ملخص
هذا المشهد الطفولي الصافي لا يدور في حديقة عامة، بل فوق ركام يرتفع أمتاراً عدة عن الأرض، حيث تحول منزل عائلة يوسف إلى أنقاض بسبب الحرب الإسرائيلية على غزة، ليصبح منصة قسرية للعب، وفي السماء لا يعلو صوت ضحكات الصغار، بل يهيمن أزيز الطائرات الإسرائيلية المستمر.
بأصابع غزتها الخشونة مبكراً، يلف خيط النايلون الرفيع حول قطعة خشبية صغيرة تآكلت أطرافها، يشد ببطء، ثم يرخي بحذر، وعيناه لا تحيدان عن نقطة هائمة في الفضاء، إنه الطفل اليافع يوسف، الذي يقف بكامل تركيزه مستعيناً بحركة يديه الرشيقتين لإدارة معركة صامتة مع الرياح.
بين يديه، ترتفع طائرة ورقية ملونة، صنعت على عجل من بقايا أكياس المساعدات الغذائية البلاستيكية، تتراقص خفتها في الأعلى ويمسكها خيطه في الأسفل، كأنها متنفسه الوحيد في فضاء غزة المحاصر بطائرات الاستطلاع الإسرائيلية.
هذا المشهد الطفولي الصافي لا يدور في حديقة عامة، بل فوق ركام يرتفع أمتاراً عدة عن الأرض، حيث تحول منزل عائلة يوسف إلى أنقاض بسبب الحرب الإسرائيلية على غزة، ليصبح منصة قسرية للعب، وفي السماء لا يعلو صوت ضحكات الصغار، بل يهيمن أزيز الطائرات الإسرائيلية المستمر.
بفضل طائرة يوسف الورقية تحول الأفق إلى ساحة مواجهة غير متكافئة، طائرات رمادية ثقيلة تبث الموت، وفي المساحة المتبقية من الفضاء، طائرة يوسف الملونة المصنوعة من ورق وبقايا نايلون، تحلق بعناد لتسترد مكاناً يرفض الصغار أن يظل حكراً على الخوف.
لأشهر طويلة، ظلت سماء القطاع حكراً على الطائرات الإسرائيلية بجميع أنواعها، ومصدراً مطلقاً للتهديد والرماد الذي يترقبه السكان بهلع، لكن أطفال غزة وشبابها وبأدوات بسيطة خرجت من رحم الحصار، قرروا خرق هذا الاحتكار الجوي، فأطلقوا طائراتهم الورقية الملونة كأداة للمقاومة البصرية والنفسية، محولين الفضاء من ساحة حصرية للموت إلى أفق يتسع للهوية والإصرار على الحياة.
هندسة التفاصيل المؤلمة
لم تعد صناعة الطائرات الورقية في قطاع غزة مجرد تزجية للوقت، بل تحولت إلى ما يشبه الهندسة البديلة التي تتحدى واقع الحصار وشح المواد الأساسية، في أزقة مخيمات النزوح وفوق أسطح البنايات شبه المدمرة، يمارس الأطفال والشباب عملية تدوير ذكية ومؤلمة لكل ما خلفته الحرب وراءها من حطام ومواد بسيطة.
تبدأ حكاية هذه الطائرات بجمع المواد، فالأعواد الخشبية المتينة التي كانت تتوافر في المكتبات غابت تماماً، وحلت مكانها أعواد رقيقة يسلها الصغار بعناية من بقايا أثاث المنازل المستهدفة، أو من أغصان أشجار جفت بعد قصف محيطها، أما جسد الطائرة الملون فلم يعد يصنع من ورق الكريب المخصص للزينة، بل من أكياس الدقيق والمساعدات الغذائية البلاستيكية البيضاء، وعوضاً عن الصمغ المفقود يبتكر الصغار غراءً بديلاً بمزج الدقيق والماء لتثبيت الأطراف.
يجلس يوسف على طرف كتلة إسمنتية برزت منها أسياخ الحديد الصدئة، محاطاً بورشة عمله الصغيرة التي لا تحتوي على أية أداة مألوفة لصناعة الألعاب، يمسك بقطعة خشبية طويلة ويقشرها بعناية مستخدماً حافة حجر حاد، ويعقب "هذه الأخشاب كانت جزءاً من خزانة ملابسي قبل أن يقصف بيتنا".
يمسح الغبار عن وجهه بيده الأخرى، ويضيف بوعي يسبق سنه "لم تعد هناك مكتبات لنشتري منها أعواد الخشب أو الورق الملون، لذا نتعلم كيف نخرج طائراتنا من بين الركام". الدقة التي يتعامل بها يوسف مع المواد المتاحة تشبه عملاً حرفياً ماهراً، فهو ينسج هيكل طائرته من الأكياس التي كانت تحمل الدقيق والمساعدات الغذائية، ويصل أطرافها بقطع ممزقة من دفاتر مدرسته التي لم تعد قائمة.
يثبت يوسف ذيل الطائرة المصنوع من شرائط بلاستيكية ملونة، ويمرر يده فوق الورق المكتوب عليه بقايا دروس الحساب والعلوم، ويقول "هذه الدفاتر لم نعد نكتب عليها الواجبات، لكننا نجعلها تطير، أكياس الدقيق تحمي الطائرة من التمزق إذا اشتدت الرياح، والورق يجعلها متوازنة".
بالنسبة إلى يوسف وكثير من أطفال غزة، فإن كل طائرة ورقية ترتفع في السماء هي انتصار صغير على شح المواد، وإعادة تدوير لقصة الفقد لتصبح أداة للتحليق، وتحد للطائرات الإسرائيلية بأن سماء غزة ليست حكراً على عتاد تل أبيب الجوي.
ثمن الأحلام القليل
هذه "الهندسة" لم تظل حبيسة الهواية الفردية، بل أنجبت داخل المجتمع الغزي المنهك اقتصاداً مصغراً يفيض بالدلالات الإنسانية، فقد تحولت صناعة هذه الطائرات إلى مصدر دخل شحيح ولكنه حيوي لبعض الفتية والشباب.
بات أطفال وشباب يقومون بصناعة عشرات الطائرات الورقية يومياً، وبعد ذلك ببيعونها للصغار في مراكز الإيواء بأسعار زهيدة لا تتجاوز الدولارين مما يمكنهم من شراء ربطة خبز أو توفير ثمن مياه صالحة للشرب لعائلاتهم، وبهذا تصبح الطائرة الورقية في غزة أداة مزدوجة تحلق في السماء لتمنح الطفل لحظة حرية، وتبقى على الأرض لتسد رمق عائلة تقاوم الفناء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في الحقيقة، لم تكن خطة يوسف في البداية تتجاوز حدود صناعة طائرة واحدة يلهو بها ليطرد شبح الخوف، لكن المشهد في مركز الإيواء القريب غير كل شيء. ففي كل مرة كان يرفع فيها طائرته الملونة فوق الأنقاض، كان يلتف حوله عشرات الأطفال، وتلمع عيونهم بلهفة لمشاركة هذه المتعة البسيطة. يتابع "الجميع يريد أن يمسك بالخيط، والجميع يريد طائرة"، يتذكر اللحظة التي لمعت فيها الفكرة برأسه، "في المساء، نظرت إلى والدتي وهي تحاول تدبير وجبة طعام واحدة لنا بصعوبة، فقلت لنفسي: لماذا لا أصنع لهم طائرات ويشترونها مني؟".
تحول ركن الخيمة الصغير الذي تقيم فيه عائلة يوسف إلى "خط إنتاج" مصغر، بدأ يخرج كل صباح لجمع المخلفات القابلة لإعادة التدوير بكثافة أكبر، يجمع الأكياس والأخشاب ويقضي ساعات الليل في إلصاق المكونات بالصمغ المصنوع من الدقيق والماء.
في اليوم الأول، صنع خمس طائرات وباعها في غضون دقائق داخل مخيم النازحين، واليوم يبيع يوسف الطائرة الورقية الواحدة بنحو دولارين، وهذا مبلغ أقرب للزهيد بالنسبة إلى أطفال المخيم، إنه ثمن بطاقة سفر موقتة نحو السماء.
أما بالنسبة إلى يوسف، فالأمر أعمق من ذلك بكثير، يكمل "هذه الدولارات البسيطة نشتري بها ربطة خبز أو علبة من المعلبات أو نسدد بها ثمن مياه للشرب، أشعر بالفخر لأنني لم أعد طفلاً ينتظر المساعدة فقط، بل أصبحت قادراً على مساعدة عائلتي بطائرات تصنع الأمل لي وللآخرين".
الذين ملكوا الفضاء
لم تزل الطائرات التي صنعها يوسف حبيسة الأرض الطينية طويلاً، فبمجرد أن استلمها الأطفال ركضوا بها فوق تلال الركام والرماد القريبة من مخيم النزوح، وفي دقائق معدودة تحولت السماء الرمادية في قطاع غزة إلى لوحة تعج بالحركة، عشرات الطائرات الملونة باتت تتأرجح في الفضاء، تتنافس في الارتفاع وتتشابك خيوطها في مشهد جماعي أعاد نبض الحياة إلى مكان كان يسوده الصمت والترقب.
خلف تلك الخيوط المشدودة، تختبئ مشاعر معقدة يرويها أصحابها بعفوية، يقول الطفل سائد وهو يراقب طائرته الزرقاء تحلق عالياً "عندما أشد الخيط وأرى الطائرة ترتفع، أشعر بأن همومي كلها ترتفع معها وتصغر، في العادة ننظر إلى السماء بخوف ترقباً للقصف، أما الآن فنحن ننظر إليها لنرى من منا طائرته أعلى وأجمل. هذه الطائرة تجعلني أشعر، ولو لنصف ساعة، بأنني حر، وبأن السماء لنا".
أما شقيقته ريم فترى في هذه اللحظات متنفساً ينسيها ضيق الخيمة. تقول "أصوات الطائرات الحربية طيلة النهار تجعل قلوبنا تدق من الخوف، لكن عندما نطير طائراتنا في النهار، يضيع ذلك الصوت خلف صفير الرياح وضحكاتنا، نسينا كيف نلعب منذ زمن، وهذه الطائرات أعادتنا أطفالاً من جديد".
هذا الأثر لا يقتصر على الصغار، فالشاب كرم، الذي كان يساعد الأطفال في ضبط توازن طائراتهم، يجد في هذه الهواية ملاذاً نفسياً ضرورياً. يقول "الحرب سرقت منا كل شيء، وجلوسنا بين الخيام والركام يقتلنا ببطء، عندما نأتي إلى هنا ونرى الطائرات الورقية وهي تتحدى الرياح، نشعر بطاقة إيجابية كنا قد فقدناها، إنها طريقتنا لنقول لأنفسنا أولاً، وللعالم ثانياً، إننا ما زلنا نحب الحياة ونريد أن نعيشها".
هذا الفرح العفوي الذي تحدث عنه الصغار والشباب ليس مجرد تسلية عابرة، بل هو عملية ترميم نفسية دقيقة تصنعها الطائرات الورقية الملونة في لاوعيهم، ففي بيئة اعتادت العيون بها على رؤية اللون الرمادي للركام والدمار، يأتي تبدل الألوان في السماء ليعيد تحفيز الخلايا البصرية والنفسية الراكدة.
هذا التحليق الملون يظل مجرد واحة صغيرة وسط صحراء قاحلة من الأزمات النفسية المركبة التي تعصف بقطاع غزة، وهو ما تحذر منه منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف"، إذ تشير بياناتها إلى وجود مليون طفل بحاجة لدعم نفسي نتيجة التعرض المستمر للصدمات وفقدان الأمان، وتظهر تقاريرها أن أربعة من كل خمسة أطفال يعانون من ضائقة نفسية.
أخيراً صنفت منظمة الصحة العالمية جيل الشباب في غزة (بين 15 و29 سنة) بأنه الأعلى عالمياً في الحزن المزمن، إذ سجل باحثوها أعلى مستويات الإحباط والاضطرابات النفسية الحادة الناتجة من انعدام الأفق.
من يطير أعلى؟
خلف هذا التناقض الصارخ بين طائرات الورق الملونة التي تبحث عن الفرح، وبين الأرقام الرمادية الثقيلة التي توثق حجم المأساة، ظاهرة نفسية أعمق يتداخل فيها الهرب من الصدمة برغبة لا واعية في التحدي، ففي بيئة خضعت لسطوة الطائرات الحربية وأصوات الانفجارات تصبح الطائرة الورقية أداة لإعادة التدوير النفسي، إذ ينقل الصغار من خلالها مشاعر الخوف العاجزة إلى شعور بالتحكم والقدرة على الفعل.
يرى خبراء في الدعم النفسي والاجتماعي يعملون في القطاع، أن هذا الإقبال الكثيف من الأطفال على مطاردة الأفق ليس مجرد لهو عابر، بل هو عملية "تفريغ انفعالي"، فالطفل الذي يحرك خيط الطائرة يشعر للحظات أنه امتلك زمام المبادرة في الفضاء، وأن سماءه لم تعد ساحة مطلقة لمصدر الخطر والتهديد، بل باتت تتسع لشيء من صنعه وحركته.
يقول استشاري الصحة النفسية، عايش سمور "الطفل الغزي يعيش تحت ضغط نفسي مستمر يفوق قدرة الجسد والعقل على الاحتمال، مما يؤدي إلى احتقان انفعالي شديد، الطائرات الورقية هنا تعمل كصمام أمان، الجري والتحليق ومتابعة الألوان في السماء هي وسائل تفريغ قهرية عفوية يلجأ إليها الأطفال لتصريف شحنات الخوف المكبوتة، إنها محاولة لكسر الرتابة الرمادية القاتلة التي فرضها الدمار على يومياتهم".
ويضيف "عندما يرفع الطفل طائرته فوق الركام، هو لا يلعب فقط، بل يعيد ترتيب علاقته بالمكان، الركام الذي كان رمزاً للموت والفقد، يتحول بفضل الطائرة الورقية إلى نقطة انطلاق نحو السماء، هذا السلوك يعزز المناعة النفسية الجماعية ويحمي الصغار من الاستسلام الكامل لأعراض ما بعد الصدمة".
ويتابع سمور "الألوان والمنافسة البسيطة بين الأطفال على من يطير أعلى، تعيد للطفل هويته التي سلبته إياها الحرب وتجعله يمارس طفولته ولو لوقت قصير، هذا النمط من المقاومة النفسية الفطرية هو ما يحافظ على التوازن العقلي والنفسي للجيل الناشئ في مواجهة واقع مشوه".
ما يستحق الحياة
لم تكن الطائرات الورقية التي تزدحم بها سماء غزة مجرد قطع من البلاستيك والورق الملون تطارد الرياح، بل تحولت إلى "بريد طائر" يحمل على متنه ملامح الهوية، والوجع، وكثير من الأمنيات العابرة للحدود والركام. فقبل أن يطلق الأطفال والشباب طائراتهم إلى الفضاء، يحرص كثير منهم على تحويل جسم الطائرة إلى مساحة للكتابة والرسم.
بالقرب من يوسف، يجلس فتيان يخطون بأقلام حبر جافة عبارات ورسائل على أجنحة طائراتهم قبل الإقلاع، بعضهم يكتب أسماء أصدقائه أو أقاربه الذين ارتقوا في الحرب كطريقة لتخليد ذكراهم وجعل أسمائهم تحلق عالياً قريباً من السماء، وآخرون يكتبون أمنيات بسيطة ومؤثرة مثل "نريد أن نعود إلى بيوتنا"، "أنقذوا طفولتنا"، أو عبارة محمود درويش الشهيرة "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، وينشغل آخرون بتلوين أكياس النايلون البيضاء لتتحول إلى أعلام فلسطينية مصغرة، يخطون المثلث الأحمر بأقلام التلوين الشحيحة، ويمدون الخطين الأسود والأخضر بعناية فائقة.
يقول يوسف وهو يشير إلى طائرة خط عليها بيده كلمة "الحرية"، "عندما نكتب على الطائرة، نشعر أن رسائلنا ستصل إلى أماكن بعيدة لا يمكننا الوصول إليها، نكتب ليرى الجميع، حتى الطيارون في السماء، أننا لسنا مجرد أرقام، بل أطفال نحب الحياة ونريد أن نعيش بأمان كبقية أطفال العالم".
هذه الكتابات العفوية تمنح الطائرات الورقية بعداً رمزياً خالصاً، فالخيط الذي يمسكه الطفل بيد متعبة لا يربطه فقط بقطعة نايلون تتأرجح في الهواء، بل يربطه بأمنيته المعلقة في الفضاء، لتصبح السماء ساحة للاحتجاج السلمي، يكتب فيها الضحايا رسائلهم باللون والكلمة في مواجهة الرماد والنسيان.
مع هبوط خيوط الشمس الأولى نحو المغيب، يبدأ يوسف بلف خيط النايلون ببطء حول قطعته الخشبية، ساحباً طائرته الملونة من سماء غزة لتستقر بجانبه فوق كتلة الإسمنت الباردة، يخبو أزيز الطائرات الحربية قليلاً في الأفق مع حلول المساء، لكن حماسة الأطفال في مخيم النازحين لا تنطفئ، فالطائرات التي هبطت الليلة تخبأ بعناية تحت زوايا الخيام، استعداداً لمعركة الصباح مع رياح جديدة.