ملخص
لدى "ناسا" مركبات جوالة ذكية متطورة تعمل على تراب المريخ وترسل بياناتها منذ عام 1976 في المقابل ماسك غير مهتم بكثرة الأبحاث العلمية ويركز كل جهده على تقوية الصواريخ.
باتت فتوحات الإنسان على كوكب المريخ تقف اليوم في نقطة حرجة، إذ تتأرجح بين كفتي علوم "ناسا" الجديدة بزعامة رائد الأعمال جاريد أيزكمان وصواريخ إيلون ماسك الجبارة. وفي هذا السياق كشفت الوكالة الحكومية أخيراً عن نتائج دراسات مهمة حول الكوكب الأحمر، إذ تبين أن لدى "ناسا" مركبات جوالة متطورة تعمل على تراب المريخ وترسل بياناتها منذ عام 1976.
في المقابل يبدو "ماسك" غير مهتم بالأبحاث العلمية غير الضرورية لتطوير صواريخ ومعدات الرحلة إلى المريخ، ويركز كل جهده على تقوية الصواريخ التي لديه، ولذلك هو المرشح الأول للوصول إلى القمر، لكن العلماء بدورهم يؤكدون أن "فتح المريخ" اليوم لن يتم بالصواريخ، بل بواسطة العلوم وحدها.
تشويه وتسويق
في وقتنا هذا، يصعب على الإنسان التصديق أن "ناسا" التي تعرضت أخيراً لهيكلة إدارية قاسية وتشويه كبير من قبل الفضاء الأميركي الخاص كانت وصلت منذ أكثر من نصف قرن إلى المريخ، وتحديداً عام 1976، لكن وصولها لم يكن عبر رحلات مأهولة بشرياً، وإنما بإرسال مركبتين إلى سطح الكوكب الأحمر.
وما حدث لاحقاً هو أن الفضاء الأميركي الخاص ممثلاً بشركات مثل "سبيس إكس" و"بلو أوريجين" مارس لعبة تسويق مشاريع غزو المريخ والقمر وغيرهما بوصفها مشاريع أو أفكاراً حديثة خاصة به، إلا أن "ناسا" عادت اليوم إلى المشهد بقوة، وهي تزعم أنها قادرة على استئناف مهامها العلمية والعملية في الوقت ذاته، لتدخل بذلك سباق المريخ الذي يخص ماسك نفسه به من جديد... فهل ستسبق "ناسا" ماسك والفضاء الأميركي الخاص إلى الكوكب الأحمر كما فعلت قبل أشهر قليلة عندما باغتت الجميع برحلة "أرتيميس 3" التي كانت رحلة تمهيدية لعودة الإنسان إلى تراب القمر؟
مركبتا "ناسا"
من المفاجئ لكثيرين معرفة أن لناسا مركبتين فضائيتين أرسلتا قبل 50 عاماً إلى سطح المريخ. وأنهما ترسلان البيانات للوكالة الحكومية منذ عام 1976. واليوم يقوم بعض العلماء بالتدقيق في تلك البيانات من جديد. ليعاد طرح نظريات علمية تعزز دور ومكانة "ناسا" في استكشاف الكوكب الأحمر، إذ تؤدي هذه الاكتشافات العلمية دوراً حاسماً في نجاح مهام استكشاف الكواكب القريبة منا ضمن مشاريع غزو الفضاء.
وفي هذا السياق يقول "جويل إس. ليفين" في مقالة نشرت على مواقع أميركية علمية "يعد العثور على حياة خارج كوكب الأرض اكتشافاً علمياً مهماً ذا آثار بالغة على جميع مجالات العلوم والفكر الإنساني. ومع ذلك، لم يَجرِ سوى بحث مباشر واحد عن حياة خارج كوكب الأرض حتى الآن، إذ أجرت مركبة (فايكنغ) الفضائية التابعة لـ(ناسا)، والتي هبطت على سطح المريخ، هذا البحث في صيف عام 1976". وتألفت "فايكنغ" حينها من مركبتين متطابقتين، إحداهما مدارية، والأخرى هابطة، مع وجود حجرات تجريبية في المركبات الهابطة لإجراء ثلاث تجارب بيولوجية.
طبيعة التجربة العلمية
تتميز التجربة العلمية بدقة النتائج كونها تثير عشرات الأسئلة دفعة واحدة، وقد يفلح واحد من الأسئلة في إصابة الهدف بطريقة مباشرة وبدقة عالية، لكنها تحتاج أيضاً إلى وقت طويل لإثبات الادعاءات التي يأتي بها العلماء، إذ بينت أبحاث "ناسا" المعتمدة على بيانات المركبتين الفضائيتين المرسلة لمختبرات الأرض منذ 1976 في وقت لاحق من 2025 أننا كنا ولأكثر من 50 عاماً متأكدين من نظرية خاطئة، وهي أن الحياة على المريخ مستحيلة تماماً.
لكن المراجعة الأخيرة لبعض عينات التربة المريخية في مختبرات حديثة بينت أن الحياة كانت هناك بالفعل، وأننا لم نتمكن من اكتشافها، بل إن ما فعلته واحدة من مركبات "ناسا" بالخطأ كان السبب وراء نظرية "قتل" "ناسا" للحياة على المريخ التي انتشرت في السبعينيات. ففي عام 2008، وبعد عقود من الاكتشاف، عثرت وكالة "ناسا" على مركب قد يكون هو المسؤول عن تضليلنا، إذ رصدت مركبة الهبوط التابعة لها "فينيكس" تركيزات عالية من مركب "بيركلورات" في التربة، وتبين أنه عند تسخين "البيركلورات" فإنه يمكنها تدمير المركبات العضوية كيماوياً، لذلك رجح العلماء حينها أن هذا هو السبب وراء النتيجة الغريبة التي أسفرت عنها تجارب علمية سابقة.
قياسات ومناقشات
على مدى نصف القرن الماضي، كانت القياسات التي أجريت خلال تجارب "فايكنغ" البيولوجية موضوعاً لعديد من المناقشات والتحليلات والتكهنات. واليوم، لا يزال العلماء يناقشون نتائج هذه التجارب في محاولة للإجابة عن السؤال القديم وهو: هل توجد حياة خارج كوكب الأرض؟ وعلى رغم أن هذا السؤال يعد هاجساً مشتركاً بين "ناسا" وماسك، فإن إعادة طرحه في هذا التوقيت ما هو إلا مضيعة للوقت. فماسك ذاهب إلى المريخ على أية حال، بل إنه وفي أكثر من مناسبة عبر علناً عن اعتقاده الجازم بأن التوجه للمريخ هو الهدف الأسمى والحقيقي لمهام غزو الفضاء الحديثة، كما صرح سابقاً بأن الذهاب إلى القمر هو "مضيعة للوقت".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والفارق بين ماسك وعلماء "ناسا" هو أن الأول لا يؤمن بدور العلوم المبالغ فيه لإنجاح مهام غزو الفضاء. واستراتيجيته تقوم بدلاً من ذلك على جعل العلم منصباً بالكامل على تطوير المعدات والتقنيات اللازمة لرحلته، وأهمها بالنسبة إلى ماسك أدوات صناعة وتطوير الصواريخ والمركبات الفضائية التي ستحمل البشر إلى سطح الكوكب الأحمر مباشرة ومن دون أي تأخير في الجداول الزمنية.
إطلاق وهبوط بنجاح
تألفت مركبتا "فايكنغ" من مركبة مدارية ومركبة هبوط، فدخلت "فايكنغ 1" مدار المريخ في الـ19 من يونيو (حزيران) 1976، وهبطت بنجاح على سطحه في الـ20 من يوليو (تموز) 1976، والذي صادف الذكرى السنوية السابعة لأول هبوط بشري على سطح القمر، تبعتها "فايكنغ 2"، وهبطت في 3 سبتمبر (أيلول) 1976، في موقع أبعد إلى الشمال الغربي. واحتوت هذه المركبات على معدات لالتقاط الصور ورسم خرائط الطاقة الحرارية والرياح والطقس ودراسة التركيب الكيماوي للسطح والغبار والغلاف الجوي وجمع عينات التربة وتحليلها.
وأشارت القياسات التي أجرتها "فايكنغ" للغلاف الجوي إلى أن المريخ كان يتمتع بغلاف جوي أكثر كثافة في الماضي، لكنه فقده مع مرور الوقت، ولوحظ أن الرياح تحمل جزيئات غبار دقيقة، وتنفخها في الغلاف الجوي. وهذه العملية تلون سماء الكوكب باللون الوردي بصورة دائمة.
وهنا يكون السؤال الذي يطرحه رجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك في هذا السياق: بماذا تنفع هذه المعلومات مهمتي التي ستكلف مليارات الدولارات؟ والإجابة التي يوردها العلماء في هذا الشأن بسيطة للغاية، وهي أن الفتوحات العلمية هي التي حملت وسوف تحمل الإنسان إلى الكواكب القريبة مثل القمر والمريخ وليس الصواريخ.
اكتشافات أخرى
اكتشفت مركبتا "فايكنغ" أيضاً أن ضغط الغلاف الجوي على سطح المريخ يتغير موسمياً في أي موقع. وهذا عامل حاسم لمعرفة ظروف الرحلة إلى الكوكب البعيد جداً عن الأرض، وأن للكوكب قطبين شمالي وجنوبي متجمدين، كما هو الحال على الأرض، وهذا مهم أيضاً في معرفة مكان الماء في النجوم. وفي فصل الصيف، يتسامى ثاني أكسيد الكربون المتجمد عند قطبي المريخ، متحولاً من الحالة الصلبة المتجمدة إلى الحالة الغازية، ثم يتكثف عند القطب الشتوي عائداً إلى الحالة الصلبة المتجمدة. وتؤثر هذه العملية، الفريدة من نوعها على المريخ، على الضغط الجوي بتغيير كمية ثاني أكسيد الكربون الموجودة في الحالة الغازية بدلاً من الحالة الصلبة فوق سطح الكوكب.
ولذلك يجادل العلماء بأن كل هذه المعلومات هي معلومات مهمة وحاسمة في رحلتي "ناسا" وماسك إلى الكوكب الأحمر، إذ لا يستطيع ماسك أن يذهب إلى أي مكان خارج الأرض من دون التسلح بمثل هذه المعلومات لتجهيز المعدات اللازمة لوصوله وبقائه المستدام هناك.
تجارب بيولوجية
في كل تجربة من التجارب البيولوجية الثلاث التي أجرتها مركبة "فايكنغ"، جلبت عينة من تربة سطح المريخ إلى حجرة اختبار معقمة، وعرضت لمواد مغذية مختلفة في ظل ظروف جوية متباينة. وسعى الباحثون إلى معرفة ما إذا كانت التربة تحوي كائنات دقيقة، لذا راقبوا تغيرات الغلاف الجوي داخل الحجرة. فالعمليات الأيضية كالتنفس التي تقوم بها الكائنات الحية عند استهلاكها للمادة المغذية، تغير التركيب الكيماوي للغلاف الجوي للحجرة.
وفي التجارب الثلاث، استخدم الباحثون أوامر لا سلكية لتسخين حجرة الاختبار، التي كانت لا تزال داخل مركبة "فايكنغ" الفضائية على سطح المريخ. وفي التجربة الأولى، المسماة تجربة استيعاب الكربون أو تجربة الإطلاق الحراري، قام الباحثون بمحاكاة الغلاف الجوي للمريخ في إحدى حجرات اختبار مركبة "فايكنغ". وفي التجربة الثانية وهي تجربة الإطلاق الموسوم، حقن الباحثون عينة التربة مباشرة بمادة مغذية تحوي كربوناً مشعاً، وراقبوا حجرة التجربة بحثاً عن ثاني أكسيد الكربون، ولاحظ الباحثون نتائج قد تكون ناتجة من مصدر بيولوجي.
تبادل الغازات
في التجربة الثالثة، وهي تجربة تبادل الغازات، ملأ العلماء الحجرة بغاز الهيليوم، وهو غاز لا يتفاعل مع أي شيء. عرضوا التربة لأنواع مختلفة من المغذيات. ومرة أخرى، راقبوا الحجرة بحثاً عن غازات قد تكون ناتجة من عمليات الأيض. عندما لامست عينات التربة المحلول المغذي الرطب، أحدثت الرطوبة على الفور بعض التغيرات في البيئة الكيماوية للحجرة، وبذلك خلص الباحثون في المشروع إلى أنه لم يتم اكتشاف وجود حياة بصورة قاطعة بواسطة مركبتي "فايكنغ"، لكن لا يمكن استبعاد ذلك تماماً.