Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السباق إلى الإليزيه... الهجرة في قلب المعركة الانتخابية

ارتباطها الوثيق بقضايا مؤثرة أخرى مثل الأمن والهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي يجعلها عاملاً حاسماً لدى بعض الفئات

يرى مراقبون أن أهمية ملف الهجرة تختلف باختلاف التوجهات السياسية للناخبين، إذ يحتل هذا الملف مكانة متقدمة لدى أنصار اليمين وأقصى اليمين (الرئاسة الفرنسية)

ملخص

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة عام 2027، يتصاعد الجدل حول القضايا التي ستحدد خيارات الناخبين وترسم ملامح السباق إلى قصر الإليزيه. وبينما تواصل القدرة الشرائية والأوضاع الاقتصادية تصدر اهتمامات الفرنسيين، يفرض ملف الهجرة نفسه كأحد أكثر المواضيع حضوراً في النقاش السياسي والإعلامي، نظراً إلى تقاطعه مع قضايا الأمن والهوية الوطنية والاندماج والتماسك الاجتماعي. وفي ظل صعود أقصى اليمين وتزايد المخاوف المرتبطة بالأمن والهجرة، يكتسب هذا الملف أهمية خاصة، ليس فقط باعتباره قضية انتخابية، بل أيضاً بوصفه مرآة للتحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها فرنسا عشية استحقاق رئاسي قد يكون من الأكثر حسماً في الأعوام الأخيرة.

قبل أقل من 12 شهراً على موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2027، تشير نتائج "الاستطلاع الانتخابي الفرنسي" إلى أن 73 في المئة من الفرنسيين يعدون مسألة "التحكم بالهجرة" موضوعاً مهماً أو حاسماً في اختيارهم الانتخابي، إلا أن قضايا الصحة والقدرة الشرائية والعمل والتعليم ما زالت تتصدر سلم الأولويات الوطنية، مما يعكس مكانة الهجرة كأحد الملفات المؤثرة في النقاش السياسي دون أن تكون بالضرورة القضية الأولى لدى جميع الناخبين.

أهمية الهجرة انتخابياً تتجاوز وزنها الديموغرافي في فرنسا

في حوار لنا مع الدكتورة إعجاب خضر خوري أكدت أن ملف الهجرة يرجح أن يكون من بين القضايا الأساس في الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، لكنه لن يكون بالضرورة القضية الأولى بالنسبة إلى جميع الناخبين. وأوضحت أن استطلاعات الرأي الحديثة تظهر أن اهتمامات الفرنسيين تتركز عادة حول القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، والأمن والجريمة، والاستقرار السياسي والوضع الاقتصادي، إلى جانب الهجرة.

وأشارت خوري إلى أن "أهمية ملف الهجرة تختلف باختلاف التوجهات السياسية للناخبين، إذ يحتل هذا الملف مكانة متقدمة لدى أنصار اليمين وأقصى اليمين، الذين يعدون السيطرة على الهجرة من أولوياتهم الرئيسة، بدرجة تفوق المعدل الوطني العام".

 

وعن تأثير الهجرة في السلوك الانتخابي، ترى خوري أن "هذا التأثير يكون غالباً غير مباشر، إذ يرتبط الملف في النقاش العام بقضايا الأمن والهوية الوطنية والاندماج والضغط على الخدمات العامة. كما أنه يشكل عاملاً قادراً على تعبئة شريحة من الناخبين، خصوصاً في أوساط اليمين وأقصى اليمين، وقد يؤثر في اختيار المرشح حتى عندما تبقى القدرة الشرائية الهم اليومي الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى الفرنسيين".

وأضافت أن "استطلاعات الرأي، قبل نحو عام من الانتخابات، تشير إلى أن الأحزاب والمرشحين الذين يركزون بصورة كبيرة على قضايا الهجرة والأمن يمتلكون قاعدة انتخابية وازنة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحول ما إذا كانت قضية المهاجرين غير النظاميين تمثل القضية المركزية في هذا الملف، أوضحت خوري أن "الأمر ليس بهذه البساطة. فمفهوم الهجرة في النقاش السياسي الفرنسي يشمل ملفات عدة متداخلة، من بينها الهجرة القانونية والهجرة غير النظامية واللجوء والاندماج وسياسات الترحيل والإبعاد، إضافة إلى قضايا العمل والمساعدات الاجتماعية".

ولفتت إلى أن الأشخاص المقيمين في فرنسا من دون وضع قانوني يمثلون نسبة محدودة نسبياً من السكان، إلا أن قضيتهم تحظى بحضور إعلامي وسياسي كبير، مما يجعل وزنها في النقاش العام يفوق حجمها الديموغرافي الفعلي.

وفي خلاصة حديثها، أكدت الدكتورة إعجاب خضر خوري أن "الهجرة ستكون بلا شك من الملفات البارزة في الحملة الرئاسية الفرنسية لعام 2027، لكنها ليست دائماً الشاغل الأول للفرنسيين، إذ تظل القدرة الشرائية في صدارة اهتمامات شريحة واسعة من الناخبين. ومع ذلك، فإن الأهمية الانتخابية للهجرة تبقى كبيرة بسبب ارتباطها الوثيق بقضايا مؤثرة أخرى، مثل الأمن والهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي، مما يجعلها عاملاً حاسماً لدى بعض الفئات الانتخابية، حتى وإن بقيت القضايا الاقتصادية ومستوى المعيشة العامل الأكثر تأثيراً لدى جزء كبير من الفرنسيين".

 

الهجرة والأمن في صلب معركة الإليزيه وسط تصاعد المخاوف وتراجع الثقة السياسية

في هذا السياق، يشير الباحث السياسي نبيل شوفان إلى أن "استطلاعات الرأي الأخيرة تعكس تنامي الشعور بالقلق داخل المجتمع الفرنسي، إذ باتت قضايا الأمن من أبرز اهتمامات الناخبين، في وقت تشهد خلاله المؤسسات السياسية أزمة ثقة متفاقمة، مع تراجع الثقة بالأحزاب السياسية والرئاسة والبرلمان إلى مستويات غير مسبوقة".

ويرى شوفان أن الجدل الذي أثاره اقتراح وزير العدل جيرالد دارمانان بتجميد بعض جوانب الهجرة القانونية لمدة ثلاثة أعوام يعكس حساسية ملف الهجرة ومركزيته في النقاش السياسي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ويؤكد الباحث السياسي أن "الهجرة، على رغم أن فرنسا ليست من أكثر الدول الأوروبية استقبالاً للمهاجرين، تحتل موقعاً محورياً في النقاش العام بسبب ارتباطها الوثيق بقضايا الهوية الوطنية والاندماج والعلمانية والتماسك الاجتماعي". ويضيف أن "الذاكرة الجماعية الفرنسية ما زالت متأثرة بسلسلة الهجمات الإرهابية التي شهدتها البلاد خلال العقد الماضي، في حين أسهم تصاعد الأعمال المعادية للسامية منذ عام 2023 في تعزيز المخاوف الأمنية، ودفع جزءاً كبيراً من الطبقة السياسية إلى تبني خطاب أكثر تشدداً في قضايا الأمن والهجرة".

وبحسب شوفان "يبدو أقصى اليمين، بقيادة مارين لوبن وجوردان بارديلا، المستفيد الأكبر من هذه الأجواء، بعدما نجح في الربط بين ملفات الهجرة والأمن والجريمة والدفاع عن الهوية الوطنية، وهو ما ينعكس في استطلاعات الرأي التي تضعه في موقع متقدم ضمن المنافسة الرئاسية. وفي مواجهة هذا التقدم، اتجه اليمين التقليدي ومعسكر الوسط الداعم للرئيس إيمانويل ماكرون إلى تشديد خطابهما في شأن ضبط الحدود ومكافحة الجريمة والإرهاب. في المقابل، يدعو الحزب الاشتراكي إلى مقاربة توازن بين متطلبات الأمن والعدالة الاجتماعية وسياسات الاندماج، بينما يرفض جان لوك ميلانشون وحزب ’فرنسا الأبية‘ تحميل الهجرة مسؤولية الأزمات الاجتماعية والأمنية التي تواجهها البلاد".

ويخلص شوفان إلى أن "فرنسا تعيش مفارقة مستمرة، فهي في حاجة إلى المهاجرين لتلبية حاجات اقتصادها ومواجهة تحديات الشيخوخة الديموغرافية، لكنها تشهد في الوقت ذاته تصاعداً للمخاوف المرتبطة بالهوية والأمن والاندماج". ومن هذا المنطلق، يرى أن "الجدل حول الهجرة لم يعد يقتصر على إدارة الحدود أو سياسات اللجوء، بل بات يرتبط بسؤال أعمق يتعلق بمستقبل النموذج الجمهوري الفرنسي وتعريف فرنسا لذاتها في عالم يشهد تحولات ديموغرافية وثقافية متسارعة، مما يجعل من ملفي الهجرة والأمن مفتاحين أساسيين لفهم معركة الإليزيه المقبلة".

وبين ضرورات الاقتصاد ومتطلبات الأمن، وبين الحاجة إلى اليد العاملة والمخاوف المرتبطة بالهوية والاندماج، تواصل الهجرة احتلال موقع محوري في النقاش السياسي الفرنسي. وعلى رغم أن القدرة الشرائية والصحة ومستوى المعيشة تبقى في مقدمة اهتمامات الناخبين، فإن تأثير ملف الهجرة يتجاوز وزنه الديموغرافي ليصبح أحد العوامل القادرة على إعادة رسم التوازنات السياسية والتأثير في خيارات جزء مهم من الناخبين. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية لعام 2027، يبدو أن الجدل حول الهجرة لن يقتصر على إدارة الحدود أو تنظيم تدفقات الوافدين، بل سيمتد إلى نقاش أوسع حول مستقبل النموذج الجمهوري الفرنسي وشكل المجتمع الذي يريد الفرنسيون بناءه في العقود المقبلة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير