ملخص
اندلعت حرب الريف، التي تعرف أيضاً بحرب التحرير الريفية، عام 1921 بين مقاومي منطقة الريف والجيش الإسباني، وعرفت انتصارات كبرى للثوار، خصوصاً في معركة أنوال الشهيرة، قبل أن تتحول الحرب إلى صراع دولي بانضمام فرنسا إلى جانب إسبانيا ضد رفاق الخطابي.
تعيد ذكرى مرور 100 عام على استسلام القائد الريفي المغربي محمد بن عبدالكريم الخطابي للقوات العسكرية الفرنسية خلال عام 1926، وانتهاء "حرب الريف" التي دارت رحاها بين ثوار منطقة الريف والجيش الإسباني، ثم القوات الفرنسية، طرح أسئلة كبرى حول ما خلفته تلك الحرب من آثار عميقة على بنية الدولة المغربية الحديثة.
ويظل اسم الخطابي في صلب "حرب الريف" لما انطوت عليه شخصيته من قراءات متعددة ومتعارضة في آن واحد، بين بطل وطني وقائد ثائر ومفكر عسكري بارع في مقاومة الاستعمار. لكن المؤكد أن "حرب الريف" تركت بصمات واضحة إلى اليوم في علاقة الدولة بمنطقة الريف، وهي العلاقة التي شهدت شداً وجذباً على امتداد أعوام طويلة.
بطل حرب الريف
اندلعت حرب الريف، التي تعرف أيضاً بحرب التحرير الريفية، عام 1921 بين مقاومي منطقة الريف والجيش الإسباني، وعرفت انتصارات كبرى للثوار، خصوصاً في معركة أنوال الشهيرة، قبل أن تتحول الحرب إلى صراع دولي بانضمام فرنسا إلى جانب إسبانيا ضد رفاق الخطابي. واستسلم هذا الأخير للقوات الفرنسية في 27 مايو (أيار) 1926، فتوقفت المعارك الكبرى، وخمدت الحرب نهائياً عام 1927.
وتهتم مراكز بحثية عالمية ووسائل إعلام دولية بحرب الريف ومخرجاتها السياسية والعسكرية والأمنية، وأيضاً بأبطالها الأشاوس من الجانب المغربي، خصوصاً القائد العسكري محمد بن عبدالكريم الخطابي، الذي أطلق عليه كثيرون لقب "أمير الريف"، ومن بينهم المجلة الأميركية الشهيرة "فورين بوليسي" في عددها الأخير.
وأفردت المجلة ذاتها مقالاً للكاتب والمؤرخ غراهام كورونيل تحت عنوان "كيف نفهم عبدالكريم الخطابي؟"، متسائلة "لماذا يعود الخطابي إلى الواجهة بعد مرور قرن من الزمن، وكيف يجب أن يُفهم الخطابي اليوم، هل هو بطل وطني مغربي، أم قائد ثوري ريفي، أم رمز عالمي لمناهضة الاستعمار؟".
ووفق المؤرخ الأميركي، لم ينتهِ الجدل حول شخصية الخطابي بوفاته، بل لا يزال حاضراً في السياسة والذاكرة الجماعية المغربية، مستحضراً كيف كان الرجل متعلماً ومطلعاً على الإدارة الحديثة، وامتلك معرفة بالسياسة الأوروبية وأساليب الحكم الحديثة.
وتبعاً للمصدر عينه، سمحت هذه الخلفية للخطابي بتطوير مشروع سياسي يتجاوز مجرد المقاومة المسلحة؛ فهو لم يسع فقط إلى طرد الإسبان، بل حاول إنشاء كيان سياسي منظم في منطقة الريف يمتلك مؤسسات وإدارة وجيشاً.
وبخصوص حرب الريف، لا سيما معركة أنوال الشهيرة التي استمرت بين 21 يوليو (تموز) و9 أغسطس (آب) من عام 1921، أورد المؤرخ أن الجيش الإسباني كان متفوقاً في العدد والعتاد، بينما استغل الخطابي التضاريس والتنظيم المحلي، لتتعرض القوات الإسبانية لانهيار مفاجئ وكارثي.
وتجاوزت صدمة معركة أنوال، التي قادها الخطابي بحنكة نادرة، حدود المغرب؛ إذ صارت دليلاً على أن الجيوش الاستعمارية ليست قوة عسكرية لا تُهزم كما كان يروج لها، ولهذا تحولت تجربة الريف إلى مصدر إلهام لحركات التحرر في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
وتطرق الكاتب غراهام كورونيل إلى "عقدة حرب الريف"، أي "جمهورية الريف"، متسائلاً عما إذا كانت مشروع دولة أم مشروع تمرد قاده الخطابي. ويرى المصدر أن جمهورية الريف لم تكن مجرد سلطة عسكرية موقتة، بل محاولة لبناء دولة حديثة نسبياً، مكونة من إدارة مركزية ونظام جبائي ومؤسسات سياسية وجيش منظم وعلاقات خارجية أيضاً. فقد كان الخطابي يحاول الانتقال من منطق القبيلة إلى منطق الدولة، غير أن هذه التجربة آلت إلى الفشل والاندثار سريعاً بسبب الحرب المستمرة والحصار العسكري والتحالف الفرنسي الإسباني ضدها.
دروس حرب الريف
يقول في هذا الصدد هشام معتضد، الباحث في الشأن الاستراتيجي والسياسي، إنه بعد مرور قرن على "حرب الريف"، لم تنحصر تداعياتها في الذاكرة التاريخية، بل تركت بصمات عميقة على بنية الدولة المغربية الحديثة، وعلى فلسفة إدارة توازن القوة بين المركز والمجال الترابي، وبين الشرعية السياسية والأمن الاستراتيجي.
وأوضح معتضد أن "حرب الريف لم تكن مجرد مواجهة عسكرية ضد الاستعمار الإسباني والفرنسي، بل شكلت لحظة تأسيسية أعادت تعريف مفهوم الدولة والسيادة والاحتكار الشرعي للقوة داخل المجال المغربي".
وفي الجانب السياسي، أفاد بأن أبرز تداعيات حرب الريف تمثلت في ترسيخ قناعة تاريخية لدى الدولة المغربية الحديثة بأن الاستقرار الوطني لا يمكن أن يقوم من دون مركز دولة قوي قادر على استيعاب التعدد الجهوي والقبلي ضمن إطار وطني موحد.
ولفت الانتباه إلى أن "التجربة الريفية أظهرت أن الفراغ المؤسساتي أو ضعف التنسيق بين المركز والأطراف قد يفتح المجال لظهور سلطات موازية، حتى وإن كانت تحمل شرعية مقاومة وطنية. لذلك فإن جزءاً مهماً من هندسة الدولة المغربية بعد الاستقلال، من تعزيز المؤسسة الملكية إلى بناء الإدارة الترابية والأجهزة السيادية، تأثر ضمنياً بدروس تلك المرحلة".
أما أمنياً واستراتيجياً، يتابع معتضد تحليله، فقد كشفت حرب الريف مبكراً هشاشة الجغرافيا الشمالية باعتبارها فضاء حساساً يتقاطع فيه العامل القبلي والبحري والمتوسطي والتدخل الخارجي. لهذا ظل الشمال المغربي يحتل مكانة خاصة في الحسابات الأمنية للدولة، سواء عبر الاستثمار في البنية التحتية أو تقوية الاندماج الاقتصادي أو من خلال المقاربة الأمنية والتنموية المزدوجة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولفت الباحث نفسه إلى أن "مشاريع الربط الطرقي وميناء طنجة المتوسط وتوسيع التنمية بمناطق الشمال ليست فقط خيارات اقتصادية، بل أيضاً امتداد لفلسفة تاريخية تسعى إلى تحويل الهوامش الجيوسياسية إلى مراكز استقرار".
وتوقف معتضد عند مسألة توازن القوى، مبرزاً أن "حرب الريف أظهرت أن المغرب يقع تاريخياً في منطقة تنافس نفوذ دولي دائم، حيث تتقاطع المصالح الأوروبية والمتوسطية". وأضاف أن "هذا الوعي الاستراتيجي أسهم لاحقاً في تبني المغرب لعقيدة تقوم على تنويع الشراكات الدولية، والحفاظ على توازن دقيق بين القوى الكبرى، مع الحرص على عدم السماح بتحول التناقضات الخارجية إلى هشاشة داخلية، وهي معادلة لا تزال تحكم جزءاً كبيراً من السياسة المغربية المعاصرة".
توجس ووصاية
تشكلت العلاقة بين سكان الريف والسلطات المركزية في تاريخ المغرب عبر مسارات طويلة من الشد والجذب، ومن خلال عديد من الأحداث السياسية والاجتماعية الناتجة عن تراكمات تاريخية وجغرافية. فمنذ مرحلة ما بعد الاستقلال برزت مطالب محلية مرتبطة بالتنمية والاندماج الاقتصادي، مقابل شعور متجدد لدى جزء من الساكنة بوجود تهميش مقارنة بمناطق أخرى من البلاد.
وشهدت منطقة الريف احتجاجات على مدى الأعوام الماضية، وكان أبرزها احتجاجات عام 2016 إثر حادثة وفاة بائع السمك محسن فكري بمدينة الحسيمة. وسرعان ما تحولت هذه الاحتجاجات إلى حركة اجتماعية واسعة رفعت مطالب مرتبطة بالشغل والصحة والتعليم والبنيات التحتية، قبل أن تنتهي بتوقيف ومحاكمة عدد من النشطاء البارزين.
ويرى الباحث والأستاذ الجامعي محمد سعدي أن مطالب ساكنة الريف تتجاوز المطالب التنموية العابرة، إذ إنها في عمقها "صرخة من أجل الاعتراف" ومطلب للمصالحة التاريخية الحقيقية التي تتجاوز مجرد المشاريع الاقتصادية الرمزية لتمس جوهر الكرامة وإعادة الاعتبار للذاكرة الجماعية.
ووفق مؤلف كتاب "حراك الريف... ديناميات الهوية الاحتجاجية"، فإن "هذا الشعور ناجم عن تراكم الصدمات التاريخية الكبرى بالريف من دون تحقيق مصالحة حقيقية، مما ولد حالة من الحزن والحداد غير المتحقق"، مبرزاً في الآن نفسه أن "الاستغراق المفرط في تذكر المظلومية التاريخية والنكبات المتتالية أدى بالشباب إلى الوقوع في فخ سيكولوجية الضحية".
وفي تفكيكه لعلاقة المنطقة بالسلطة المركزية، سجل سعدي وجود ما يشبه "التوجس الأزلي" من مؤسسة "المخزن" (أي نواة الدولة العميقة)، مؤكداً أن هذا التوجس أفرز نزوعاً عفوياً لدى شباب الريف نحو التنظيم الذاتي والرفض المطلق لأي وساطة سياسية أو نقابية تقليدية، إذ يعتقدون أن القرارات يجب أن تنبع من مؤسسات محلية مستقلة، تجنباً لـ"الوصاية" التي يرفضونها بشكل قاطع.