ملخص
الارتباك والحيرة ليسا حكراً على ذكور الأجيال الصغيرة في ما يتعلق بآداب السلوكيات بين الجنسين، لكن حيرة الإناث أسبابها مختلفة فبعضهن يعتبر مبدأ "السيدات أولاً" تقليلاً من كيانهن ويرمز إلى ضعفهن أو قدراتهن التي تتطلب مساعدة من الذكور لفتح الباب أو الحماية أو الإنفاق وبعضهن الآخر يستمتع بالقفزات والإنجازات المحققة.
هل تفتح الباب لتمر زميلاتك في المدرسة أولاً؟ لو تصادف وجلست مع فتاة تحوز إعجابك وتفكر في الارتباط بها بعد تخرجك في كافتيريا الجامعة، هل تصر على دفع ثمن المشروب الذي تناولته؟ يصل المصعد وبين المنتظرين سيدات ورجال، هل تفتح الباب لتدخل السيدات أولاً، أم تصر على مبدأ أولوية الدخول بحسب الدور؟ هل توافق على مبدأ "السيدات أولاً" أو Ladies first؟
الإجابات الأكثر انتشاراً بين نصف من وجهت لهم "اندبندنت عربية" السؤال، وغالبيتهم تراوح أعمارهم بين الـ14 والـ30 سنة، جاءت في صورة أسئلة، "السيدات أولاً كيف؟" أو "أولاً في أي شيء؟" أو "ماذا عن السيدات؟" أو "لم أفهم السؤال!". بعضهم سمع عن العبارة من قبل، لكن يظنها أقرب ما تكون إلى "بونجور يا إكسلانس" أو "بونسوار يا هانم" أو غيرهما من عبارات تقف عند حدود جيل الأجداد والجدات، أو أفلام الأبيض والأسود التي لا تستهوي معظمهم، أو يطالعونها في تدوينات إما ساخرة من الماضي، أو مشتاقة إليه بدافع التقدم في العمر.
عودة للـ"السيدات أولاً"
النصف الآخر قدم إجابات غير متوقعة تشير إلى أن جانباً من "جيل زد" ومن هم أكبر قليلاً وأصغر قليلاً عادوا لزمن "السيدات أولاً" ولكن بتصرف، أو بمعنى أدق، بقواعد وضعوها، وتفاصيل رأوا أنها مناسبة لهم. والإجابات هنا تؤكد أن هذه الأجيال تولي قواعد السلوك بين الجنسين اهتماماً بالغاً، لكن بعد ما أعادت تعريفها بصورة جذرية. هؤلاء يرفضون أو في الأقل لا يهتمون بتفاصيل الماضي التي يعتبرونها جامدة وبلا حياة أو مشاعر حقيقية، وربما فيها قدر من الادعاء أو التمثيل. والملاحظ أيضاً أن نسبة من أبناء هذا الجيل يدمجون تعاليم دينية نشأوا عليها في مدارس ذات مسحة دينية، وبيئة أو مجتمع اعتبر الدين جزءاً من نظام الحكم، فخرجت السياسة والاقتصاد وتفاصيل المجتمع الاجتماعية والثقافية خليطاً من الدين والتنشئة. وهنا، تتداخل مبادئ وقواعد خاصة بالمرأة، فيها كثير من التراوح بين اعتبار وجود المرأة في مكان فيه رجال مرفوضاً من الأصل، وقبوله، ولكن بمقاييس ومعايير معينة وفيها قدر معتبر من وضع النساء والفتيات أولاً، وأحياناً أخيراً بحسب توجه التربية. وقال أحدهم "الشاب أو الرجل يتقدم المرأة في الشارع أو لدى دخول مكان لأنه أقوى وقادر على حمايتها، وكذلك حتى لا ينظر إلى تفاصيل جسدها وهي تسير أو تمر أمامه!".
عربياً، غالبية شكاوى الأجيال الأكبر من الأصغر سناً في ما يتعلق بالقواعد والآداب والسلوكيات التي يبدو أنها تتبخر دائماً وأبداً كلما تقدم جيل في العمر، وتقدم آخر ليحل محله، تدور في فلك احترام، أو بالأحرى ضعف احترام الصغير للكبي، وطريقة الكلام والمشي والجلوس.
الثقافة وآداب السلوك
الفروق الثقافية في آداب السلوك في ما يتعلق بالتعامل بين الجنسين أمر طبيعي ووارد، لكن تظل هناك اتجاهات عالمية تشير إلى أن "إتيكيت" الأجيال الأصغر سناً يختلف عن الأكبر سناً. وبينما الأكبر سناً يئنون ويشكون ويتألمون مما يسمونه بلغات الأرض المختلفة "ضياع السلوكيات وتبخر الآداب وتبدد القواعد" في التعامل بين الجنسين، إلا أن الأصغر سناً إما لا يكترثون لهذا الأنين، أو لا يرونه، لأنهم ملتزمون بقواعد وآداب، ولكن بمقاييس ومقاسات مختلفة.
واللافت أن الدراسات والتحليلات الصادرة عن مدى اعتراف أو احترام الأجيال الأصغر سناً، ولا سيما "جيل زد"، لقواعد "الإتيكيت" التي كان معمولاً بها على مدى عقود في ما يختص بالعلاقة بين الذكور والإناث في الأماكن العامة، من أولوية مرور وإفساح طريق ودفع قيمة المأكولات والمشروبات، وغيرها منقسمة بين نتائج تؤكد أن هذه الأجيال لا تعترف بالتفرقة بين الإناث والذكور في التعامل أو المرور أو الدفع أو غيرها، فإنه مبدأ المساواة المطلقة من جهة، وبين نتائج تؤكد أن هذه الأجيال تعترف وبصورة كبيرة بوجود قواعد للتعامل بين الجنسين، ولكن القواعد تختلف بين قواعد جرى تحديثها، وأخرى لا تختلف كثيراً عن مثيلاتها السابقة.
مفاهيم أكثر تنوعاً
المؤكد أن الأجيال الشابة تعتنق مفاهيم وتتبع مبادئ أكثر تنوعاً في آداب السلوك بين الذكور والإناث، فتشير دراسات غربية عدة إلى رفض كبير للتقاليد الأبوية الصارمة، وفي الوقت نفسه، تمسك بقواعد أو معاني الشهامة والشجاعة والإقدام في الدفاع عن الإناث، إن طلبن، أو تتطلب الوضع ذلك، مع وجود قدر أكبر من التفاهم والاحترام والتواصل المتبادل المرتكز على مساواة، لا أفضلية لجنس على آخر.
وتظل النتيجة الأكثر إثارة للدهشة هي تلك المعلنة في دراسة دولية أجرتها مؤسسة "إبسوس" وكلية كينغز كولدج لندن، تحت عنوان "المواقف تجاه المساواة بين الجنسين"، وأظهرت أن ذكور "جيل زد" (1996-2012) أكثر ميلاً من غيرهم من جيل "طفرة المواليد" (بين عامي 1980-1995) للاعتقاد بأن على الزوجات طاعة أزواجهن.
والدراسة التي أجريت على 23 ألف شخص في 30 دولة، بينها كندا وتشيلي وكولومبيا وفرنسا واليابان وتركيا والسويد وبريطانيا وأميركا والمكسيك وماليزيا، أظهرت أن الذكور في سن المراهقة والعشرينيات يعتقدون بأن على الزوجة طاعة زوجة دائماً، وهو الاعتقاد الذي أيده 13 في المئة فقط من الرجال فوق عمر 60 سنة.
تراجع عن حقوق المرأة؟
وبينما فسر أكاديميون وباحثون ذلك بأنه تراجع عن حقوق المرأة، وسير المواقف العامة تجاه الإناث بصورة عامة نحو الرجعية، إلا أن الملاحظ أيضاً أن هذا "التراجع"، إن صح التعبير، لا يصحبه تراجع عن قبول سداد فاتورة المطعم أو المقهى في اللقاءات ذات الطابع العاطفي أو الرومانسي من قبل المرأة، أو فتح الباب لها لتمر أولاً، أو تنازل عن مقعد في مواصلات عامة. فقط، إما ضرورة الطاعة، أو المساواة الكاملة، فلا أفضلية أو أولوية، فقط، مساواة، ولا سيما في دفع الفواتير.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والمثير أن الانقسام، أو بالأحرى، التشابك الحادث حول مبدأ "السيدات أولاً" ينحصر بصورة رئيسة بين الذكور، إذ إنهم الأكثر ارتباكاً في تحديد مواقفهم تجاه آداب وسلوكيات الذكور تجاه الإناث. وهم الأكثر حيرة حول إذا ما كان عليهم إعطاء أولوية للإناث بناء على "إتيكيت" بعينه، أو ينبغي أن يطبقوا مسألة المساواة بحذافيرها. ولا تخلو هذه الحيرة أيضاً من أوضاع اقتصادية أصبحت تمثل عبئاً وضغطاً على جيوب الذكور إن أرادوا اعتناق مبدأ "الرجل فقط هو الذي يدفع"، وهي الضغوط التي تواكبها قفزات اقتصادية حققتها الإناث في مجال العمل وضمان رواتب جيدة، وبعضهن يعمل في وظائف تدر دخلاً أعلى من الذكور.
الارتباك والحيرة للجميع
وهذا لا يعني أن الارتباك والحيرة حكراً على ذكور الأجيال الصغيرة في ما يتعلق بآداب السلوكيات بين الجنسين، لكن حيرة الإناث أسبابها مختلفة. فبعضهن يعتبر مبدأ "السيدات أولاً" تقليلاً من كيانهن، ويرمز إلى ضعفهن أو قدراتهن التي تتطلب مساعدة من الذكور، لفتح الباب أو الحماية أو الإنفاق. وبعضهن الآخر يستمتع بالقفزات والإنجازات المتحققة لهن، ولكن لا يمانعن في الاستمتاع أيضاً بمزايا الانتماء لجنس النساء، ففتح الباب وسداد الفواتير وتقديم الحماية، ولكن بشروط.
هذا الوضع المربك والمرتبك بين الأجيال الصغيرة، ذكوراً وإناثاً، وكذلك آداب السلوكيات بين الجنسين التي لم تُمحَ تماماً، فقط أعادوا تعريفها، وأضافوا بنوداً وأزالوا أخرى، لا ينفيان وجود قواعد جديدة يتبعها بعضهم من أبناء الأجيال الأصغر سناً ما زالت تثير غضب ورفض الكبار.
رفع الحرج عن الشتائم
رفع الحرج عن الشتائم والكلمات الخارجة التي كانت حتى أعوام قليلة مضت من "التابوهات" الاجتماعية والسلوكية الكبرى في حضرة الإناث، أمر يثير دهشة الكبار. فداخل مجتمعات عدة، أصبح التفوه بكلمات خارجة أو شتائم على سبيل المزاح أو ضمن التواصل بين الأصدقاء، لا يتوقف في وجود الإناث، بل بعضهن يستخدمنه باعتباره وسيلة تواصل عادية.
في دراسة مقارنة أجرتها جامعة "ريفرز ستايت" النيجيرية حول استخدام كلمات الشتائم والسب بين أجيال "إكس" (1966-1979) و"الألفية" (1980-1995) و"زد"، توصلت إلى أن المحظورات التي كانت معروفة والمتعلقة بالمحظورات التاريخية باستخدام الفتيات والنساء للألفاظ النابية تتلاشى بسرعة. فمع ازدياد استخدام الإناث للألفاظ النابية للتعبير عن المشاعر أو الفكاهة، تلاشت وصمة اللغة الخارجة عن الآداب في التواصل بين الجنسين لدى نسبة ملحوظة. ووجدت الدراسة أن "جيل إكس" من النساء هو الأقل استخداماً لهذه اللغة التي كانت خارجة أثناء التواصل، أو الدعابة مع الأصدقاء، أو في الغضب أثناء القيادة أو الخلافات، وتزيد النسبة بين نساء "جيل الألفية"، وترتفع بصورة ملحوظة بين نساء وفتيات "زد".
من يحدد ماذا؟
الطريف أن مواقع طرح الأسئلة وتشارك الإجابات من قبل المستخدمين بصورة عفوية فيها كثير من الأسئلة التي يطرحها شباب ومراهقون من الجنسين عن أسباب عدم تفوه الأجيال الأكبر سناً بكلمات الشتائم والسباب، سواء في مواقف الغضب أو ضمن التواصل مع الأصدقاء، وذلك عند وجود إناث.
وسواء اتبعت الأجيال الشابة مبدأ "السيدات أولاً" أو رفضوه أو سخروا منه، أو دعوا الإناث إلى الجلوس في أماكنهم أو تجاهلوا وجودهن، أو أصروا على دفع كلفة العشاء الرومانسي أو لم يمانعوا في أن تدفعها الحبيبة أو تشارك بالنصف، تظل أجيالاً لها قواعدها الخاصة، ورؤيتها المتفردة في ما يتعلق بآداب السلوكيات مع الإناث، وتظل إناث هذه الأجيال مشاركات في تشكيل هذه القواعد أو رفضها عبر المشاركة الفعلية، أو الرفض الصارم.
ومن يحدد ماذا ولماذا؟ يظل سؤالاً محيراً، فخوارزميات الـ"سوشيال ميديا" تؤثر كثيراً في تكوين المواقف وتشكيل الرؤى، سواء كانت تقدمية داعمة للمساواة بصورة مطلقة، أو رجعية، وفي قول آخر تقليدية، ترفض المساواة تحت مسميات مختلفة مثل احترام الاختلاف واتباع التعاليم الدينية والتقيد بالأعراف والعادات والتقاليد الثقافية والاجتماعية. كذلك تؤثر التنشئة في البيت ومنظومة التعليم ومحتوى العصر الرقمي وأدواته، وأحياناً البحث عن الأصول والهوية ضمن عالم شديد التغير في موقف الذكور من الإناث، ورؤية الإناث للذكور.