Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صحوة أوراسية أمام نفوذ أميركي: هل اقتربت لحظة الحسم؟

نمط جديد من العلاقات الروسية - الصينية لا يقوم على الأيديولوجيا بل على المصالح البراغماتية ويهدف إلى نمو تكاملي عالمياً

لم ترسم الزيارات الأخيرة وحدها هذا المسار (رويترز)

ملخص

مواجهة هيمنة أوراسية محتملة تتطلب سياسة خارجية مرتبطة بالواقع الجغرافي، تقوم على التحالف مع شركاء بحريين وقاريين لتثبيت توازن القوى في البر الرئيس، والحفاظ على الوجود الأميركي في منطقة المحيط الهادئ. ويبقى السؤال إذا كانت الولايات المتحدة تستشعر هذا الخطر الأوراسي، فهل يعني ذلك أنها ستتخلى عن سياسات انعزالية، وتتجه إلى مزيد من التحالفات الدولية لاحتواء أوراسيا؟

هل دخل العالم مرحلة إعادة تقسيم جيوسياسي تسبق ظهور نظام عالمي جديد يختلف جذرياً عن العقود السابقة، ولا سيما تلك التي تلت سقوط الاتحاد السوفياتي ومرحلة الأحادية القطبية للولايات المتحدة؟

ينطلق هذا التساؤل من تحركات سياسية شهدتها الأسابيع الأخيرة، تمثلت في زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الصين، أعقبتها بعد أيام زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وهنا يبرز سؤال آخر، هل تمثل العلاقات الصينية - الروسية بداية حقيقية لصحوة أوراسية؟

الإجابة تتطلب نظرة أوسع من العلاقات بين بكين وموسكو، تمتد إلى القارة الأوروبية بوصفها امتداداً جغرافياً لآسيا. ومن هنا يمكن مقاربة مفهوم أوراسيا باعتباره تعاوناً محتملاً بين أوروبا وآسيا.

ولم ترسم الزيارات الأخيرة وحدها هذا المسار، إذ إن الفكرة قائمة منذ وقت طويل في أذهان مفكرين وسياسيين غربيين. كما أن الجغرافيا، وفق تعبير شائع، سبقتهم جميعاً في رسم ملامح تحالف محتمل.

كان الرئيس الفرنسي شارل ديغول من أوائل من تحدثوا عن طرح أوراسي، ورأى فرصة لتعاون واسع بين شعوب تلك الرقعة الممتدة من جبال الأورال شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً.

وفي نهاية التسعينيات، قدم مستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبيغنيو بريجنسكي رؤيته للأوراسية ضمن كتابه الشهير "رقعة الشطرنج الكبرى: الهيمنة الأميركية وضروراتها الجيوستراتيجية".

واعتبر بريجنسكي كتابه بمثابة تحذير مبكر من صعود كتلة جيوسياسية تجمع بين اتساع الجغرافيا وفاعلية الديموغرافيا، مع قدرة محتملة على التأثير في النظام العالمي.

فهل نحن أمام لحظة أوراسية حاسمة؟ أم أن العلاقات الروسية - الصينية، على رغم ما يبدو على السطح، لا ترقى إلى مستوى التحالف؟ وهل تمتلك أوروبا الثقة الكافية للدخول في شراكة من هذا النوع، أم أن مخاوف وخلافات عميقة تحول دون ذلك وتخفف القلق الأميركي من هذه الصحوة؟

الفكرة الأوراسية جغرافياً وسياسياً

تبدو أوراسيا في الأساس فكرة جغرافية أكثر منها تجمعاً سياسياً، إذ تبلغ مساحتها نحو 4 ملايين كيلومتر مربع وتمتد لتغطي قارتي أوروبا وآسيا.

ويقول الجغرافيون إنها تشكلت قبل نحو 350 مليون عام بعد اندماج القارات سيبيريا وكازاخستانيا وبلطيقا (التي اندمجت مع لورنتيا التي تمثل الآن أميركا الشمالية لتشكل أورأميركا).

وتقع أوراسيا في شمال الكرة الأرضية، وغالباً ما ينظر إليها على أنها قارة واحدة مثل الأميركتين وأفريقيا، نظراً إلى أن آسيا وأوروبا ليستا منفصلتين بمحيط أو بحر كبير.

وتشير بعض الموسوعات إلى تقسيمات داخل الطرح الأوراسي، فهناك من يقسم أوراسيا إلى شرق وغرب، القسم الغربي هو القارة الأوروبية وبعض أجزاء الشرق الأوسط، فيما يتضمن القسم الشرقي بقية آسيا باستثناء منطقة الشرق الأوسط.

عرفت هذه الرقعة حضارات عدة مثل حضارة ما بين النهرين والحضارة الصينية، فضلاً عن الحضارتين اليونانية والرومانية، مما يجعلها أكثر من جغرافيا واسعة، بل فضاء ثقافياً وإنسانياً.

 

اليوم تشهد أوراسيا تنافساً حضارياً واقتصادياً مع الغرب الأميركي على نحو خاص، مع نشوء تكتلات سياسية كبرى مثل "مجموعة بريكس" في شقها الآسيوي و"منظمة شنغهاي للتعاون"، إضافة إلى "الاتحاد الاقتصادي الأوراسي" الذي يضم روسيا وكازاخستان وبيلاروس وقيرغيزستان وأرمينيا، ويهدف إلى التكامل الاقتصادي وحرية تنقل السلع.

في المقابل، يمثل الاتحاد الأوروبي أبرز تكتل سياسي واقتصادي في الجزء الغربي من أوراسيا.

ومنذ وقت طويل يطرح سؤال مفاده، هل يقترب اليوم الذي تظهر فيه أوراسيا نداً ومنافساً، وربما مهدداً لنفوذ الولايات المتحدة؟ وإذا كانت تسعى في هذا الاتجاه، فما الذي يمكن لواشنطن أن تفعله لدرء الخطر؟

يرتبط الجواب بالمنطلقات الفكرية التي طرحها بريجنسكي ضمن كتابه حول لعبة الشطرنج، إذ حذر قبل نحو ثلاثة عقود من تفاقم النفوذ الأوراسي وانعكاساته على الولايات المتحدة.

بريجنسكي واستراتيجية جغرافية أوراسية

في كتابه الصادر عام 1997 "رقعة الشطرنج الكبرى: السيادة الأميركية وضروراتها الجيوستراتيجية"، ينطلق بريجنسكي من اعتبار أوراسيا مركزاً للقوة العالمية. ويسعى إلى صياغة استراتيجية جغرافية أوراسية للولايات المتحدة، مؤكداً ضرورة ألا يظهر منافس أوراسي قادر على الهيمنة على أوراسيا، بالتالي تحدي الولايات المتحدة.

وقبل الدخول في عمق طرحه، يبرز سؤال هل كان عام 1997 عاماً عادياً في تاريخ القطبية الأميركية؟

لم يكُن ذلك عاماً عادياً، إذ طفت على السطح رؤية المحافظين الجدد المتعلقة بـ"القرن الأميركي" ووثيقة PNCA، وهي دعوة إلى تصدر واشنطن العالم من دون منازع.

وأعيدت بلورة هذه الرؤية عام 2011 في ظل رئاسة باراك أوباما، وبدفع من وزيرة الخارجية حينها هيلاري كلينتون، تحت اسم "استراتيجية الاستدارة نحو آسيا". وبقي الهدف واحداً، قطع الطريق على عودة روسيا قوة كبرى، ومنع الصين من توسيع نفوذها عالمياً على مختلف المستويات.

ويلخص بريجنسكي فكرته في مقدمة الكتاب، مؤكداً أن الهيمنة العالمية الحالية للولايات المتحدة تعتمد على مدى فاعليتها في إدارة ديناميكيات القوة المعقدة في قارة أوراسيا. ويرى أن توازناً قارياً مستقراً مع قيام الولايات المتحدة بدور "الحكم السياسي" يتيح تحقيق الأهداف تدريجاً، ويضع في النهاية تصوراً لـ"مجتمع عالمي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقدم بريجنسكي طرحاً يقوم على مفارقة بين هدف معلن لبناء مجتمع عالمي تعاوني، وضرورة منع ظهور منافس أوراسي قادر على الهيمنة على أوراسيا، بما يعني صياغة استراتيجية أوراسية شاملة بوصفها جوهر المشروع.

ويوضح كذلك أن صعود الولايات المتحدة قوة مهيمنة خلال القرن الـ20 شكل نموذجاً إمبراطورياً متميزاً عن الإمبراطوريات التقليدية، يتسم بالتوسع السريع والتنظيم الفاعل، ويرى أن هذه الهيمنة لا تواجه تحديات قريبة المدى بسبب التفوق التكنولوجي والعسكري وجاذبية الثقافة الأميركية ودورها المحوري في الاقتصاد العالمي.

لكنه يؤكد أن الحفاظ على هذا الموقع لا يقوم على تلك العوامل وحدها، بل يتطلب نهجاً جيوسياسياً قادراً على منع ظهور قوى منافسة قد تهدد المصالح الأميركية. وفي هذا السياق تحتل أوراسيا مكانة مركزية باعتبارها الساحة الحاسمة التي سيتحدد فيها ميزان القوى العالمي خلال العقود المقبلة.

وتقوم الفكرة على منع صعود قوة مهيمنة في الفضاء الأوراسي عبر سياسات الاحتواء والتحالفات والأدوات الدبلوماسية، مع استخدام القوة عند الضرورة لضمان استمرار الهيمنة الأميركية.

فهل بدأت تحذيرات بريجنسكي تتجسد على أرض الواقع؟

موسكو - بكين... إرهاصات أوراسيا الكبرى

يقدم رئيس المختبر الدولي لدراسات النظام العالمي في موسكو البروفيسور ألكسندر لوكين قراءة مفادها بأن العلاقات الروسية - الصينية تضع بالفعل أسساً قوية لفكرة قوة أوراسية ناشئة.

ويرى أن التطبيع بين بكين وموسكو بدأ قبل وقت طويل من توتر العلاقات بين روسيا والغرب، وأن الأزمة الأوكرانية تؤثر في العلاقات الروسية - الغربية لكنها لا تفسر وحدها مسار العلاقة الثنائية. ويعود التطبيع لما بعد أزمة الاشتباكات المسلحة على الحدود في أواخر الستينيات، وبدأت ملامحه خلال الأعوام الأخيرة من حكم ليونيد بريجنيف، حين بدا للطرفين أن المواجهة المستمرة تضر بمكانتهما الداخلية وسمعتهما الدولية.

ومنذ بداية "البيريسترويكا" بقيادة ميخائيل غورباتشوف، ومع تعميق الإصلاحات في الصين، امتنعت موسكو وبكين تدريجاً عن السجالات الأيديولوجية وركزتا على قضايا عملية تتعلق بالشراكة الثنائية.

ومع تبني بكين سياسة خارجية مستقلة، تخلت عن فكرة تشكيل جبهة موحدة ضد الاتحاد السوفياتي وتوقفت عن اعتبار موسكو عدوها الرئيس. أما غورباتشوف، فعدّ تطبيع العلاقات مع الصين أحد أهدافه الرئيسة في السياسة الخارجية، بدعم من إصلاحيين رأوا في التجربة الصينية نموذجاً، ومن محافظين أعجبوا بنجاحات الجارة الشيوعية.

ويبرز سؤال هنا، هل سهلت عوامل معينة نشوء العلاقات وتطورها؟

بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وفترة من الانفتاح المؤيد للغرب، اتجهت موسكو إلى سياسات براغماتية لمعالجة مشكلاتها الداخلية. وقام التعاون الاقتصادي مع الصين، خصوصاً في المجال العسكري - التقني، بدور مهم خلال تسعينيات القرن الـ20، إذ أسهم في دعم قطاعات اقتصادية كاملة.

في الوقت نفسه تراجعت الأيديولوجيا الرسمية، وتوقفت الدولتان عن وضع طموحات عالمية كبرى، سواء بناء الشيوعية على مستوى العالم أو في آسيا، وأصبحت السياسات أكثر ارتباطاً بالمصالح الوطنية.

هل كان الموقف الغربي الأميركي - الأوروبي سبباً مباشراً في تعميق ملامح الأوراسية بقطبيها الروسي والصيني؟

يتجه بعض التحليل إلى ذلك، فكلما ابتعدت روسيا من الغرب نتيجة ما تصفه موسكو بغياب التفهم وعدم تقديم تنازلات، زاد توجهها نحو بناء علاقات براغماتية ومتبادلة المنفعة مع بكين. وتوافق ذلك مع صعود القوة الصينية بفعل الإصلاحات الاقتصادية وسياسة خارجية أكثر نشاطاً.

وبناء عليه، نشأ نمط جديد من العلاقات الروسية - الصينية لا يقوم على الأيديولوجيا بل على المصالح البراغماتية، ويهدف إلى نمو تكاملي للمصالح عالمياً، وليس ضد دول أخرى، وأطلق على هذا النمط اسم "الشراكة الاستراتيجية".

فهل يعني ذلك أن التحالف الأوراسي الروسي - الصيني أصبح حقيقة مقبلة؟

عن حدود واضحة للتحالف الأوراسي

يرى الباحث الأول في شؤون الصين ببرنامج آسيا والمحيط الهادئ في "معهد تشاتام هاوس" البريطاني البروفيسور يو جي ضمن خلاصة نشرت أواخر مايو (أيار) الماضي، أن الولايات المتحدة قد تجد أسباباً للقلق من صعود أوراسي محتمل.

ويلفت إلى أن بكين بدت كأنها ملتقى لأعضاء دائمين في مجلس الأمن الدولي، مما أثار تساؤلات حول موقعها كحجر زاوية في أوراسيا، خصوصاً بعد زيارة بوتين لشي جينبينغ.

ويؤكد يو جي أن الجغرافيا السياسية نادراً ما تحركها العواطف أو الصداقات السياسية، بل تتشكل بفعل المصالح الاستراتيجية وحسابات القوة والأولويات الوطنية.

ويقول إن هدف لقاء شي وبوتين كان توجيه رسالة بأن بكين وموسكو لا تزالان متحالفتين استراتيجياً في مساعيهما لإعادة تشكيل النظام الدولي. كما أن إعلان القمة المشترك الذي دعا إلى "عالم متعدد الأقطاب" و"نمط جديد من العلاقات الدولية"، عكس متانة الشراكة في ظل تزايد التشرذم العالمي.

 

لكن يو جي يرى أن وراء مظهر الوحدة واقعاً أكثر تعقيداً، فالصين وروسيا مرتبطتان جغرافياً وبمعارضة مشتركة للهيمنة الغربية وبأجندة استراتيجية متداخلة جزئياً، لكن الشراكة ليست بلا حدود. فبكين قلقة من اعتماد مفرط على الطاقة الروسية، كما أن طموحاتها الأوسع تفرض قيوداً على مدى تطور هذه العلاقة.

وتكشف القمة، وفق هذا المنظور، عن حقيقتين في آن، تعمل الصين وروسيا كثنائي استراتيجي على الساحة الدولية، لكن شراكتهما تقوم على توافق عملي أكثر من أنها تحالف كامل.

وبناء عليه، لا يبدو الانتقال إلى "المرحلة الأوراسية" وشيكاً، إذ إن التوافق الاستراتيجي لا يمحو عدم التكافؤ ولا يلغي مستويات من عدم الثقة، ولا يغير أيضاً سعي بكين إلى الاكتفاء الذاتي الاقتصادي.

وفي هذا السياق، تبدو بكين مترددة في زيادة اعتمادها على روسيا في مجال الطاقة، وعلى رغم أن التعاون في هذا المجال ركيزة أساسية للعلاقات الثنائية، تجنبت الصين وضع نفسها في موقع تصبح فيه الإمدادات الروسية ضرورة لا غنى عنها.

ويساعد ذلك في تفسير بطء مشاريع طال انتظارها مثل خط أنابيب الغاز "قوة سيبيريا"، على رغم الدعم الكلامي المتكرر. وبالنسبة إلى موسكو، يمثل المشروع أهمية اقتصادية ملحة، إذ جعل خفض أوروبا واردات الطاقة الروسية من الصين العميل الأهم المحتمل على المدى الطويل بالنسبة إلى الكرملين.

وإضافة إلى ذلك، لا تتفق الصين مع روسيا في جميع الأولويات الجيوسياسية، فبينما يعارض الطرفان الهيمنة الأميركية، تظل بكين أكثر اندماجاً في الاقتصاد العالمي من موسكو، وتتحمل كلفة أكبر من استمرار عدم الاستقرار.

وفي حين تمضي الصين في ترسيخ نفوذها عبر اعتماد متبادل مع شركائها التجاريين ومنافسيها، تسعى روسيا غالباً إلى استغلال نقاط التوتر العالمية لتحقيق مكاسب سياسية.

وعليه، يبقى التسليم بوجود صحوة أوراسية روسية - صينية أمراً محل شك. فماذا عن الجانب الغربي؟

أوروبا وشكوك نحو روسيا والصين

تبقى أوروبا الجناح الغربي، وفق الوصف التشريحي للجسم الأوراسي.

وهنا تبرز ثلاث نقاط مرتبطة بموقع أوروبا من الشراكة الأوراسية:

أولاً، لا بد من النظر إلى المشهد الأميركي - الأوروبي ضمن الإطار التاريخي الأهم في العلاقة عبر الأطلسي، أي حلف شمال الأطلسي (الناتو).

فلم يعُد خافياً أن العلاقات الأوروبية - الأميركية تمر بفترة توتر، ويربط بعض ذلك بالرئيس ترمب، خصوصاً مع تحركات أميركية لسحب جزء من القوات من مواقع تمركز تاريخية، كما في عودة 5 آلاف جندي من ألمانيا للولايات المتحدة.

كذلك وجه ترمب انتقادات حادة إلى شركاء أوروبيين بعد ما عدّه تخلياً عن مساندة واشنطن خلال أزمتها مع إيران، وتضاف إلى ذلك خلافات اقتصادية، خصوصاً في ضوء التعريفات الجمركية الأميركية على أوروبا.

لكن هل يعني ذلك أن أوروبا يمكن أن تتجه إلى الطرح الأوراسي بشقيه الروسي والصيني؟

ثانياً، في ما يتعلق بروسيا، يصعب في الوقت الحالي تصور مستوى ثقة كافٍ، وتنتشر في أوروبا مخاوف مرتبطة بما يوصف بالحرب الهجينة، وصولاً إلى هواجس من توسع عسكري روسي. وتظهر حساسية هذا المسار في العلاقات الألمانية - الروسية على نحو خاص.

وبناء على ذلك، يبدو من غير المرجح أن تتجه أوروبا في المدى المنظور إلى شراكة أوراسية في مواجهة إطار "الناتو".

ثالثاً، في ما يتعلق بالصين، مرت العلاقة الصينية - الأوروبية بمرحلتين فصلت بينهما جائحة "كوفيد-19".

فقبل الجائحة، توسعت الصين دبلوماسياً واقتصادياً في القارة الأوروبية، وبرزت تباينات داخل الاتحاد الأوروبي. وعلى سبيل المثال، اقتربت إيطاليا من علاقات وثيقة مع الصين، مما أثار انتقادات من فرنسا ودول أخرى.

لكن بعد الجائحة، تغيرت المعادلات وتفاقمت النقاشات حول هشاشة نظم الاستجابة الداخلية وحدود الشفافية، وما ترتب على ذلك من انتشار واسع للفيروس.

فهل يعني ذلك أن فكرة الشراكة الأوروبية ضمن الطرح الأوراسي لا تبدو قابلة للتبلور في الوقت الراهن، وأن أوروبا ستبقى أقرب إلى إصلاح خلافاتها داخل إطار "الناتو"؟

واشنطن ومواجهة أوراسيا المقبلة

على رغم العقبات التي تواجه الطرح الأوراسي اليوم، فإن العالم يتغير بسرعة بفعل تطورات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والرقائق، مما يسرع التحولات الجيوسياسية مقارنة بما كان سائداً في نهاية القرن الـ20 وبداية الـ21.

ولم يكُن بريجنسكي وحده مهتماً بمسألة أوراسيا، فقد شغلت كتابات الجيوستراتيجي الهولندي - الأميركي نيكولاس سبايكمان مساحة واسعة في النقاش حول مفهوم أوراسيا وتأثيره في الحضور الأميركي.

وقدم سبايكمان كتاباً بعنوان "استراتيجية أميركا في السياسة العالمية: الولايات المتحدة وميزان القوى"، ويُعد من الأعمال التي أسست لمقاربات تبنتها الولايات المتحدة على مدى عقود.

ويرى سبايكمان أن الولايات المتحدة قد تواجه خطراً كبيراً إذا برزت قوة مهيمنة في أوراسيا، فقد يؤدي ذلك إلى محاصرتها عملياً عبر الأطلسي والهادئ. ويعتبر أن قوة مهيمنة من هذا النوع يُرجح أن تسيطر على موارد وقدرات كبيرة تضاهي ما لدى الولايات المتحدة أو تتفوق عليه.

ويخلص إلى أن مواجهة هيمنة أوراسية محتملة تتطلب سياسة خارجية مرتبطة بالواقع الجغرافي، تقوم على التحالف مع شركاء بحريين وقاريين لتثبيت توازن القوى في البر الرئيس، والحفاظ على الوجود الأميركي في منطقة المحيط الهادئ.

ويبقى السؤال، إذا كانت الولايات المتحدة تستشعر هذا الخطر الأوراسي، فهل يعني ذلك أنها ستتخلى عن سياسات انعزالية، وتتجه إلى مزيد من التحالفات الدولية لاحتواء أوراسيا؟

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير