Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الممرات المائية... شرايين الاقتصاد العالمي وساحات النفوذ الجديدة

المضائق البحرية تتحول إلى أدوات ضغط استراتيجية تهدد التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد

تجاوز إجمال البضائع المنقولة بحراً 11 مليار طن سنوياً (اندبندنت عربية)

ملخص

أصبحت الممرات المائية في الأعوام الأخيرة محوراً رئيساً للصراع الاقتصادي والجيوسياسي العالمي، مع تزايد اعتماد التجارة والطاقة على المضائق والقنوات البحرية. وتؤدي أي اضطرابات في هرمز أو باب المندب أو قناة السويس إلى انعكاسات مباشرة على أسعار النفط والتضخم والشحن

في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم خلال الأعوام الأخيرة، لم تعد الممرات المائية مجرد معابر جغرافية تستخدمها السفن التجارية لنقل البضائع والطاقة بين القارات، بل تحولت تدريجاً إلى أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية في النظام الدولي الحديث.

فمع ازدياد اعتماد الاقتصاد العالمي على سلاسل الإمداد العابرة للحدود، أصبحت المضائق البحرية والقنوات الاستراتيجية تمثل شرايين حقيقية للتجارة العالمية، بحيث إن أي اضطراب أمني أو سياسي فيها ينعكس بصورة مباشرة على أسعار النفط والغاز، وكلف النقل والتأمين، ومعدلات التضخم، وحتى على استقرار الأسواق المالية الدولية.

ومن هنا، لم يعد الصراع على هذه الممرات مرتبطاً فحسب بحماية الملاحة أو تأمين التجارة، وإنما أصبح جزءاً من معركة أوسع لإعادة رسم موازين النفوذ العالمي في القرن الـ21.

وفي هذا السياق، تكشف الأرقام حجم الارتباط العميق بين الاقتصاد العالمي والممرات البحرية، فوفقاً لبيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد" الصادرة في 2024، يتم نقل نحو 80 في المئة من حجم التجارة العالمية وأكثر من 70 في المئة من قيمتها عبر البحر، في حين تجاوز إجمال البضائع المنقولة بحراً 11 مليار طن سنوياً.

وهذه الأرقام لا تعكس فحسب أهمية النقل البحري، بل توضح أيضاً هشاشة الاقتصاد العالمي أمام أي تهديد قد يطاول طرق الملاحة الدولية، ولذلك فإن إغلاق مضيق استراتيجي أو تعطيل قناة مائية لبضعة أيام فحسب يمكن أن يؤدي إلى خسائر بمليارات الدولارات، فضلاً عن اضطراب واسع في سلاسل التوريد والإنتاج حول العالم، ولعل حادثة جنوح السفينة "إيفر غيفن" في قناة السويس خلال مارس (آذار) 2021 قدمت نموذجاً واضحاً لهذه الحقيقة، بعدما تسبب توقف الملاحة مدة ستة أيام فحسب في تعطيل تجارة قدرت بنحو 9.6 مليار دولار يومياً، بحسب تقديرات مؤسسة "لويدز ليست" البريطانية.

ومن بين جميع الممرات البحرية في العالم، يبرز مضيق هرمز باعتباره الأكثر حساسية وتأثيراً في معادلة الطاقة العالمية.

فهذا المضيق، الذي يفصل بين الخليج العربي وخليج عمان، لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه نحو 33 كيلومتراً، ومع ذلك يمر عبره يومياً ما يقارب 20.9 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات البترولية، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية لعام 2024، أي ما يعادل نحو خمس الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية وإلى جانب النفط، يعبر المضيق أيضاً ما يقارب 20 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، خصوصاً من قطر التي تعد أحد أكبر مصدري الغاز المسال عالمياً، وبناءً على ذلك، فإن أي توتر أمني في المنطقة يتحول فوراً إلى قضية دولية تؤثر في أسواق الطاقة والتجارة والاستثمار.

القلب النفطي للعالم

ولم يكن هذا الارتباط نظرياً أو افتراضياً، بل ظهر بوضوح خلال الأعوام الماضية مع تصاعد التوترات الأمنية في الخليج العربي.

ففي يونيو (حزيران) 2019، وبعد تعرض ناقلات نفط لهجمات قرب خليج عمان، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من أربعة في المئة خلال جلسة تداول واحدة، بينما قفزت كلفة التأمين البحري على السفن العابرة للخليج بصورة حادة.

وفي الوقت نفسه، سارعت الولايات المتحدة إلى تعزيز وجودها العسكري البحري في المنطقة، وكثفت قوى إقليمية أخرى من دورياتها وتحركاتها الدفاعية.

ومن اللافت هنا أن الأسواق العالمية لم تكن تتفاعل فحسب مع حجم الأضرار المباشرة، بل مع احتمالات تعطل الإمدادات مستقبلاً، وهو ما يعكس مدى حساسية الاقتصاد العالمي تجاه أي تهديد يطاول هذا الممر الحيوي.

وإذا كان مضيق هرمز يمثل القلب النفطي للعالم، فإن باب المندب وقناة السويس يشكلان الشريان التجاري الأكثر أهمية بين آسيا وأوروبا، فباب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، تمر عبره يومياً ما بين 6 و7 ملايين برميل من النفط، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الحاويات العالمية.

أما قناة السويس، التي افتتحت عام 1869، فقد تحولت مع مرور الوقت إلى واحدة من أهم القنوات التجارية في العالم، حيث سجلت خلال السنة المالية 2022-2023 عبور أكثر من 26 ألف سفينة بإيرادات تجاوزت 9.4 مليار دولار، وفق هيئة قناة السويس المصرية، غير أن هذه الأهمية الاستثنائية جعلت المنطقة أيضاً شديدة الحساسية تجاه الاضطرابات الأمنية والسياسية.

ومن هذا المنطلق، جاءت أزمة البحر الأحمر في أواخر 2023 وبداية 2024 لتؤكد مجدداً مدى هشاشة التجارة العالمية أمام التوترات البحرية.

فمع تصاعد الهجمات التي استهدفت السفن التجارية قرب باب المندب، اضطرت شركات شحن كبرى مثل "ميرسك" و"هاباغ لويد" إلى تحويل مسارات سفنها بعيداً من قناة السويس نحو رأس الرجاء الصالح.

ونتيجة لذلك، ارتفعت كلفة الشحن البحري بصورة كبيرة، وزادت مدة الرحلات بين آسيا وأوروبا بما يراوح ما بين 10 و14 يوماً.

وفي المقابل، انعكس ذلك بصورة مباشرة على أسعار السلع وكلف الاستيراد في كثير من الأسواق العالمية، بينما حذرت مؤسسات مالية دولية من عودة الضغوط التضخمية بسبب ارتفاع كلفة النقل والطاقة.

وهكذا، أصبح واضحاً أن أي اضطراب أمني في ممر مائي ضيق يمكن أن يتحول خلال أيام قليلة إلى أزمة اقتصادية عالمية واسعة النطاق.

السيطرة على طرق التجارة والطاقة العالمية

وفي الجهة الأخرى من آسيا، يبرز مضيق ملقا باعتباره أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم وأكثرها ارتباطاً بالتنافس الدولي المتصاعد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

فهذا المضيق، الذي يفصل بين ماليزيا وإندونيسيا، تمر عبره سنوياً أكثر من 90 ألف سفينة، كذلك يعبر من خلاله نحو ربع التجارة العالمية المنقولة بحراً.

والأهم من ذلك أن الصين تعتمد عليه بصورة كبيرة لنقل وارداتها النفطية والتجارية، إذ يمر عبره ما يقارب 60 في المئة من واردات الطاقة الصينية.

ولهذا السبب تنظر بكين إلى المضيق باعتباره نقطة ضعف استراتيجية، خصوصاً في ظل تصاعد التنافس مع الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.

وانطلاقاً من هذه المعادلة، كثفت الصين خلال الأعوام الأخيرة استثماراتها البحرية واللوجيستية ضمن مبادرة "الحزام والطريق"، إذ ضخت مليارات الدولارات في موانئ تمتد من جنوب شرقي آسيا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا.

وفي المقابل، عززت الولايات المتحدة حضورها العسكري البحري في المحيطين الهندي والهادئ، ووسعت تحالفاتها الدفاعية مع اليابان وأستراليا والهند.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لذا لم يعد الصراع في هذه المنطقة يقتصر على النفوذ العسكري فحسب، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بالسيطرة على طرق التجارة والطاقة العالمية.

فالاقتصاد العالمي اليوم لا تحكمه الأسواق وحدها، بل تتحكم فيه أيضاً الخرائط البحرية ومسارات السفن ومواقع الموانئ الاستراتيجية.

وفي موازاة ذلك، تفرض التغيرات المناخية نفسها بوصفها عاملاً جديداً في معادلة أمن الممرات المائية، فقد شهدت قناة بنما خلال 2023 و2024 أزمة حادة بسبب الجفاف وانخفاض منسوب المياه، مما دفع سلطات القناة إلى تقليص عدد السفن العابرة يومياً.

ونتيجة لذلك، ارتفعت كلفة الشحن وتأثرت حركة التجارة العالمية، خصوصاً بالنسبة إلى البضائع المتجهة بين آسيا والساحل الشرقي للولايات المتحدة.

وهذا التطور يعكس حقيقة مهمة مفادها أن التحديات التي تواجه الممرات البحرية لم تعد مقتصرة على الصراعات العسكرية والسياسية، بل أصبحت تشمل أيضاً الأخطار المناخية والبيئية التي قد تعيد رسم خرائط التجارة العالمية خلال العقود المقبلة.

وفي خضم هذه التحولات الدولية، تبرز سلطنة عمان باعتبارها واحدة من الدول التي تمتلك موقعاً جغرافياً يمنحها أهمية استراتيجية متزايدة.

فالسلطنة تطل مباشرة على بحر العرب والمحيط الهندي وتقع خارج مضيق هرمز، الأمر الذي يوفر لها ميزة لوجيستية مهمة في أوقات التوترات الإقليمية.

ميزة لوجيستية مهمة في أوقات التوترات الإقليمية

ومن هنا، ركزت الحكومة العمانية خلال الأعوام الماضية على تطوير الموانئ والمناطق الاقتصادية المرتبطة بها، وفي مقدمها ميناء الدقم وميناء صحار وميناء صلالة، ضمن استراتيجية تستهدف تعزيز دور السلطنة كمركز لوجيستي إقليمي ودولي.

وفي المحصلة النهائية يبدو واضحاً أن العالم يتجه نحو مرحلة تصبح فيها السيطرة على الممرات المائية جزءاً أساسياً من معادلة القوة الدولية، فالدول التي تمتلك القدرة على حماية طرق التجارة والطاقة أو التأثير فيها تملك، في المقابل، أدوات ضغط اقتصادية وسياسية هائلة، ولهذا السبب، تتسارع اليوم سباقات التسلح البحري، وتتزايد الاستثمارات في الموانئ والقواعد البحرية والمناطق اللوجيستية، بينما تعيد القوى الكبرى صياغة استراتيجياتها الجيوسياسية انطلاقاً من أهمية البحار والمضائق.

وفي ضوء كل ذلك، لم تعد الممرات المائية مجرد خطوط على الخرائط، بل تحولت إلى مراكز ثقل تحدد اتجاهات الاقتصاد العالمي ومستقبل التوازنات السياسية. فالعالم، على رغم كل ما حققه من تطور تكنولوجي ورقمي، لا يزال يعتمد بصورة جوهرية على ممرات بحرية ضيقة يمكن أن يؤدي أي اضطراب فيها إلى ارتدادات اقتصادية عالمية واسعة.

وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن الاقتصاد العالمي الحديث، بكل تعقيداته المالية والتقنية، يبقى في النهاية رهينة عبور سفينة عبر مضيق أو قناة بحرية تشكل اليوم قلب الاقتصاد العالمي الحقيقي وساحة التنافس الدولي الأكثر حساسية وتأثيراً.

اقرأ المزيد