ملخص
رسمياً، لا تزال مساحة لبنان 10452 كيلومتراً مربعاً وفق الخرائط المعترف بها دولياً وقرارات الأمم المتحدة، فيما تعتمد بعض المراجع رقم 10353 كيلومتراً مربعاً للمساحة البرية الصافية. وقانونياً لم يخسر لبنان شبراً واحداً من أراضيه، ولم تتغير حدوده الدولية المعترف بها، لكن بين النصوص القانونية والوقائع الميدانية، يبدو أن البلاد دخلت مرحلة مختلفة تماماً.
مع إعلان التوصل إلى وقف إطلاق نار بين إسرائيل ولبنان وما نشرته تقارير صحافية عن بدء انسحاب القوات الإسرائيلية من طرق مرجعيون – إبل السقي – دبين مقابل دخول الجيش اللبناني وبدء انتشاره في المناطق التي كانت تشهد مواجهات عسكرية، يستعيد الجنوب تدريجاً بعضاً من ملامح السيادة التي غيبتها أشهر الحرب الأخيرة.
غير أن هذا المشهد الميداني لا يختصر وحده حجم التحولات التي فرضها النزاع، إذ تبدو خريطة لبنان الفعلية اليوم مختلفة عما كانت عليه قبل اندلاع الحرب، فخلف خطوط الانسحاب والانتشار العسكري، تركت العمليات العسكرية مناطق واسعة مدمرة أو مقفلة أو خاضعة لإجراءات أمنية استثنائية، مما أدى إلى تقلص المساحات القابلة للحياة والحركة والإنتاج، وبينما يترقب اللبنانيون تثبيت الهدنة وعودة الاستقرار، يطرح واقع الأرض سؤالاً أساساً وهو: كم بقي من لبنان متاحاً لأهله بعد الحرب، وكم تقلصت مساحته الفعلية بفعل الدمار والنزوح والمناطق المحظورة؟
رسمياً، لا تزال مساحة لبنان 10452 كيلومتراً مربعاً وفق الخرائط المعترف بها دولياً وقرارات الأمم المتحدة، فيما تعتمد بعض المراجع رقم 10353 كيلومتراً مربعاً للمساحة البرية الصافية، وقانونياً لم يخسر لبنان شبراً واحداً من أراضيه، ولم تتغير حدوده الدولية المعترف بها، لكن بين النصوص القانونية والوقائع الميدانية، يبدو أن البلاد دخلت مرحلة مختلفة تماماً.
فالحرب الأخيرة في الجنوب لم تنتج مجرد جولة عسكرية إضافية بين إسرائيل و"حزب الله"، بل أعادت رسم التوازنات الجغرافية والسياسية والأمنية في لبنان، كذلك فإن تل أبيب لم تكتف بالسيطرة على قرى ومواقع ملاصقة للحدود، بل وسعت حضورها نحو مجموعة من المرتفعاًت والتلال والمواقع الحاكمة ذات الأهمية الاستراتيجية، وفي مقدمها قلعة الشقيف التي تعد إحدى أهم النقاط العسكرية المشرفة على مجرى الليطاني ومرتفعات النبطية وإقليم التفاح، وعززت حضورها في عدد من المواقع المرتفعة التي تمنحها قدرة مراقبة واسعة للعمق الجنوبي اللبناني، وسط تساؤلات مهمة خرجت إلى العلن بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار وهي مصير هذه المناطق في المستقبل القريب؟
وفق التقديرات المتداولة، فإن المنطقة التي باتت خاضعة للتأثير أو السيطرة العسكرية الإسرائيلية تقترب من 1045 كيلومتراً مربعاً، أي ما يقارب 10 في المئة من مساحة لبنان الإجمالية، وإذا احتسبت هذه المساحة ضمن المناطق الخارجة فعلياً عن سيطرة الدولة اللبنانية، فإن مساحة لبنان الواقعة تحت السيطرة المباشرة للمؤسسات الشرعية تنخفض نظرياً إلى ما يقارب 9950 كيلومتراً مربعاً، وفق متابعين.
شروط إسرائيل: الانسحاب مقابل نزع السلاح
تنظر إسرائيل إلى هذا الواقع باعتباره فرصة استراتيجية تتجاوز بكثير مجرد إبعاد مقاتلي "حزب الله" عن الحدود، حتى مع التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، فبالنسبة إليها تجربة العقود الستة الماضية، منذ انطلاق العمل الفدائي الفلسطيني من لبنان مروراً بالحركات اليسارية والتنظيمات الإسلامية وصولاً إلى "حزب الله"، أثبتت أن الجنوب اللبناني تحول مراراً إلى منصة تهديد لأمنها القومي.
من هنا، لا تتعامل تل أبيب مع المناطق التي سيطرت عليها كورقة عسكرية فحسب، بل كورقة سياسية تفاوضية، فالمعادلة التي تسعى إلى فرضها تقوم على مبدأ واضح، لا انسحاب من دون نزع السلاح، ولا عودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب.
ماذا يقول القانون الدولي عن المناطق المحتلة في جنوب لبنان؟
يقدم المؤرخ والمتخصص في شؤون الحدود الدكتور عصام خليفة قراءة تنطلق من القانون الدولي والتجربة التاريخية اللبنانية، فهو يرفض أي حديث يوحي بأن السيطرة العسكرية على الأرض يمكن أن تؤدي إلى تغيير الحدود الرسمية للدول، مؤكداً أن القانون الدولي واضح في هذه المسألة، إذ إن احتلال أي جزء من أراضي دولة ذات سيادة لا يمنح الدولة المحتلة أي حق قانوني في تلك الأراضي، بل تبقى مصنفة كأراضٍ محتلة إلى حين انسحاب القوات المسيطرة عليها أو التوصل إلى تسوية معترف بها دولياً.
ويشير خليفة إلى أن التجربة اللبنانية نفسها تقدم نموذجاً واضحاً على ذلك، فبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 واستمرار الاحتلال في الجنوب لمدة 18 عاماً لم يعترف المجتمع الدولي بأي تغيير في الحدود اللبنانية، بل على العكس، صدر قرار مجلس الأمن الرقم 425 الذي طالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية واحترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه، وعلى رغم أن تنفيذ القرار استغرق أعواماً طويلة، فإن إسرائيل اضطرت في نهاية المطاف إلى الانسحاب عام 2000.
ويرى خليفة أن الدولة اللبنانية تملك اليوم الأدوات القانونية نفسها التي امتلكتها في مراحل سابقة، وأبرزها اللجوء إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة والمؤسسات الدولية للمطالبة بتثبيت حقوقها السيادية واستعادة أي أراضٍ واقعة تحت الاحتلال، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن إسرائيل تحاول تبرير وجودها العسكري الحالي بالاستناد إلى مفهوم آخر في القانون الدولي، وهو حق الدول في حماية أمنها القومي ومنع التهديدات المباشرة لأراضيها، مستفيدة من واقع تعتبر فيه أن الدولة اللبنانية عاجزة أو غير قادرة على ضبط كامل أراضيها ومنع استخدام الجنوب منصة للعمل العسكري ضدها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف أن مواجهة هذه الحجة الإسرائيلية لا تكون بالشعارات، بل عبر تعزيز حضور الدولة اللبنانية نفسها وإثبات قدرتها على فرض سيادتها على كامل أراضيها، ومن هنا يعتبر أن المسار الأكثر واقعية لاستعادة الأراضي المحتلة يمر عبر الجمع بين التحرك الدبلوماسي والقانوني من جهة، والتفاوض السياسي من جهة أخرى.
ويستشهد خليفة بتجربة اتفاق الـ17 من مايو (أيار) 1983، بصرف النظر عن الجدل السياسي الذي أحاط به، مشيراً إلى أن الاتفاق تضمن آنذاك جداول زمنية للانسحاب الإسرائيلي وترتيبات أمنية وحدودية وآليات لمعالجة القضايا العالقة بين الطرفين، وبرأيه، فإن أي مسار مستقبلي لاستعادة الأراضي اللبنانية يجب أن ينطلق من منطق مشابه يقوم على التفاوض المدعوم بالشرعية الدولية، بحيث يتم تحديد آليات الانسحاب، وانتشار الجيش اللبناني، وترسيم الحدود، وضمان عدم تحول الجنوب مجدداً إلى ساحة صراع مفتوحة.
ويخلص إلى أن تحرير الأرض لا يتحقق فقط عبر المواقف السياسية أو العسكرية، بل يحتاج قبل كل شيء إلى دولة قوية تمتلك قرارها السيادي، وإلى استراتيجية دبلوماسية وقانونية واضحة قادرة على تحويل الحق اللبناني الثابت إلى واقع سياسي معترف به دولياً.
مساعٍ أميركية وثلاثة ملفات مرتبطة
هذه المقاربة تتقاطع جزئياً مع ما تكشفه مصادر دبلوماسية غربية مطلعة على الاتصالات الجارية بين واشنطن وتل أبيب وبيروت. ووفق هذه المصادر فإن المساعي الأميركية الأخيرة تهدف ليس فقط إلى تثبيت وقف إطلاق النار، بل تتعداه إلى ثلاثة ملفات مترابطة، الملف الأول يتعلق بترسيم الحدود البرية بصورة نهائية وبرعاية دولية، أما الملف الثاني فيتعلق بإعادة تنظيم انتشار الجيشين اللبناني والإسرائيلي على طرفي الحدود ضمن ترتيبات أمنية طويلة الأمد، فيما يبقى الملف الثالث والأكثر حساسية مرتبطاً بسحب سلاح "حزب الله" من الجنوب وصولاً إلى تفكيك بنيته العسكرية.
وبحسب هذه القراءة الدبلوماسية، فإن واشنطن تعتبر أن أي انسحاب إسرائيلي من المواقع التي دخلتها القوات الإسرائيلية في الجنوب يجب أن يكون مشروطاً بآلية ميدانية واضحة تمنع عودة "حزب الله" إليها. ولهذا السبب، تم الاتفاق على ما يصطلح على تسميته منطق نموذجية، ربما سيتم العمل فيها وفق لجان تنسيق ميدانية تشرف على عملية انتقال السيطرة، بحيث يتولى الجيش اللبناني مباشرة المواقع التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، من دون أي فراغ أمني يمكن أن يسمح للحزب بإعادة الانتشار.
وفي موازاة ذلك تطرح واشنطن معالجة مباشرة لما أكدته الدولة اللبنانية مراراً حول عدم قدرة الجيش اللبناني على مواجهة "حزب الله" بسبب اختلال موازين القوة العسكرية، ووفق الطروحات الأميركية المتداولة، التي لم يتم نفيها بصورة رسمية حتى الساعة، يجري البحث في تشكيل لواءين جديدين داخل الجيش اللبناني تكون مهمتهما الأساسية نزع السلاح والانتشار في مواقع الحزب بعد تفكيك بنيته العسكرية.
وتشير التقارير والمعلومات المتداولة إلى أن هذين اللواءين قد يخضعان لتدريب أميركي مباشر مع برامج تسليح ودعم لوجيستي واستخباراتي من واشنطن، بحيث يتحولان إلى القوة الأساسية المكلفة تثبيت السيطرة الأمنية للدولة اللبنانية في الجنوب والمناطق الحساسة.
ومن هذا المنطلق فإن الأميركيين سيعتبرون أن تقديم هذا النوع من الدعم يسقط عملياً ذريعة "عدم قدرة الجيش اللبناني"، ويحول المشكلة من مسألة قدرات عسكرية إلى مسألة قرار سياسي داخلي.
موقف "حزب الله"
في المقابل يتعامل "حزب الله" مع التطورات الحالية بطريقة مختلفة تماماً، فهو يرى أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأي جزء من الأراضي اللبنانية يعيد تلقائياً شرعية لسلاحه ويعيد إنتاج المعادلة التي استخدمها عقوداً لتبرير احتفاظه بالسلاح.
ومن هنا، يحاول الحزب استثمار الاحتلال الإسرائيلي الحالي لإعادة تثبيت دوره العسكري والسياسي داخلياً، ومسؤولوه يقولون إن أي حديث عن نزع السلاح في ظل وجود قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية يعتبر عملياً استسلاماً للشروط الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، يقول الصحافي محمد حمية، المعروف بقربه من الحزب، إن قتال إسرائيل في لبنان ليس إرهاباً، بل هو حق مشروع تكفله القوانين الدولية ما دام هناك احتلال، ويعتبر أن أي وجود إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية يمنح شرعية كاملة لاستمرار العمل المقاوم، وأن الحديث عن نزع سلاح "حزب الله" في ظل سيطرة إسرائيل على أجزاء من الجنوب هو عملياً طلب استسلام سياسي وعسكري للبنان.
ويعكس هذا الخطاب توجهاً واسعاً داخل البيئة السياسية والإعلامية القريبة من الحزب، يقوم على اعتبار أن إسرائيل، عبر احتفاظها بمواقع داخل الجنوب وتوسيع نطاق سيطرتها العسكرية، أعادت بنفسها إنتاج الظروف التي أدت تاريخياً إلى نشوء المقاومة المسلحة في لبنان.
ووفق هذه المقاربة، فإن أي انسحاب إسرائيلي غير كامل أو أي محاولة لفرض ترتيبات أمنية تمنع الحزب من الاحتفاظ بسلاحه ستعتبر محاولة لإعادة صياغة لبنان بما يتناسب مع الأمن الإسرائيلي لا مع مفهوم السيادة اللبنانية.
ملء الفراغ الأمني
بدوره يرى العميد المتقاعد خالد حمادة أن الجيش اللبناني قادر تقنياً وعسكرياً على تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة إذا توفر القرار السياسي.
ويعتبر أن فرض السيادة لا يحتاج بالضرورة إلى مواجهة شاملة وفورية على كل الأراضي اللبنانية دفعة واحدة، بل يمكن أن يتم عبر مراحل متدرجة تبدأ من المناطق التي تملك فيها الدولة حضوراً مؤسساتياً وأمنياً واسعاً، مثل بيروت الإدارية وجبل لبنان والشمال، قبل الانتقال تدريجاً إلى المناطق الأكثر حساسية أمنياً.
وبحسب هذه المقاربة، فإن استعادة الدولة قرارها السيادي تبدأ عملياً من تكريس مبدأ أساس لا وجود لأي سلاح خارج إطار المؤسسات العسكرية الرسمية، ويشدد حمادة على أن الجيش اللبناني يمتلك الهيكلية والانضباط والقدرات التي تسمح له بالانتشار التدريجي وملء أي فراغ أمني، خصوصاً إذا حصل على دعم سياسي داخلي واضح ودعم عربي ودولي مباشر.
ويرى أن المجتمع الدولي لم يعد مستعداً للعودة إلى النموذج السابق الذي كانت فيه الدولة اللبنانية تتقاسم القرار الأمني مع قوة عسكرية موازية، معتبراً أن أي تسوية مستقبلية في الجنوب ستقوم على مبدأ واحد انسحاب إسرائيل مقابل انتشار الجيش اللبناني وحده، لا عودة إلى واقع القتال المسلح خارج الدولة.
ويذهب حمادة أبعد من ذلك حين يعتبر أن الأزمة اللبنانية لم تعد فقط أزمة حدود أو احتلال، بل أزمة احتكار قرار الحرب والسلم داخل الدولة نفسها، لذلك فإن إعادة بناء السيادة، وفق رأيه، تمر أولاً عبر إعادة تثبيت سلطة المؤسسات الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية، ولو بشكل تدريجي، تمهيداً للوصول إلى دولة تملك وحدها حق استخدام القوة والسلاح.
من يسيطر على لبنان؟
في النهاية، لم يعد السؤال الحقيقي اليوم: كم تبلغ مساحة لبنان على الورق؟
فالحدود الدولية لم تتغير، والخرائط الرسمية ما زالت كما هي، وأي أرض تحتلها إسرائيل تبقى، وفق القانون الدولي، أرضاً لبنانية محتلة لا تسقط عنها صفتها القانونية مهما طال الزمن.
إسرائيل تحاول تحويل سيطرتها على أجزاء من الجنوب وعلى مواقع استراتيجية مثل قلعة الشقيف إلى ورقة قوة تفرض من خلالها نظاماً أمنياً جديداً، و"حزب الله" يستخدم الاحتلال لتبرير استمرار سلاحه وإعادة إنتاج شرعية لسلاحه، أما الدولة اللبنانية فتحاول الحفاظ على ما تبقى من سلطة وسيادة وسط صراع يتجاوز قدرتها التقليدية على التحكم بمساره.
وبين هذه المعادلات المتناقضة يجد لبنان نفسه أمام لحظة تاريخية غير مسبوقة، فالمعركة لم تعد تدور فقط حول بضعة كيلومترات مربعة في الجنوب، بل حول شكل الدولة اللبنانية نفسها، وهوية السلطة التي ستحتكر السلاح، والجهة التي ستملك حق اتخاذ قرار الحرب والسلم في العقود المقبلة، ولهذا السبب لم يعد النقاش متعلقاً فقط باستعادة الأرض، بل باستعادة الدولة.