ملخص
مبادرة تشمل أكثر من 50 جهة حكومية لإعادة توزيع أوقات الحضور والانصراف، في وقت تكشف دراسة حديثة عن ارتباط الازدحام المروري في الرياض بالتوتر والقلق والاحتراق الوظيفي.
الازدحام المروري مشهد يومي يواجهه السائقون داخل مدينة الرياض، لكنه تحول خلال الأعوام الأخيرة إلى تحدٍ اقتصادي واجتماعي تتقاطع عنده قضايا الإنتاجية وجودة الحياة والصحة النفسية. وفي محاولة لتخفيف الضغط على شبكة الطرق خلال ساعات الذروة، بدأت الهيئة الملكية لمدينة الرياض، بالشراكة مع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، تنفيذ مبادرة الساعات المرنة للعمل، التي تشمل أكثر من 50 جهة حكومية في ستة مواقع رئيسة، هي المركز المالي (كافد)، والمدينة الرقمية، وحي السفارات، وليسن فالي، وغرناطة بزنس، وواجهة روشن، في خطوة من أحد أهدافها الرئيسة إعادة توزيع حركة التنقل اليومية والحد من التكدس المروري.
وتأتي المبادرة في وقت تتزايد خلاله المؤشرات إلى أن الازدحام المروري لم يعد مجرد تحدٍ يتعلق بالتنقل، بل قضية تمتد آثارها إلى الصحة النفسية والإنتاجية وجودة الحياة، فوفقاً لدراسة حديثة نشرت في مجلة Journal of Family Medicine and Primary Care في فبراير (شباط) الماضي بعنوان "تأثير الازدحام المروري في الصحة النفسية داخل الرياض، السعودية"، كشفت عن أن الازدحام المروري في الرياض لا يؤثر في التنقل فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية والإنتاجية في العمل.
وأكد نحو 80 في المئة من المشاركين تأثر صحتهم النفسية بالازدحام، وتعرض 31 في المئة لنوبات هلع أو أعراض مشابهة أثناء الازدحام المروري، وأبدى 87.6 في المئة شعورهم بالتوتر والقلق خلال ساعات الذروة، وإصابة 23 في المئة بنوبات غضب متكررة أثناء القيادة، وتحدث أكثر من نصف المشاركين عن مظاهر احتراق وظيفي مرتبطة بضغوط التنقل.
أداة إستراتيجية لرفع الكفاءة
يعرّف مستشار الموارد البشرية إبراهيم العريني العمل المرن بأنه نظام يمنح الموظف حرية اختيار أوقات بدء وانتهاء يومه العملي، "شرط تحقيق عدد ساعات العمل المطلوبة والوجود خلال ساعات عمل محورية محددة، ويختلف هذا النظام عن الدوام التقليدي الذي يفرض أوقات حضور وانصراف ثابتة على جميع الموظفين، إذ يتيح للموظف تحديد وقت عمله بما يتناسب مع فترات إنتاجيته وظروفه الشخصية، مع الالتزام بساعات محورية مشتركة للاجتماعات والتنسيق بين فرق العمل، ويركز العمل المرن على الإنتاجية والمخرجات النهائية، بدلاً من التركيز على عدد ساعات الحضور والالتزام بالمكتب، فالمرونة هنا ليست مجرد ميزة رفاهية بل أداة إستراتيجية لرفع الكفاءة والإنتاجية، إذ تتيح للموظفين العمل خلال الفترات التي يبلغون فيها ذروة نشاطهم الذهني وتركيزهم، وهو ما ينعكس إيجاباً على جودة الأداء ويسهم في تقليل الضغط النفسي والاحتراق الوظيفي، من خلال منح الموظف قدرة أكبر على التوفيق بين التزاماته المهنية والشخصية، مثل المواعيد الطبية أو الالتزامات العائلية، وهو ما يساعده على أداء مهامه بتركيز أعلى".
4 ساعات مرنة لـ 50 جهة عمل في مدينة #الرياض … و6 مناطق حيوية..
— الهيئة الملكية لمدينة الرياض (@RCRCSA) June 2, 2026
بالتعاون مع #وزارة_الموارد_البشرية_والتنمية_الاجتماعية بدء تطبيق مبادرة ساعات العمل المرنة؛ لتعزيز انسيابية الحركة ورفع كفاءة التنقل اليومي في مدينة الرياض. pic.twitter.com/PplYB6XumJ
قياس المخرجات لا الساعات
بيئة العمل المرنة تتطلب الانتقال من مفهوم "إدارة الحضور" إلى "الإدارة بالأهداف"، والقاعدة الأساس هي "قياس المخرجات لا الساعات"، إذ أكد العريني "أن ذلك يتحقق من خلال اعتماد مؤشرات أداء رئيسة وواضحة لكل موظف، مثل حجم الإنجاز أو تحقيق المستهدفات المحددة، بحيث تصبح النتائج هي المعيار الأساس للتقييم بغض النظر عن وقت تنفيذ العمل، إضافة إلى إجراء مراجعات دورية قصيرة للتأكد من سير العمل وفق الأهداف المحددة، والاستفادة من أسلوب التقييم الشامل الذي يضم آراء الزملاء والعملاء عند الحاجة".
تضيف صاحبة شركة خاصة داخل إحدى المناطق المشمولة بالمبادرة، فضلت عدم الكشف عن هويتها، أن مفهوم المرونة في العمل مطبق داخل الشركة منذ أعوام، نظراً إلى طبيعة النشاط الذي يعتمد على الإنجاز والنتائج أكثر من الارتباط بساعات حضور ثابتة، إذ قد يباشر فريق العمل مهامه في أيام العطلات أو خلال ساعات متأخرة من الليل بحسب متطلبات العمل، مشيرة إلى أن بعض الموظفين يبدأون دوامهم في أوقات متأخرة ويستمرون في العمل حتى ساعات المساء، ما دامت الأهداف المطلوبة تتحقق.
وتابعت أن الشركة حاولت تطبيق نظام ساعات عمل مرنة بصورة أكثر تنظيماً خلال فترات سابقة، إلا أن طبيعة العمل الموسمية حالت دون استقرار هذا النموذج، إذ تختلف كثافة العمل وعدد الساعات المطلوبة من فترة إلى أخرى. وبينما تشهد بعض المواسم انخفاضاً في حجم العمل بما لا يستدعي استكمال ساعات الدوام المعتادة، تفرض مواسم أخرى ضغطاً مرتفعاً يتطلب ساعات عمل أطول من المعتاد. وتعتمد الشركة حالياً ساعات دوام اعتيادية في الظروف الطبيعية، بينما تتعامل بمرونة أكبر خلال فترات الضغط المرتفع بما يتناسب مع حاجات العمل ومتطلباته.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تحديات تشغيلية
ورأى العريني أن تطبيق ساعات العمل المرنة قد يواجه بعض التحديات التشغيلية والثقافية، "من أبرزها مقاومة التغيير لدى بعض المديرين الذين لا يزالون يربطون الإنتاجية بوجود الموظف في المكتب، ساعات محددة، وقد تظهر تحديات مرتبطة بتنسيق الاجتماعات والتواصل السريع بين أعضاء فرق العمل إذا اختلفت أوقات حضورهم، مما يتطلب تحديد ساعات محورية مشتركة لضمان كفاءة التنسيق"، ولفت أيضاً إلى أن الجهات التي تقدم خدمات مباشرة للجمهور أو دعماً فنياً مستمراً تحتاج إلى تنظيم دقيق لجداول العمل لضمان استمرارية الخدمة وعدم حدوث فجوات في التغطية، مضيفاً أن نجاح النظام يعتمد كذلك على توافر بنية تقنية متطورة وأدوات رقمية فعالة لإدارة المهام والتواصل ومتابعة الأداء.
أداة اقتصادية
قرار ساعات العمل المرنة داخل الرياض لا يبدو مجرد تعديل إداري في وقت الحضور بل أداة اقتصادية لإدارة المدينة، وهذا ما رآه المتخصص في الشأن الاقتصادي عبدالله الصقعبي "فالازدحام لم يعد مشكلة مرورية فحسب، بل كلفة إنتاجية يومية تظهر في الوقت المهدر والوقود والإرهاق، وتأخر الأعمال وانخفاض كفاءة اليوم قبل أن يبدأ"، وأشار إلى أن الأرقام العالمية توضح حجم هذه الكلفة، ففي الولايات المتحدة قدرت كلفة الازدحام بنحو 269 مليار دولار عام 2024، مع خسارة متوسطها 63 ساعة سنوياً لكل سائق، وفي لندن خسر السائقون نحو 101 ساعة سنوياً، بكلفة تقارب 3.85 مليار جنيه استرليني (نحو 5.19 مليار دولار). أما في القاهرة الكبرى، فقد قُدرت كلفة الازدحام بنحو 8 مليارات دولار سنوياً، بما يقترب من أربعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وأضاف من هذه الزاوية "تأتي مبادرة الرياض لإعادة توزيع الضغط على المدينة، لا لتغيير ساعات الدوام فحسب، فالمرونة في الحضور تعني تخفيف تركز الحركة في وقت واحد، ورفع كفاءة الطرق والمواقف والخدمات، وتحسين تجربة الموظف، وتقليل الهدر الاقتصادي غير المرئي". وأكد أن أهمية القرار تكمن في أنه يأتي في مدينة تتحول سريعاً إلى مركز أعمال إقليمي، فكلما زادت جاذبية الرياض زاد الضغط على بنيتها اليومية، لذلك تصبح كفاءة التنقل جزءاً من تنافسية المدينة، مثلها مثل التشريعات والمواهب والبنية التحتية.
وختم بالقول إن "الاختبار الحقيقي سيكون في القياس، هل انخفض زمن الرحلات؟ هل تراجعت كثافة الذروة؟ هل تحسنت إنتاجية الموظفين؟ إذا نجحت التجربة، فستكون ساعات العمل المرنة خطوة صغيرة في شكلها، لكنها أعمق في معناها، بانتقال من إدارة الدوام إلى إدارة الوقت الاقتصادي للمدينة".