ملخص
مع تنامي المخاوف بشأن إيبولا، يخشى كثير من المتخصصين والباحثين ممن تحدثوا لـ"اندبندنت عربية" عن تخوفهم من تكرار سيناريو جائحة فيروس كورونا التي أجبرت المؤسسات الصحية العالمية على اعتماد لقاحات للاستخدام البشري من دون اجتياز التجارب الكاملة في مواعيدها المحددة.
بينما يراهن قادة منظمة الصحة العالمية على إمكان تطوير لقاحات لا تزال قيد التجريب لمجابهة تفشى فيروس "إيبولا" في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا، باعتباره الأمل وطوق النجاة تجنباً لوقوع مزيد من الوفيات وتقليص فرص انتشاره، تجددت مخاوف المتخصصين خشية من مدى مأمونيتها أثناء استخدامها على أعداد كبيرة من البشر، مما فتح الباب بدوره أمام تساؤلات عدة حول القواعد والاشتراطات الطبية والصحية اللازمة لاعتماد لقاحات لم تمر بكامل مراحلها التجريبية؟ وهل تسري تلك القواعد في أوقات الأوبئة والجوائح والظروف الاستثنائية؟ وضمانات تجنب أخطارها وآثارها الجانبية على المدى الطويل؟ وهل إجازتها بمثابة إنقاذ لأرواح الإنسانية أم مقامرة بأجساد البشر؟
ويخشى كثير من المتخصصين والباحثين ممن تحدثوا لـ"اندبندنت عربية" عن تخوفهم من تكرار سيناريو جائحة فيروس كورونا التي أجبرت المؤسسات الصحية العالمية على اعتماد لقاحات للاستخدام البشري من دون اجتياز التجارب الكاملة في مواعيدها المحددة، مما نجم عنه ظهور مضاعفات وأعراض جانبية لمستخدميها على المدى الطويل، وفق ما أثبتته التقارير والأبحاث الرسمية.
مراحل إجازة اللقاح
يفند أستاذ اقتصادات الدواء وعلم انتشار الأوبئة الدكتور إسلام عنان بصورة تفصيلية مراحل إنتاج اللقاحات لتكون جاهزة للاستخدام البشري، موضحاً أن أي لقاح لكي يحصل على الإجازة والاعتماد النهائي من الهيئات الدولية والعلمية عليه أن يمر بمجموعة من الخطوات التجريبية، بدءاً من المرحلة المعملية والمتمثلة في فرز آلاف الأفكار داخل المعمل واستخلاص الأفضل من بينها يليها إجراء مرحلة التجارب على الحيوانات، ويعقب ذلك الانتقال للمرحلة التالية وهي التجارب على البشر وتنقسم إلى ثلاث مراحل، الأولى تستغرق قرابة عام لإثبات السلامة، والثانية قرابة عامين للتأكد من السلامة والفاعلية للقاح، والمرحلة الثالثة تستغرق ما بين ثلاثة وأربعة أعوام، وإذا نجح وثبت تأثيره يحصل على الاعتماد خلال مدة تصل لعام ثم طرحه للأسواق، منوهاً بأن تلك المراحل تصل كلفتها إلى ما بين مليار وملياري دولار، وتستغرق مدتها من 5 إلى 10 أعوام.
وتطبيقاً لحالة "إيبولا"، يوضح عنان خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن تفشي المرض في دولتي الكونغو وأوغندا جعل المؤسسات الصحية العالمية أمام ظرف استثنائي وطوارئ عالمية يحتم تسريع وتيرة تطوير اللقاحات لإنقاذ أرواح المواطنين خشية أن يتفشى إقليمياً ويصبح صعب السيطرة عليه، مشيراً إلى أن المتعارف عليه علمياً أن تسريع عمليات تطوير اللقاحات يبدأ دائماً من المرحلة الثانية في التجارب على البشر، وهي المرحلة التي تندرج تحت مسمى "الثقة في المأمونية العامة"، وليس في مرحلة التجارب على الحيوان أو المرحلة الأولى في التجارب على البشر.
وقبل أيام، أعلنت كبيرة علماء الأوبئة في منظمة الصحة العالمية سيلفي بريان في مؤتمر صحافي، أن العالم لا يملك حتى الآن لقاحاً معتمداً ضد سلالة "بونديبوجيو"، وأن لقاح "إيرفيبو" المستخدم ضد سلالة "زائير" لا يوفر سوى حماية محدودة جداً ضد السلالة الحالية، قائلة "هناك لقاح تجريبي للوقاية من الإيبولا يعتمد على تقنية VSV، مخصص لسلالة بونديبوجيو، لكن لا توجد جرعات جاهزة حالياً للتجارب السريرية، وقد يستغرق الأمر ما بين ستة وتسعة أشهر لتجهيزه.
المعضلة الأخطر
وعلى رغم تأكيد عنان أن تسريع وتيرة اعتماد اللقاحات التجريبية أمر متعارف عليه في الظروف الاستثنائية، فإنه يرى أن الأمر يحتاج أيضاً إلى دراسة متأنية من المؤسسات الطبية العالمية لحساب المنفعة والأخطار، مردفاً "لو المصلحة والفائدة كانت أكبر من الضرر والأخطار فلا مانع من اعتماده"، موضحاً أن منظمة الأغذية والدواء الأميركية هي الجهة الأهم والأبرز في منح اعتماد اللقاحات في صورتها النهائية، التي تتبعها بالموافقة في ما بعد بقية المؤسسات الدولية.
ويؤكد أستاذ علم انتشار الأوبئة أنه على رغم وجود لقاحات معتمدة لسلالة "إيبولا زائير" مثل لقاح "إرفيربو"، فإن الأزمة الحالية تكشف تحدياً مهماً وهو أن السلالة الحالية لا يوجد لها حتى الآن لقاح معتمد عالمياً، وهو ما يفسر لماذا يمكن أن تحدث تفشيات جديدة على رغم وجود لقاحات للإيبولا، مما يتطلب فتح نقاش مهم حول العدالة الصحية العالمية، وأولوية الاستثمار في الأمراض الوبائية التي تصيب الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل.
المعضلة الأخطر - وفق عنان - أن تسريع تطوير اللقاحات من دون اختبار فاعليتها ومأمونيتها قد ينجم عنه صعوبة في معرفة الآثار الجانبية النادرة والشديدة الندرة على المرضى في المستقبل، مثلما حدث في فترة فيروس كورونا، حينما ظهرت المضاعفات الصحية لبعض لقاحاته على مستخدميه لاحقاً متمثلة في جلطات ومشكلات في القلب.
وكانت شركة أسترازينيكا البريطانية اعترفت في أبريل (نيسان) 2024 أمام المحكمة للمرة الأولى بأن لقاحها المضاد لفيروس كورونا يمكن أن يكون سبباً لآثار جانبية مميتة بسبب تجلط الدم، بعد دعوى قضائية جماعية رفعتها عشرات العائلات تطالبها بتعويضات تصل إلى ملايين الجنيهات في بريطانيا.
الاعتماد الطارئ... أمر حتمي
ويرى المتخصص في علم الوبائيات في جامعة كنيغز كوليج بلندن الدكتور عبدالكريم إقزيز، أن المؤسسات الطبية العالمية أجازت منح ترخيص الاعتماد الطارئ في حالات الجوائح والأوبئة والظروف الاستثنائية، قائلاً "في تقديري الشخصي المرحلة الراهنة لإيبولا تستدعي الموافقة على منح ذلك الترخيص الاستثنائي، وعلى رغم أن المرض لا يشكل خطورة عالمية ومقصورة خطورته على الكونغو وبلدان أفريقيا الوسطى فإن مشكلته الحقيقية أن قدرته على القتل والفتك عالية للغاية وتصل نسبتها إلى ما بين 40 و70 في المئة من إجمال أعداد المصابين".
وأودى "إيبولا" بأكثر من 15 ألف شخص في أفريقيا خلال الأعوام الـ50 الماضية، مع تراوح معدل الوفيات الناتجة منه ما بين 25 و90 في المئة، حسب أرقام منظمة الصحة العالمية، وتسبب التفشي الأكثر فتكاً للوباء بجمهورية الكونغو الديمقراطية في وفاة نحو 2300 شخص من أصل 3500 إصابة بين 2018 و2020.
وأخيراً، أعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس عن رصد أكثر من 900 إصابة مشتبه فيها بفيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وسط تحذيرات من المنظمة من أن انتشار المرض بات يفوق قدرات فرق الاستجابة على احتوائه.
وفق إقزيز "مهما كانت قدرة اللقاح التجريبي وفاعليته محدودة فمن الأفضل أن يحصل المواطن في البلد الذي يتفشى فيه المرض لأن حسناته ستفوق سيئاته، وقد يكون طوق نجاة له وللبلدان المجاورة له، وأفضل مما لو تعرض للإصابة بالمرض من دون حصوله عليه، لأن نسبة وفاته ستتخطى الـ50 في المئة في تلك الحالة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي وقت سابق حذرت وكالة الصحة التابعة للاتحاد الأفريقي من أن 10 دول في القارة معرضة لخطر تفشي فيروس إيبولا.
ويوضح متخصص في الوبائيات خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن الترخيص الاستثنائي يمنح إلى لقاحات موجودة وسبق تجربتها بالفعل، مثل اللقاح المستخدم ضد سلالة "إيبولا زائير" التي ظهرت في 2014 وأجازته آنذاك منظمة الصحة العالمية، لذا يمكن استخدامه على السلالة الحالية من "إيبولا" بعد استيفاء كامل التجارب السريرية، لكنه لا يمنح إلى لقاح جديد لم يمر بالخطوات التقليدية المتعارف عليها بدءاً من الاختبارات المعملية وصولاً إلى التجارب على أعداد كبيرة من المتطوعين، مردفاً "الفارق الرئيس بين المسار التقليدي والاستثنائي يتمثل في العامل الزمني، فإذا لجأت المؤسسات العالمية لخيار الظرف الاستثنائي فستقوم بتقليص المدد الزمنية في مراحل التجارب فترات أقصر من المعتاد".
شروط الاعتماد
"المأمونية والفاعلية ونسب الحماية شروط أساسية قبل اعتماد أي لقاح سواء في الظروف العادية أم الاستثنائية"، بحسب ما يؤكد أستاذ علم المناعة وتطوير اللقاحات بجامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، أحمد سالمان، منوهاً بأن الخطوات التجريبية لأي لقاح تبدأ بالتجربة على أعداد قليلة من المتطوعين ثم تنتقل لأعداد أكبر تشمل أحياناً مئات المتطوعين وصولاً إلى شريحة تضم الآلاف من المتطوعين ويمتد الأمر لتجربته في بلدان عدة، لا سيما في الدولة التي يتفشى فيها المرض أو في محيطها لدراسة مدى تأثيره وإنتاجه للأجسام المضادة لمواجهة الفيروس، مردفاً "الأعراض الجانبية لأي لقاح غالباً ما تظهر في غضون ساعات أو أيام، لأن جهاز المناعة يتعامل معها مباشرة مثلما حدث في فترة جائحة كورونا حينما ظهرت الأعراض الجانبية مع الجرعات الأولى أو بعد 72 ساعة من تعاطي اللقاح".
ووفق بيان صادر عن منظمة الصحة العالمية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، تم توريد قرابة 16 مليار جرعة من اللقاحات عام 2021، بقيمة 141 مليار دولار، أي ما يعادل ثلاث مرات حجم السوق عام 2019 (5.8 مليار دولار) ونحو ثلاث مرات ونصف قيمة السوق عام 2019 (38 مليار دولار)، بسبب لقاحات كوفيد-19.
يضيف سالمان خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" أنه كلما زادت فاعلية اللقاح في أي مرحلة على 50 أو 60 في المئة تمنحه نتائج فعالة تمكنه من الانتقال إلى المرحلة التالية، لافتاً إلى أن اللقاحات تستغرق ما بين ثلاثة وستة أشهر حتى تظهر مدى نتائجها وفاعليتها.
لا داعي للاستعجال
في مقابل الآراء السابقة، قلل استشاري الحساسية والمناعة بالمصل واللقاح أمجد الحداد من خطورة "إيبولا"، مبرراً رأيه بأنه ينتقل بالتلامس بين البشر من طريق الاتصال المباشر بسوائل الجسم، مقارنة بفيروس كورونا الذي كان ينتقل عبر التنفس، مما يجعل الاستعجال لإنتاج لقاح قيد التطوير والتجريب أمر غير حتمي أو مجدٍ حالياً.
ويبين استشاري الحساسية والمناعة خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" الفارق بين تجربتي "الإيبولا" و"كورونا"، موضحاً أنه أثناء كورونا تم تصنيفها كـ"جائحة" فتم اللجوء لاعتماد لقاحات واستخدامها على المواطنين من دون أن تجتاز فترة التجارب السريرية ومراحلها الكاملة، "فاللقاح الذي كان يتطلب إنتاجه فترة تجارب مدة عام كامل أو أكثر تم اعتماده بعد شهرين فقط"، بينما بالنسبة إلى "إيبولا" فهو مرض محصور في بلدان معينة ويمكن السيطرة عليه، مما يجعل من الضروري أن يخضع اللقاح لجميع التجارب السريرية الكاملة وأن يمر بجميع مراحله قبل استخدامه على البشر، ويجب التمهل حتى يتم استيفاء كل النتائج بصورة ناجحة.
وأعلنت منظمة الصحة العالمية في وقت سابق أن تفشي فيروس إيبولا الفتاك في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا لا يمثل جائحة عالمية طارئة، على رغم أن مستوى الخطر يعد مرتفعاً على الصعيدين الإقليمي والوطني.