ملخص
يرصد النص انحيازاً قضائياً لمصلحة المتهمين الذكور في قضايا العنف الجنسي، حيث يُسلّط الضوء على مستقبلهم وظروفهم المخففة مقابل تهميش معاناة الضحايا. ويُعرّف هذا النمط بـ"التعاطف المنحاز للرجل"، باعتباره خللاً يعيد إنتاج معاناة الفتيات ويعمّق فجوة العدالة.
تغيرت حياة تلميذتين إلى الأبد بسبب تعرضهما لاعتداء جنسي عنيف. كانت إحداهما في الخامسة عشرة من عمرها عندما استهدفها الجناة عبر تطبيق "سناب شات" واستدرجوها إلى ممرّ تحت جسر، حيث اعتدوا عليها بينما أخذوا يضحكون ويسجّلون ما يفعلونه بها.
وبعد شهرين، تعرضت تلميذة ثانية لهجوم تحت تهديد السكين على يد ثلاثة فتيان، بينما كانوا يصورون الاعتداء عليها هي الأخرى، ويشجع بعضهم البعض على الإمعان في إهانتها. وقالت إنهم هددوها بالقتل إذا ما حاولت الهرب. لم تكن هذه تصرفات متهورة. بل تطلبت التخطيط والإكراه والإذلال والتسجيل والتهديدات والانتهاكات المتكررة.
لكن القاضي نيكولاس رولاند قال للفتيان "لا أحد منكم سيدخل السجن".
كذلك أشاد القاضي بسلوك الصبية خلال المحاكمة. أُرغمت هاتان الفتاتان على تحمّل محنة المحاكمة الجنائية التي استمرت خمسة أسابيع، والتي أنكر خلالها الصبية مسؤوليتهم وسعوا إلى تشويه سمعتها. فقد ادّعى أحدهم أن الضحية الثانية كانت "تغازله" وكذبت على والديها لتبرير غيابها. وأنكر استخدام السكين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بالنسبة إلى ضحايا العنف الجنسي، فإن اتهامهم بالكذب ومناقشة تجربتهم المؤلمة بشكل مفصّل أمام الملأ، وإجبارهم على دحض الشكوك حول مصداقيتهم، من شأنه أن يفتح جراحهم ويجعلهم يعيشون التجربة الصادمة مرة أخرى. ثم إن الثناء على سلوك الجناة، على رغم عدم إظهارهم أي ندم، وإنكارهم لأفعالهم ومحاولاتهم إذلال الفتيات في قاعة المحكمة علانية، ينقل رسالة مقلقة للغاية حول الفئة الاجتماعية التي تلتفت العدالة إلى معاناتها. هل أشيد بالفتيات أيضاً لما أبدينه من شجاعة بالغة في تحمل محنة المحاكمة؟
أمضيت سنين طويلة في تمثيل النساء والأطفال في نظام العدالة الأسرية، واتضح لي وجود ظاهرة تتكرر بشكل مقلق، وهي استعداد القضاء بصفته المؤسسية لإعطاء الأولوية لمستقبل المتهمين الذكور ونقاط ضعفهم ودواعي التخفيف من عقوباتهم، بينما يتعامل مع الضرر اللاحق بالفتيات والنساء مدى حياتهن باعتباره مجرد أضرار ثانوية.
ولهذه الظاهرة اسم، هو "التعاطف المنحاز للرجل" himpathy.
صاغت الفيلسوفة البروفيسورة كيت مان هذا المصطلح لوصف التعاطف المفرط مع مرتكبي العنف من الذكور، لا سيما عندما تكون ضحايا هذه الأفعال من الإناث. إنه ذلك الاندفاع التلقائي للتساؤل عما سيحدث له وكيف سيؤثر عليه السجن وما إذا كانت حياته ستتدمر، في حين تُعامل الفتاة التي تحطمت حياتها بالفعل كأمر ثانوي، أو لا تُؤخذ في الحسبان على الإطلاق.
لاحظوا اللغة التي استخدمها القاضي في هذه القضية. لقد وصف الصبية بأنهم "صغار جداً في السن". وقال إن أحدهم كان يعاني من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه والقلق. بينما ذُكر أن فتىً آخر ينتمي إلى الشريحة الدنيا التي تمثل 1 في المئة من حيث معدل الذكاء. وأُشير إلى أن الثالث "لا يفهم معنى التراضي كما يجب".
يواجه ملايين الصبية تحديات مماثلة من دون أن ينتهي بهم الأمر إلى الاعتداء على الفتيات جنسياً. إن الإيحاء بأن هذه العوامل قد تبرّر إلى حد ما مثل هذه الأفعال المتعمدة لا يعفي الصبية من المسؤولية فحسب، بل يشوه صورة الشباب ذوي الاختلافات العصبية [الذين يعمل دماغهم بشكل مختلف عن المتوسط الشائع]. إن العنف الجنسي لا ينجم عن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، أو انخفاض معدل الذكاء، أو الشعور بالقلق. بل ينبع من الشعور بالقوة وبالاستحقاق، ومن الاعتقاد بأنه يمكن الاعتداء على الفتيات من دون عقاب.
ثمة أمر متجذر ثقافياً على نحو خاص في النظر إلى الفتيان، حتى أولئك القادرين على ارتكاب قدر كبير من القسوة، باعتبارهم أشخاصاً يمكن دائماً إصلاحهم وإنقاذ مستقبلهم، في حين يُتوقع من الفتيات ببساطة أن يتحملن الأذى ويتعايشن مع تبعاته.
ولكن ماذا عن الفتيات؟
قالت إحدى الضحايا أثناء قراءتها لشهادتها المؤثرة حول تأثير الجريمة عليها في المحكمة "لا أريد سوى الموت". وأخبرت إحدى الضحايا هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أن قرار إعفاء مهاجميها من السجن "كان كحجر رُمي على وجهي". وتحدثت ضحية أخرى عن الكوابيس التي تراودها، وشعورها بالخزي، وانعدام الأمان، وحزنها على نفسها السابقة. قالت إن مقاطع الفيديو التي تصور الاغتصاب انتشرت بين أقرانها. ونعتوها بالعاهرة. أما الصبية فلم يتعرضوا للإهانة أو النبذ. وأصبحت صدمتها النفسية مادة للترفيه الاجتماعي.
تدرك النساء والفتيات شيئاً لا يفهمه القضاة والنظام القانوني في كثير من الأحيان، وهو أن العنف لا ينتهي مع اختتام الإجراءات القضائية. عندما يُطلق سراح المغتصبين، يتحول العالم بأسره إلى سجن بالنسبة للناجيات. إذ يُحكم عليهن بالسجن مدى الحياة. كما فرض القاضي على الصبية أمراً تقييدياً لمدة 10 سنوات - وهذا كل شيء. وكأن الصدمة تنتهي بكل أدب في موعدها المحدد. وكأنما الخوف يخضع لفترة تقادم قانونية. هذا هو شكل إلغاء تجريم الاغتصاب على أرض الواقع.
ينبغي لهذه القضية أيضاً أن تفرض مساءلة حقيقية للمسؤولية القضائية. في كتابي" قال هو، قالت هي: الحقيقة، الصدمة، والنضال من أجل العدالة في محاكم الأسرة" He Said, She Said: Truth, Trauma and the Struggle for Justice in Family Courts، كشفت عن أمثلة مقلقة تتعلق بمواقف قضائية من العنف الجنسي، من بينها قاضٍ شكّك في رواية الضحية استناداً إلى مستوى ذكائها وتعليمها؛ وآخر افترض أن المرأة لم تُغتصب لأنها لم تقاوم؛ بل إن أحدهم هدد بعرض طفل إحدى الأمهات للتبني إذا ما أصرّت على متابعة دعوى الاغتصاب.
في حين قد تُراجع محكمة الاستئناف أحكام الفتيان الثلاثة لكونها متساهلة بشكل مفرط، يظل السؤال مطروحاً: أي نوع من التدقيق يُطبق على القاضي؟ يتمتع القضاة بسلطة هائلة، ومع ذلك فهم لا يخضعون لأي مساءلة تُذكر عندما يتسببون بأذى. إن نظام الشكاوى الذي يتولاه مكتب معلومات الشكاوى القضائية (والواقع، لسخرية القدر، في المبنى نفسه الذي يضم القضاة) غير شفاف، ونادراً ما يثبت صحة الادعاءات المتعلقة بكراهية النساء، كما أن التدريب الذي يتلقاه القضاة بشأن العنف ضد النساء والفتيات غير شفاف. في الشهر المقبل، ستصدر منظمة "الحق في المساواة" Right to Equality وهي منظمة غير ربحية أسستها، تدعو إلى إصلاح القضاء، تقريرها حول التحيز القضائي في البرلمان، والذي يتضمن أمثلة مروعة من لوم الضحايا بشكل صارخ، والتحيز ضد النساء والفتيات، والسلوك القضائي الذي تسبب في أضرار جسيمة.
لقد وصلت ثقة الجمهور في النظام القضائي إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق. لأنه عندما يبدو أن نظام العدالة ينزعج من احتمال أن يفقد الصبية مستقبلهم أكثر من انزعاجه من حقيقة أن الفتيات قد خسرن مستقبلهن بالفعل، فإنه لا يمت إلى العدالة بصلة.
© The Independent