Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما الذي تريده إسرائيل حقا من المفاوضات مع لبنان؟

اتفاق واشنطن هش وجولة خامسة في الأفق على وقع التهدئة والتصعيد

علم إسرائيلي مرفوع على أنقاض منازل في جنوب لبنان (أ ف ب)

ملخص

اختتمت الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية باتفاق يتضمن وقف إطلاق النار مقابل انسحاب مسلحي "حزب الله" من جنوب الليطاني، مع ترتيبات أمنية تدرجية وانتشار الجيش اللبناني، لكن رفض الحزب بنود الاتفاق وتصاعد الشكوك حول أهداف إسرائيل من احتلال لبنان بين الأمن والتوسع، يهددان فرص نجاح الجولة الخامسة المرتقبة، ويلقيان بظلالهما على جدوى المفاوضات برمتها.

انتهت الجولة الرابعة من المفاوضات المباشرة اللبنانية – الإسرائيلية وتتجه الأنظار نحو جولة خامسة مرتقبة في الفترة الممتدة بين الـ22 والـ24 من يونيو (حزيران) الجاري، يفتتح أول أيامها بمحادثات عسكرية متخصصة. وفي خضم الجدل المتصاعد حول تداعيات موقف الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم، الذي أعلن رفضه اتفاق وقف إطلاق النار وتنصله من بنوده، ولا سيما اشتراط انسحاب مسلحيه من جنوب الليطاني لسريان الاتفاق على كامل الأراضي اللبنانية، كشفت مصادر دبلوماسية في واشنطن عن مضامين لافتة لما أنجز في الجولة الأخيرة، إذ تضمن الاتفاق تعهداً إسرائيلياً بفتح ممرات آمنة لمسلحي "حزب الله" المتمركزين جنوب الليطاني وضماناً بعدم استهدافهم. وجاء هذا الاتفاق في ظل تصاعد ملحوظ في أعداد هؤلاء المسلحين، من نحو 1500 إلى ما يزيد على 2300 عنصر في أعقاب ما بات يعرف بحرب الإسناد الإيرانية، وذلك وفق الرواية الإسرائيلية.

ويقضي الاتفاق بأن يدخل وقف إطلاق النار الشامل حيز التنفيذ في غضون 36 ساعة من انطلاق انسحاب مسلحي "حزب الله" وتوقف عملياته العسكرية، لتفعل بعدها آلية الانسحاب الإسرائيلي التدرجي وفق مبدأ المنطقة الجغرافية التجريبية. وقد جرى التوافق على أن تنطلق هذه الآلية من قلعة الشقيف ومنطقة زوطر الشرقية والغربية، بعدما رفض الجانب الإسرائيلي مقترحاً لبنانياً بالبدء من بنت جبيل، على أن تسير خطة التنفيذ من الشرق غرباً، متجهة نحو البياضة وصولاً إلى الناقورة على الشاطئ اللبناني، ونص الاتفاق على أن يتولى الجيش اللبناني تفعيل خطة حصر السلاح شمال الليطاني بالتوازي مع هذه المراحل، وسيعقد اجتماع عسكري ثلاثي في الـ22 من يونيو يجمع الوفدين اللبناني والإسرائيلي وسط حضور أميركي لاستكمال بحث تفاصيل الإطار الأمني.

غير أن سؤالاً يطغى على مجريات المشهد في أوساط المحللين والباحثين، لا يقل إلحاحاً عن التساؤل حول صمود الاتفاق في ضوء موقف قاسم: هل تسعى إسرائيل فعلاً إلى تأمين أمنها المشروع في مواجهة تنظيم مسلح تصنفه إرهابياً ويهدد شمالها، أم أنها تتخذ من ملف السلاح ذريعة لترسيخ هيمنتها على لبنان وتمرير مشروع توسعي أبعد مدى؟ قد تتعسر الإجابة القاطعة، لكن المشهد التحليلي ينقسم بوضوح بين رأيين متقابلين: الأول يرى أن إسرائيل لا تبتغي سوى ضمانات أمنية، والثاني يعتبر أن السلاح ليس سوى حجة توظف لتحقيق أهداف إسرائيل الكبرى وإعادة رسم خريطة نفوذها في المنطقة.

 

لا إجابة قاطعة: بين منطق الأمن ومنطق التوسع

يرفض العميد المتقاعد حسن جوني اختزال المسألة في ثنائية نعم أو لا، معتبراً أن السؤال يمس جدلية عميقة تشق اللبنانيين إلى فريقين متباينين، الأول يستأنس بتجربة مصر والأردن، ويرى أن السلام يصنع الاستقرار، وأن إسرائيل لن تكون مصدر تهديد لمن لا يهددها، والثاني لا يأتمن إسرائيل على مشروعها الإقليمي الذي جاهر به رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام الأمم المتحدة، ويستدل بالنموذج السوري حيث احتل الجولان من دون أي استفزاز سوري، وبتجربة السلطة الفلسطينية التي تخلت عن السلاح فلم تجن سوى النكث بالعهود والوعود.

ويضيف جوني بعداً زمنياً إلى هذه المعادلة، إذ يرى أن اللحظة السياسية شرط لا يمكن تجاهله في أي تقدير موضوعي، ففي المرحلة الراهنة تنطلق إسرائيل من موقع تفوق عسكري وتحولات جيوسياسية عميقة أفرزتها حروب المنطقة الأخيرة، ولا يغفل عن تعدد التيارات داخل المؤسسة الإسرائيلية ذاتها، ففي الحكومة الواحدة من يقبل باتفاق وقف إطلاق النار بضمانات معقولة، ومن يطالب بالاستيطان في جنوب لبنان، ومن تتجاوز مطالبه كل حدود المألوف، وعليه فإن الرؤية الإسرائيلية ليست ثابتة، بل هي رهينة التحولات السياسية الداخلية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لبنان وإهدار الفرص

في المقابل، يستبعد محللون وسياسيون فرضية توظيف إسرائيل ملف السلاح ذريعة للبقاء في لبنان والهيمنة عليه، مستندين إلى وقائع يصعب تجاهلها، فإسرائيل تعرضت لقصف منهجي من جنوب لبنان امتد من 2023 إلى 2024، أفضى إلى تهجير مئات الآلاف من سكان الشمال وشل الحياة الاقتصادية في كامل المنطقة الحدودية، مع امتلاك "حزب الله" ترسانة كانت تقدر بـ150 ألف صاروخ موجهاً نحو العمق الإسرائيلي، وهو رقم لا تتجاوزه أي دولة ذات سيادة مهما كانت خياراتها، ويستشهد أصحاب هذا الرأي بانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 ومن غزة عام 2005، حين رأت أن كلفة البقاء باتت أثقل من كلفة الرحيل.

في هذا السياق يستحضر العميد جوني ما يسميها الفرص الضائعة، ففي عام 2000 حين أتم الانسحاب الإسرائيلي وأغلقت بوابة فاطمة، كانت تلك لحظة تاريخية مثلى لضم كل الفصائل المسلحة إلى المؤسسة العسكرية الشرعية، وقد غادر الإسرائيلي يومها من دون أن تضطر الدولة اللبنانية إلى أي تنازل أو التزام، بيد أن "حزب الله" تمسك بورقة مزارع شبعا ذريعة لإدامة حال الحرب، في حين كان بالإمكان اللجوء إلى الأمم المتحدة أو محكمة العدل الدولية، ثم جاء عام 2023 ليورط لبنان في حرب إسناد لم تكن من مصلحته الدخول فيها، وقبيل اتساع رقعتها عام 2024 حضر الوسيط الأميركي يطلب إبعاد "حزب الله" عن الحدود والانفصال عن ملف غزة، فأهدرت فرصة أخرى كانت كفيلة بحل الأزمة بكلف أدنى بكثير مما آلت إليه الأمور.

وحين جاء اتفاق وقف الأعمال العدائية عام 2024 لم تلتزم إسرائيل بنوده، إلا أن الدبلوماسية اللبنانية لم تعط المدى الكافي لتثمر قبل أن توجه إليها الاتهامات، فالعمل الدبلوماسي يحتاج إلى إجماع وطني لم يكتمل، في حين لم يوفر الطرفان الإسرائيلي والأميركي المناخ الملائم للدولة اللبنانية كي تفرض حصرية السلاح، بل إن استمرار الاستهداف الإسرائيلي منح "حزب الله" مبرراً لتمسكه بسلاحه، وهكذا دخل لبنان في دوامة الإسناد الثاني المدمر، حتى باتت كلفة "المقاومة" تتجاوز ما يطيقه البلد ويحتمله.

 

التوسع لتحقيق الأهداف

يرى المشككون في النيات الإسرائيلية أن ما يكشفه مسار الأشهر الـ18 الماضية أبلغ من أي تصريح، إذ لم يقدم المفاوض الإسرائيلي حتى اللحظة تعريفاً ثابتاً وقابلاً للقياس لما يعنيه "تحقيق الأمن" شرطاً للانتقال إلى مرحلة إنهاء حال العداء، بل إن المطالب ذاتها في حال تمدد مستمر: من نشر الجيش اللبناني، إلى تفكيك البنية التحتية لـ"حزب الله"، وصولاً إلى آليات تحقق تتضمن حق التدخل الانفرادي. ويخلص أصحاب هذا الرأي إلى أن هذه السمة ليست سمة مفاوض يسعى إلى إغلاق الملف، بل سمة من يجد في إبقائه مفتوحاً مصلحة استراتيجية، ويستحضرون في هذا السياق درس عام 1982، حين دخلت القوات الإسرائيلية بيروت تحت ذريعة أمنية، فأقامت في لبنان 18 عاماً.

أما المتخصصة في الشؤون الإسرائيلية الدكتورة رندة حيدر فترى أن التوسع والاحتلال ليسا هدفاً واحداً بل أداة متعددة الوظائف، وتعتبر أن هجوم "حماس" في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 أسقط نهائياً عقيدة "احتواء الخصم" التي أثبتت فشلها مع "حماس" و"حزب الله" على حد سواء، فدفعت إسرائيل إلى تبني عقيدة أمنية بديلة قوامها سحق أي قوة معادية وإقامة مناطق عازلة على غرار ما أنشأته في شمال غزة وجنوب الليطاني وهضبة الجولان.

وتذهب حيدر إلى أن هذا التوسع الجغرافي تتقاطع فيه ثلاث قراءات لا تتناقض بل تتكامل: فاليمين المتطرف يراه فرصة تاريخية لإحياء مشروع الاستيطان في غزة وجنوب لبنان وتحقيق حلم إسرائيل الكبرى، والمؤسسة العسكرية تراه ضرورة استراتيجية تحول دون تكرار مفاجأة من طراز السابع من أكتوبر، فيما تتعامل المستويات السياسية مع الأراضي المقتطعة باعتبارها أوراق ضغط ومقايضة في أي مسار تسوية مستقبلية، سواء مع الفلسطينيين أو مع لبنان.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير