية والانكشاف الاستخباراتي".

على رغم ذلك يسوق السفير الأميركي المتقاعد غوردون غراي في قراءته للمشهد الإيراني تقديراً، رجح فيه أن النظام الإيراني يملك اليوم فرصة حقيقية لتغيير المسار وتأمين بقائه، ليس عبر حيازة القنبلة، بل بالالتفات إلى الداخل.

ويخلص إلى أن "القيادة الإيرانية ستخدم مصالحها الوطنية بصورة فضلى إذا أدركت أن معالجة سوء الحوكمة، وسوء الإدارة الاقتصادية المدمِّر، وإنهاء الفساد المستشري والقمع الوحشي، هو ما كان سيتيح للقذافي التمسك بالسلطة".

 

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل