ملخص
أعلن زعيم "التيار الوطني الشيعي" مقتدى الصدر انفكاك "سرايا السلام" عن تياره، والتحاقها التحاقاً تاماً بالدولة. وستنضم إلى القوات المسلحة كفصيل مسلح كامل للقوات المسلحة وليس فرادى، مما يعني أن هيكليتها وترتيبها الداخلي سيبقى كما هو، لكن ستكون مرجعيته للدولة وليس للصدر.
وبعض الأحزاب السياسية في "الإطار التنسيقي"، التي تمتلك أجنحة مسلحة، قد تعلن بعد عيد الأضحى الاستغناء عن ألويتها وفصائلها المسلحة في "الحشد الشعبي".
تكشفت الرؤية، الخميس الـ28 من مايو (أيار)، عن الوقت المحدد لانفصال "سرايا السلام"، الجانب العسكري لـ"التيار الوطني الشيعي"، الذي يقوده مقتدى الصدر، والتحاقها التحاقاً تاماً بالدولة.
أتى الأمر بعد إعلان الصدر تحديد أسبوع واحد لإكمال الانفصال، على أن يكون التسليم التام في عيد الغدير، العيد الذي يحتفل به الشيعة في الـ18 من ذي الحجة من كل عام هجري، أي في الرابع من يونيو (حزيران). وكان مقتدى الصدر قد أعلن، الأربعاء الـ27 من مايو، انفكاك "سرايا السلام" عن تياره والتحاقها التحاقاً تاماً بالدولة، آملاً أن ينسحب الأمر على كل تشكيلات "الحشد الشعبي"، وأن تنفصل عن الأوامر الحزبية والطائفية، لا سيما بعد أن تسلم سلاحها للدولة، وكتب على منصة "إكس"، "انطلاقاً من المصلحة العامة للوطن، وتحاشياً للمخاطر المحدقة بالوطن، صار لزاماً علينا أن نعلن انفكاك سرايا السلام عن التيار الشيعي الوطني انفكاكاً تاماً والتحاقها التحاقاً تاماً بالدولة، والمسؤول العام عن التشكيلات العسكرية، على أن تتحول الجهات المدنية الملحقة بالسرايا إلى البنيان المرصوص، وبلا أي مقار أو سلاح أو زي أو عنوان أو أي شيء آخر".
يعرف عن "سرايا السلام" أنه تنظيم شيعي عقائدي مسلح يتبع عناصره وقياداته إلى "التيار الصدري"، وهم مقاتلون وقيادات سابقة في "جيش المهدي".
"سرايا السلام" و"جيش المهدي"
أعلن تأسيس "سرايا السلام" في يونيو عام 2014 بهدف حماية المراقد والمزارات الدينية، بعدما سيطر تنظيم "داعش" على محافظات نينوى وصلاح الدين وكركوك والأنبار وديالى.
وبثت "سرايا السلام" الروح مجدداً في "جيش المهدي"، الذي أسسه مقتدى الصدر في أواخر عام 2003 عقب الغزو الأميركي للعراق، قبل أن يحله عام 2008، وشارك "جيش المهدي" على نحو واسع في النزاع الطائفي في العراق بين عامي 2006 و2007، وشارك مقاتلوه في عمليات القتل الطائفي التي شهدتها مناطق بغداد، وعليه فإن تغيير "جيش المهدي" إلى "سرايا السلام" أراد به الصدر أن يبتعد بالتنظيم الجديد عن "جيش المهدي" الذي أوغل في القتل الطائفي.
وكان أول ظهور علني لـ"سرايا السلام" في الـ22 من يونيو عام 2014، عندما خرج مئات من مسلحي "جيش المهدي" السابقين في شوارع 12 محافظة عراقية يرتدون زياً موحداً، وكانت "سرايا السلام" قد وضعت أهدافاً لها تتمثل بحماية المقدسات والمزارات الدينية، ومحاربة الإرهاب لا سيما في مناطق بغداد وصلاح الدين وسامراء وبابل وديالى.
ويتكون الهيكل التنظيمي للسرايا من ثلاث فرق، كل فرقة تتكون من أربعة ألوية، واللواء يتكون من أربعة أفواج، والفوج يتكون من سرايا عدة، في حين تضم السرية من 60 إلى 120 عنصراً، ويبلغ عدد عناصر "سرايا السلام"، بحسب مصادر صحافية، ما بين 10 آلاف إلى 50 ألف عنصر، ولها ثلاثة ألوية ضمن هيئة "الحشد الشعبي" تنتشر في محافظة صلاح الدين.
حسابات سياسية
جمدت "سرايا السلام" أكثر من مرة من قبل مقتدى الصدر، ففي الـ17 من فبراير (شباط) عام 2015، أعلن الصدر تجميدها، ليعود ويعلن في الثامن من مارس (آذار) عام 2015، في بيان نشره مكتبه، رفع التجميد لفسح المجال لمشاركة مسلحي "سرايا السلام" مع قوات الحكومة العراقية في عمليات تحرير الموصل من "داعش". وبعد الانتخابات البرلمانية في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2021، أعلن الصدر إغلاق كل مقار "سرايا السلام" باستثناء محافظات النجف وكربلاء وصلاح الدين وبغداد، وعودة المسلحين كأفراد في "التيار الصدري". وفي السادس من أكتوبر عام 2022 أعلن الصدر تجميد كل الفصائل المسلحة التابعة لـ"التيار الصدري"، بما فيها "سرايا السلام" مستثنياً محافظة صلاح الدين.
في السياق، أوضح وضح المحلل السياسي نظير الكندوري أن دعوة مقتدى الصدر إلى فك ارتباط "سرايا السلام" بـ"التيار الوطني الشيعي" ليست بالجديدة، بل سبقتها دعوات مشابهة في عامي 2017 و2019، لكن مع ذلك لم يجر تنفيذها، وأضاف الكندوري "تأتي هذه الدعوة بعد تشكيل حكومة علي الزيدي الجديدة التي جعلت حل الميليشيات المسلحة وحصر سلاحها من أولوياتها، كذلك توجه خمس فصائل إلى الارتباط مباشرة بالأجهزة الأمنية الحكومية"، ورأى "أن دعوة الصدر في هذا التوقيت جاءت لحسابات سياسية تتعلق بمحاولة تثبيت وجود الصدر وتياره سياسياً، والتهيئة للمشاركة الفاعلة مستقبلاً، والابتعاد من أية عقوبات أو ضربات توجهها الولايات المتحدة أو الحكومة العراقية الجديدة لهذه الميليشيات، لا سيما أن الزيدي يتمتع بدعم أميركي حتى الآن، كما يرغب الصدر في إحراج بقية الميليشيات المرتبطة كلياً مع إيران، بهذه الدعوة يريد إحراجها ودفعها إلى فعل الأمر ذاته، وإلا فإنها ستبقى منبوذة ومعزولة عن التوجه العراقي الجديد بتصفية الميليشيات وحصر سلاحها".
أما الباحث في الشأن السياسي زيدون السلماني فقال، من ناحيته، "خطوة مقتدى الصدر ليست بالجديدة، ولكن في كل مرة كان يجري تسويف الموضوع لأسباب عدة، كانت خارجة، في الغالب، عن إرادة الصدر. هذه الخطوة ستكون بمنزلة الوتد الذي تستند إليه حكومة الزيدي، وحجر أساس لعملية حصر السلاح بيد الدولة".
امتداد لما قام به عام 2011
في ما يخص التشكيلات العسكرية التي حاربت القوات الأميركية، أوضح الصحافي المختص بالشأن العراقي منتظر العطية أن "مقتدى الصدر عد القوات الأميركية قوات احتلال انسجاماً مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483 الصادر في مايو عام 2003، وحافظ الصدر على هذا التصنيف حتى انسحاب القوات الأميركية في الـ18 من ديسمبر (كانون الأول) عام 2011، في ذلك العام واصلت فصائل عصائب أهل الحق وكتائب ’حزب الله‘ عملياتها العسكرية التي استهدفت القوات الأميركية المنسحبة، على عكس ما قام به فضيل لواء اليوم الموعود الذي أسسه مقتدى الصدر، الذي أعلن آنذاك وقف عملياته العسكرية والتزامه بالاتفاق الموقع بين الحكومة العراقية والإدارة الأميركية في شأن انسحاب القوات الأميركية من العراق كجزء من اتفاق الإطار الاستراتيجي".
ورأى العطية أن "الخطوة التي اتخذها الصدر الآن هي امتداد لما قام به عام 2011، خطوة ستخدم الحكومة العراقية بلا شك، ليس فقط من حيث تقييد الأسلحة، بل والأهم بالنسبة إلى الصدر إرساء آليات للعقاب والسيطرة على المجال العام تحت سلطة الدولة، باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة بذلك".
الفصائل الأخرى
لم تتضح بعد ما هي الفصائل الأخرى التي ستتبع خطوة الصدر، فالآراء تتباين بين من يقول إن هناك فصائل جادة باتخاذ خطوات نزع السلاح تجنباً للعقوبات الأميركية التي باتت وشيكة، وآراء أخرى تميل إلى تمسك الفصائل بسلاحها ورفض تسليمه.
في السياق، أوضح الصحافي منتظر العطية أن القوى السياسية التي تمتلك أجنحة مسلحة، "وصلت إلى قناعة راسخة، باعتبارها جزءاً أساسياً وفاعلاً في المشهد السياسي العراقي، بأن عليها التخلي عن هذه الأجنحة أو إعادة دمجها بصورة أو بأخرى في المؤسسة العسكرية والأمنية الحكومية، وإلا فإنها تخاطر بوجودها السياسي وتقويض الاقتصاد العراقي القائم على معادلة الريع والمحسوبية، وذلك بتعريضه لعقوبات وزارة الخزانة الأميركية".
من ناحيته، أوضح الباحث في الشأن السياسي زيدون السلماني أن معظم الفصائل ذاهبة باتجاه تسليم السلاح إلى الدولة "عدا جهتين تعلنان رسمياً رفضهما تسليم السلاح، هناك تسريبات تفيد بأن لديهما مجموعة من المطالب في ما إذا تحققت فلا مانع لديهما".
أما الصحافي وصانع المحتوى السياسي أحمد الحسيني فانطلق من تصريحات قيس الخزعلي (الأمين العام لعصائب أهل الحق) في بدايات هذا العام، "لا سيما عندما تحدث عن حصر السلاح بيد الدولة بوصفه مطلباً مطروحاً"، ورأى الحسيني أن "تصريحات الخزعلي تحمل دلالة كبيرة، لأنها تؤشر إلى مسار هادئ وتدريجي يقوم على إعادة التموضع والتنظيم أكثر من الصدام أو القرارات الحادة، فالاتجاه العام داخل العراق يبدو أقرب إلى صيغ الدمج والمؤسساتية وإعادة تعريف العلاقة بين الفصائل والدولة، مع بقاء التفاصيل وآليات التنفيذ رهينة التفاهمات السياسية وطبيعة التوازنات الداخلية".
بين العمل السياسي والعمل العسكري
أما حامد السيد القيادي في "تيار الخط الوطني" (تيار سياسي عراقي)، فأوضح أن "بعض الأحزاب السياسية في الإطار التنسيقي التي تمتلك أجنحة مسلحة، وبحسب تسريبات، قد تعلن بعد العيد (الأضحى) الاستغناء عن ألويتها وفصائلها المسلحة في الحشد الشعبي وتؤكد أنها ملتزمة بالفصل بين العمل السياسي والعمل العسكري". وأشار السيد إلى أن "دعوة مقتدى الصدر تقدم فرصة كبيرة للحكومة الحالية لا يمكن أن تعوض، إذ لم تتح هذه الفرصة من قبل لأي رئيس وزراء. الحكومة الحالية أمام دعوة صريحة من شخصية فاعلة اجتماعياً مثل مقتدى الصدر يعلن التخلي عن سراياه وتسليمها للدولة، هي فرصة مهمة لرئيس الوزراء علي الزيدي بإمكانه أن يستثمرها لجعلها معياراً لكل الفصائل والأحزاب السياسية، في حال رفضت تسليم سلاحها أو الاندماج بمؤسسات الدولة".
ولفت السيد إلى أن "مؤسسة الحشد التي تضم الفصائل يجب أن تتحرر من القيود الحزبية، والبدء بإعادة هيكلة وضعها من الداخل وليس حلها، وعندما تتم هيكلتها من الداخل يجب أن يحرر المقاتل والمتطوع فيها من أية تبعية سياسية، ومن ثم عملية فك الألوية والفصائل داخل الحشد من أحزابها خطوة لا بد من الإقدام عليها من الحكومة".
واعتبر الصحافي وصانع المحتوى السياسي أحمد الحسيني أن "قرار الصدر جاء في ظل أجواء سياسية تتجه نحو إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن الاندماج والمؤسساتية. ستضع هذه الخطوة بقية الفصائل أمام نقاشات تتعلق بحضورها المقبل داخل الدولة، وتبدو خطوة فك الارتباط من الصدر وكأنها إعادة تموضع سياسية. الزيدي لم ينجح في توحيد الفصائل ضمن صيغة واحدة، ومن ثم فإن التيار الصدري يفضل البقاء خارج هذا الاشتباك المعقد، مع الحفاظ على موقعه المختلف في المشهد العراقي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فشل الحكومة
"بيان في غاية الأهمية وخطوة استباقية تليق بمقتدى الصدر وتحرك المياه الراكدة، وتحرج الفصائل في أن تتخذ قراراً حاسماً عاجلاً وموقفاً حقيقياً لا لبس فيه بخصوص نزع السلاح"، وفق قول المدير التنفيذي لمركز "البيان" للدراسات والتخطيط علي طاهر الحمود الذي أوضح أن خطوة مقتدى الصدر "كشفت فشل الحكومة العراقية في أن تتخذ خطوات عملية مبادرة لتكون الفصائل كلها هي صدى لقرارها ولشرعية الدولة، أن تقوم الفصائل وحدها بنزع السلاح هذا أمر جيد، لكن كان ينبغي أن يكون هذا القرار استجابة لقرار حكومي".
الحرب القائمة حالياً
في المقابل، رفضت فصائل "النجباء" وكتائب "حزب الله" تسليم سلاحها.
ورأى مكي أن عدم تسليم هذه الفصائل سلاحها سيكون في إطار "مسؤولية الدولة"، لافتاً إلى أن الأمر يرتبط "أيضاً بالحرب على إيران، ومصير النظام الإيراني".
دعوة دعائية
لم تتضح بعد آلية انفصال "سرايا السلام"، والتحاقها بالدولة.
في السياق، أوضح المحلل السياسي نظير الكندوري أن "مقتدى الصدر تكلم عن تغيير مرجعية سرايا السلام وارتباطها بالقوات المسلحة، لكنه لم يتكلم عن نزع سلاحها وتسليمه للدولة. لهذا الأمر خطورة بالغة، هذا يعني أن هيكليتها وترتيبها الداخلي سيبقيان كما هما، لكن ستكون مرجعيتها للدولة وليس للصدر، وهذا لا يختلف عن الوضع الحالي الموجود أصلاً، إذ إنها مرتبطة بالحشد الشعبي إدارياً، والحشد مرتبط بالدولة، وعلى هذا الأساس، فإن هذه الدعوة، هي تلاعب بالألفاظ ودعوة دعائية وإعلامية ليس أكثر".
ولفت الكندوري إلى أن بقية الفصائل ستقتفي أثر الصدر بهذه الخطوة "لأنها لن تؤثر في طبيعة وعمل هذه الفصائل، حتى لو انضمت إلى القوات الأمنية الرسمية. الانضمام الشكلي للقوات المسلحة الرسمية محاولة لتجنب الضغوط الأميركية، ولا نستبعد أن هذا الترتيب قد جرى الاتفاق عليه مع الجانب الإيراني للحيلولة دون القضاء على هذه الفصائل بصورة تامة، ومن المتوقع ألا تقبل الولايات المتحدة بهذه الصيغة إلا في حال نزع سلاح الفصائل بالكامل، وانضمام عناصرها فرادى وليس كوحدات عسكرية إلى القوات المسلحة العراقية".
أما الصحافي منتظر العطية فلفت إلى أن المناقشات حتى الآن "لا تزال حبراً على ورق، ولم تصل إلى مرحلة الإجراءات البيروقراطية التي تتطلب قانوناً يفصل العملية على كل المستويات، بدءاً من الرتب العسكرية والشارات، وصولاً إلى الأسلحة والمركبات وغيرها من التقنيات العسكرية، فضلاً عن إعادة توزيعها على مناطق المسؤولية والمهمات".
البقاء كرمز
أما الصحافي وصانع المحتوى السياسي أحمد الحسيني فرأى أن إجراءات فك الارتباط تبدو أقرب إلى إعادة هيكلة طويلة ومعقدة أكثر من كونها قراراً إدارياً سريعاً، وتابع "اسم سرايا السلام قد يبقى رمزياً، أو يتحول تدريجاً إلى إطار مختلف ضمن المؤسسة الرسمية. التشكيلات المسلحة تستمد جزءاً كبيراً من قوتها من تماسكها الداخلي وبنيتها الجماعية وشبكة الولاء التي تربط أفرادها، ومع أية عملية تفتيت وتوزيع وذوبان داخل الأجهزة الرسمية، يتحول هذا التماسك إلى حالة أكثر رخاوة، وتصبح السيطرة المركزية أكثر تعقيداً".