ملخص
جاء التطور الأحدث في هذا الملف عندما استغل وزير الدفاع بياناً رسمياً ليعيد من خلاله طرح الرؤية الحكومية الإسرائيلية المستمرة تجاه القطاع، لكن الأكثر غرابة أن هذه التهديدات المتكررة جاءت في مرحلة تشهد تحركات دبلوماسية مكثفة للمضي قدماً في المرحلة الثانية من خطة السلام والازدهار، مما يضع هذه التصريحات في ميزان القراءة السياسية، بين كونها أوراق ضغط متبادلة في مسار التفاوض، أو مؤشراً على توجهات أمنية جديدة تسعى تل أبيب إلى ترسيخها.
في إطار تهنئة الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام "الشاباك" عقب نجاح تل أبيب في اغتيال القائد العسكري لـ"كتائب القسام" في غزة محمد عودة، قال وزير الدفاع يسرائيل كاتس "تعهدنا بأن (حماس) لن تسيطر على القطاع، مدنية كانت أم عسكرية، وهذا ما سيحدث. وسيتم تنفيذ خطة الهجرة الطوعية، كل شيء سيحدث في وقته، وبالطريقة الصحيحة".
أعادت هذه التصريحات، التي جددت فيها إسرائيل الوعيد بملف تهجير السكان من قطاع غزة، ملفاً شائكاً للواجهة، وفتحت نقاشاً حول دلالات التوقيت الميداني والسياسي لهذه المواقف، وكان لها أثر سلبي في الحال النفسية للغزيين.
في بيان عسكري
جاء التطور الأحدث في هذا الملف عندما استغل وزير الدفاع بياناً رسمياً ليعيد من خلاله طرح الرؤية الحكومية الإسرائيلية المستمرة تجاه القطاع، لكن الأكثر غرابة أن هذه التهديدات المتكررة جاءت في مرحلة تشهد تحركات دبلوماسية مكثفة للمضي قدماً في المرحلة الثانية من خطة السلام والازدهار، مما يضع هذه التصريحات في ميزان القراءة السياسية، بين كونها أوراق ضغط متبادلة في مسار التفاوض، أو مؤشراً على توجهات أمنية جديدة تسعى تل أبيب إلى ترسيخها، وهو ما فتح الباب أمام قراءات متعددة، لا سيما أن استخدام مصطلح "الهجرة الطوعية" يواجه برفض فلسطيني وإقليمي قاطع.
في السياق، ينظر إلى إثارة ملف التهجير كجزء من استراتيجية رفع السقوف التفاوضية، يقول الباحث السياسي معتز الحطاب "على رغم الرفض الإقليمي والدولي القاطع لأي خطط تهجير، ووجود محددات لوجستية وسياسية معقدة، فإن تصنيف التصريح كبالون اختبار لا ينفي خطورته من منظور السكان في غزة".
ويضيف "إعادة إثارة ملف التهجير تحت مسمى الهجرة الطوعية تزامن بصورة مدروسة مع المساعي الإقليمية والدولية المستمرة للتوصل إلى صيغ تهدئة وترتيبات لليوم التالي للحرب، هذه المواقف تندرج في إطار استراتيجية إسرائيلية لرفع السقوف التفاوضية، إذ تستخدم المسألة السكانية كورقة ضغط غير مباشر في مواجهة الأطراف الدولية والوسطاء".
وبحسب تقدير الحطاب، فإن الهدف من هذا الوعيد المستمر هو انتزاع مكاسب أمنية وسياسية أوسع في أي تفاهمات مرتقبة، من خلال التلويح ببدائل ديموغرافية متشددة تؤرق المجتمع الدولي والعمق الإقليمي، مما يمنح تل أبيب قدرة أكبر على فرض شروطها المتعلقة بالترتيبات الأمنية المستقبلية في القطاع.
مع شرارة الحرب
ولا يعد هذا التهديد بـ"الهجرة الطوعية" أو إعادة رسم الخارطة الديموغرافية للقطاع الأول من نوعه، ففكرة التهجير لم تكن وليدة هذه التصريحات الأخيرة، بل برزت كإحدى الأطروحات والنقاشات السياسية في تل أبيب منذ انطلاق شرارة الحرب في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
وعلى مدار أشهر المواجهة، توالت التهديدات والمواقف الصادرة عن مستويات حكومية وحزبية إسرائيلية مختلفة، ودارت في مجملها حول الفكرة ذاتها، سواء عبر الدعوة المباشرة إلى تقليص الكثافة السكانية، أو تحت غطاء ما يعرف بالهجرة الطوعية.
إلا أن لجوء وزير الدفاع الإسرائيلي إلى صيغة الوعيد "المؤجل" المبرمج زمنياً، يحمل هذه المرة دلالات سياسية وعسكرية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمجريات الميدان الراهنة، إذ يرى مراقبون ومحللون سياسيون أن دمج ملف الهجرة الطوعية في بيان عسكري مخصص لإعلان اغتيال قيادي بارز في الفصائل الفلسطينية، لا يعكس مجرد موقف عابر، بل يندرج ضمن قراءة أمنية وسياسية مركبة تشمل جبهات عدة.
رسائل للمجتمع الإسرائيلي
من الناحية الداخلية الإسرائيلية، تقرأ هذه المواقف في سياق الموازنات السياسية بين أقطاب الائتلاف الحاكم في تل أبيب، إذ يرى مراقبون للشأن الإسرائيلي أن الحديث العلني عن تغيير الواقع الديموغرافي في قطاع غزة وسيلة لامتصاص الضغوط، وإرسال رسائل تطمين بأن الخطط بعيدة المدى لم تسحب من التداول بل يجري ترتيب أولوياتها مرحلياً تحت قاعدة "كل شيء في وقته الصحيح".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يقول الباحث السياسي الإسرائيلي في صحيفة "هآرتس" عاموس هاريل، إن "تصريحات كاتس المتكررة لا يمكن فصلها عن التوازنات المعقدة الحاكمة داخل الائتلاف الحكومي في تل أبيب، العودة الممنهجة إلى طرح مسألة الهجرة الطوعية أو التغيير الديموغرافي، وإن كانت تبدو غير قابلة للتطبيق الفوري لوجستياً وسياسياً، لكنها تمثل استجابة تكتيكية مباشرة لضغوط مستمرة ومزايدات تقودها أطراف اليمين القومي المتشدد والمستوطنون داخل الحكومة".
وبحسب هاريل، فإن وزير الدفاع يسعى عبر هذا الوعيد "المؤجل" إلى تأمين استقرار الحاضنة السياسية للحكومة، وتقديم رسائل تطمين لشركاء الائتلاف بأن الخطط الاستراتيجية لليمين لا تزال مدرجة على جدول الأعمال، بانتظار ما يصفه كاتس بالوقت المناسب، وذلك لامتصاص أي انتقادات قد توجه لطريقة إدارة المرحلة الحالية من الحرب.
الصياغة والتوقيت
من جانبه، يقول الباحث السياسي رامي المصري، إن "الإشكالية الأساسية في التصريح تكمن في صياغته، إذ جاء كجزء من بيان عسكري للإعلان عن نجاح عملية اغتيال ميدانية، لكنه لم يقتصر على البعد الأمني، بل أقحم فيه ملف الهجرة الطوعية كهدف استراتيجي مؤجل يتم العمل عليه خطوة بخطوة".
ويضيف "إطلاق الوعيد بالتزامن مع إعلان اغتيال قيادات بارزة يراد منه توظيف صورة النصر الميدانية لتمرير أو التمهيد لأطروحات سياسية أكثر تشدداً، والقول إن الضغط العسكري يفتح الباب لتغيير وجه القطاع كلياً".
من زاوية أخرى، يرى المحللون أن التوقيت إشكالي لأنه يتعمد ضرب محاولات الاستقرار النفسي المحدودة للسكان، لأنها تعمل كأداة مقاومة مستمرة في بيئة الصراع، فالوعيد المتجدد بالتهجير، وإن بدا مؤجلاً، يسهم في الحفاظ على حال من عدم اليقين لدى الغزيين.
أثره في الغزيين
عند رصد مفاعيل تصريح كاتس المباشرة في البيئة السكانية داخل قطاع غزة، وجد الباحث في الاضطرابات النفسية الجماعية ومواجهة الأزمات في غزة أمير كراز، أن "تكرار التلويح بملف التهجير، حتى وإن جرى تقديمه بصيغة الوعيد المؤجل، يمثل أداة حيوية في سياق ما يعرف بحرب كي الوعي وضبط وتيرة الاستقرار الداخلي".
ويضيف كراز "يهدف التلويح الدائم بالتهجير إلى حرمان السكان من القدرة على التخطيط للمستقبل القريب أو المتوسط، وترسيخ شعور عام بأن كل محاولات التكيف أو إعادة الاستقرار الموضعي هي إجراءات موقتة مهددة بالزوال، مما يضعف المناعة المجتمعية والقدرة على الصمود الفردي والجمعي".
عند الانتقال من نقاشات الصالونات السياسية إلى نبض الشارع، تترجم هذه التهديدات في تفاصيل يومية يعيشها السكان بمراكز النزوح وخيام الإيواء، إذ تحولت هذه التصريحات إلى مادة حاضرة في نقاشاتهم ومخاوفهم المستمرة في شأن المستقبل.
يقول جاسر، وهو رب أسرة نازح في وسط القطاع "كلما حاولنا ترتيب حياتنا بالحد الأدنى، واعتقدنا أن هناك بصيص أمل للاستقرار أو العودة، تخرج هذه التصريحات لتعيدنا إلى المربع الأول، الحديث المستمر عن التهجير يجعلنا نعيش في قلق دائم، ويحرمنا حتى من القدرة على التفكير في تعليم أطفالنا أو التخطيط للأسبوع المقبل، نعيش في حال ترقب لا تنتهي".
هذا الشعور بعدم اليقين تتقاسمه أيضاً أميمة، وهي مُدرسة نازحة، إذ توضح أثر هذه اللغة السياسية في يومياتها، قائلة "نحن ندرك أن هناك مواقف دولية وإقليمية ترفض التهجير، لكن سماع هذه التهديدات من أعلى المستويات الأمنية في إسرائيل يترك أثراً نفسياً ثقيلاً، ويصبح كل جهد نبذله يومياً لتأمين الماء والطعام ومستلزمات الحياة تحت الخيمة كأنه موقت، ولسان حالنا يقول إلى متى سنظل ننتظر المصير المجهول؟".
سيناريوهات التطبيق
في ظل هذا التداخل المعقد بين الوعيد السياسي والضغط النفسي والمعطيات الميدانية، يضع الباحث في الشؤون العسكرية سليم أبو سليم، مشهد الصراع أمام سيناريوهات محددة: الأول، استمرار المراوحة والاعتماد على أداة الضغط النفسي من دون ترجمة فعلية لعمليات تهجير واسعة النطاق على الأرض. أما السيناريو الثاني، فيصنفه تحت عنوان "التصعيد التدريجي وسياسة قضم الجغرافيا"، ويذهب هذا المسار نحو احتمالية لجوء الحكومة الإسرائيلية إلى فرض وقائع ميدانية جديدة بصورة تدريجية ومدروسة، عبر توسيع المناطق العازلة أو إنشاء ممرات أمنية جديدة، وتقليص المساحات السكنية المتاحة لتعميق أزمة النزوح الداخلي.
السيناريو الثالث، وفق الباحث، يتمثل في كبح جماح المخطط وحائط الرفض الإقليمي، وهو مسار يرتكز على فرضية اصطدام الوعيد الإسرائيلي بجدار صلب من المحددات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الموقف المصري والعربي الحازم الذي يرفض رفضاً قاطعاً إحداث أي تغيير ديموغرافي في القطاع.
أمام هذه السيناريوهات المطروحة، يفترض أن يمتلك الغزيون القدرة على إفشال مخططات التهجير أو قضم الجغرافيا. يوضح رئيس "مركز القدس للدراسات" أحمد عوض، أن المقاربة الفلسطينية لمواجهة هذا التهديد الوجودي تتلخص في التمسك بالأرض وإبداء مرونة عالية في التكيف مع قسوة الظروف الميدانية.
ويقول عوض "قد تلجأ السلطة الفلسطينية والفصائل إلى المواجهة الدبلوماسية والسياسية، ويتعلق هذا المسار بالتنسيق الوثيق واليومي مع العمق الإقليمي، وتحديداً مع مصر والأردن والدول العربية، لضمان استمرار الموقف المشترك الحازم الذي يعتبر التهجير خطاً أحمر يصعب تجاوزه دولياً.
"حماس" تتمسك بشروطها
وترفض حركة "حماس" هذه التصريحات جملة وتفصيلاً، وتعتبر التلويح بملف التهجير أو التغيير الديموغرافي تحت مسمى "الوعيد المؤجل" مجرد استمرار لسياسة الحرب النفسية ومحاولة لبيع أوهام للداخل الإسرائيلي. يقول رئيس الدائرة السياسية سامي أبو زهري، إن "لجوء وزير الدفاع الإسرائيلي إلى صيغة التهديد بإعادة رسم الخارطة الديموغرافية هو اعتراف ضمني بالعجز عن تحقيق أهداف الحرب العسكرية الأساسية على الأرض، ومحاولة للتعويض عن الإخفاق الميداني باللجوء إلى ملفات استراتيجية جرى حسمها بفعل الصمود الشعبي منذ الأيام الأولى للحرب".
ويضيف "أي خطط تهدف إلى اقتلاع السكان من أرضهم أو قضم الجغرافيا لن تجد لها أي مسار للتطبيق العملي، قرار البقاء في قطاع غزة هو قرار وطني جامع لا رجعة عنه مهما بلغت الكلفة الميدانية، تكرار هذه المواقف في هذا التوقيت بالذات كأوراق ضغط مكشوفة تطرح على طاولة المفاوضات غير المباشرة عبر الوسطاء، يهدف إلى إجبار المقاومة الفلسطينية على تقديم تنازلات في الترتيبات الأمنية، وهذه التهديدات لن تغير من شروط (حماس) الأساسية المتمثلة في الانسحاب الكامل ووقف الحرب وإعادة الإعمار".