Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الغزيون والحج... محرومون لا محرمين

للموسم الثالث تغلق إسرائيل المعبر الوحيد إلى البيت الحرام ويخشون أن تتحول ملابس إحرامهم إلى أكفان قبل أن يؤدوا الفريضة  

رؤيتهم عبر شاشات التلفاز ملايين المسلمين يتدفقون نحو مكة تعزز لديهم الشعور بأنهم خارج السياق الإنساني (أ ف ب)

ملخص

الحاج في غزة لا يعيش مرارة الحرمان من الفريضة فحسب، بل يعيشها من قلب الخيمة وهو يحمل آلام الفقد والنزوح. تقول الحاجة سناء "خرج اسمي في القرعة بعد 11 عاماً من الانتظار والدعاء، في كل عام كنت أقول الفرج العام المقبل، بعت كل ما أملك من مصاغ ذهبي وادخرت من قروش أولادي لأجهز نفقة الحج. عندما أبلغوني قبل ثلاثة أعوام أنني ضمن القوائم المقبولة، بكيت ساجدة شكراً لله وظننت أن حلم العمر تحقق".

في زاوية مظلمة داخل خيمة مهترئة في مواصي خان يونس، يحتفظ فرج بحقيبة سفر صغيرة ذات لون كحلي يعلوها غبار النزوح المتكرر، وتضم بداخلها رأسماله الروحي المكون من "ثوب إحرام أبيض ناصع، ومسبحة من خشب الزيتون، وكتيباً صغيراً لأدعية الطواف والسعي".

يقول الحاج فرج وهو يتحسس قماش الإحرام الخشن بأصابع مرتجفة "في خريف 2023، ظهر اسمي في قرعة أداء فريضة الحج، بكيت كما لم أبكِ في حياتي، بعت قطعة أرض صغيرة ورثتها عن والدي لأغطي الكلف، وجهزت هذه الحقيبة، كنت أستيقظ ليلاً وأرتدي الإحرام أمام المرآة في بيتنا بغزة، وأتدرب كيف سأطوف حول الكعبة مع زوجتي".

جاءت الحرب، ونسف بيت فرج في حارة الزيتون، ونزح الشيخ العجوز وزوجته سبع مرات، وفي كل مرة، كان يرفض ترك الحقيبة الكحلية، يحملها فوق كتفه المنهك كمن يحمل روحه.

يتابع الموسم على الشاشة

مع حلول شهر ذي الحجة الجاري، وتوالي المواسم الضائعة، أصبح المشهد داخل الخيمة تعذيباً نفسياً لفرج، الذي يجلس وزوجته خلف شاشة هاتف محمول صغيرة، ليتابعا البث المباشر لصعود الحجاج إلى جبل عرفات.

يضيف فرج "هذا هو العام الثالث الذي أرى فيه قوافل الحجاج عبر الشاشات وقلبي يعتصر حزناً، في عام 2024 حين أغلق معبر رفح، قالوا لنا إن المعبر مغلق قسرياً وستسافرون العام المقبل حتماً، وفي عام 2025 تدهورت صحتي بشكل حاد وظل المعبر مغلقاً بركام الحرب".

يصمت متحسراً ويتابع "اليوم، في موسم 2026، أشعر وأنا طريح الفراش في هذه الخيمة أن جسدي المنهك بفعل غسيل الكلى المستمر وانعدام الغذاء الصحي لن يصمد لعام آخر، الوقت يهرب مني، والمرض يسرق صحتي، وإسرائيل تسرق حلم عمري الوحيد".

يخشى على ثوب الإحرام

عندما تصدح الشاشة بـ"لبيك اللهم لبيك"، يغطي فرج وجهه بيديه ويجهش بالبكاء بصوت مكتوم يهز أركان الخيمة، ينظر إلى ثياب الحجاج البيضاء النظيفة، ثم يلتفت إلى ثوبه المليء بالبقع وغبار الرمل ورائحة الحطب والمياه المالحة، تخرج التلبية من قلبه مخنوقة، يتداخل فيها صوت مكبرات مكة الروحاني مع صوت طائرة الاستطلاع الإسرائيلية التي لا تفارق سماء الخيام.

 

ويختم فرج حديثه، "كل ما أخشاه في هذه الدنيا، ليس الموت في حد ذاته، بل أن أموت هنا في عتمة هذه الخيمة قبل أن أكحل عيني برؤية الكعبة ولمس حجرها الأسود، أخاف أن يطول هذا الحصار المطبق ويتحول ثوب إحرامي الأبيض هذا، الذي حرصت على طهره ونظافته، إلى كفنٍ يلف به جسدي ليدفن تحت رمال غزة بدلاً من أن أطوف به في رحاب مكة".

قصة الحاج فرج هي مرآة لقصص 9 آلاف حاج وحاجة في غزة، يحرمون للعام الثالث على التوالي من أداء فريضة الحج، إذ جمدت أسماؤهم وتلاشت أحلامهم خلف البوابة الحديدية المغلقة والمنع الإسرائيلي، لتظل حكاية حجاج غزة فصلاً مأسوياً يمتزج فيه الحرمان العقائدي بالقهر الإنساني.

لـ3 أعوام متتالية

الحج في غزة ليس مجرد عبادة، بل هو رحلة العمر التي يدخر لها الناس الغالي والنفيس وينتظرون "القرعة" لأعوام طويلة، لكن هذا الحلم تحول إلى ملف مجمد للعام الثالث على التوالي (2024، 2025، 2026)، بما يعمق الشعور بالاستباحة والعزل عن العالم.

السبب المباشر والرئيس وراء حرمان حجاج قطاع غزة من أداء الفريضة للعام الثالث على التوالي هو الإغلاق التام والمستمر لمعبر رفح البري، وهو المنفذ الوحيد والرسمي الذي يربط القطاع بالعالم الخارجي ومنه إلى الأراضي المقدسة.

منذ دخول الحرب مراحلها المتقدمة وسيطرة الجيش الإسرائيلي على الجانب الفلسطيني من معبر رفح عام 2024، وتدمير أجزاء واسعة من بنيته التحتية، توقفت حركة السفر بشكل كامل، بما في ذلك الحالات الإنسانية والمرضية، وبالتأكيد بعثات الحج.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا توجد في غزة أي طرق أو ممرات بديلة آمنة تضمن خروج آلاف الحجاج وعودتهم بسلام، في ظل استمرار وجود الجيش الإسرائيلي في مدينة رفح، وبسبب ظروف الحرب وإغلاق المعابر توقفت كل هذه المعاملات الإدارية واللوجستية لبعثة حجاج غزة بشكل كامل، التي تتطلب ترتيبات معقدة جداً تبدأ قبل أشهر، وتشمل استصدار التأشيرات وحجز الطائرات من المطارات المصرية وتأمين السكن في مكة والمدينة.

يؤكد مدير عام وزارة الأوقاف في غزة أمير أبو العمرين، أن "الحرمان ليس قراراً تنظيماً أو مرتبطاً بحصص الحجاج، بل هو نتيجة مباشرة للواقع الميداني والعسكري المفروض على الأرض واحتلال المنافذ الحدودية للقطاع".

بسبب هذا الحرمان، يمنع كل موسم حج نحو 2508 حجاج من غزة من أداء المناسك، يوضح أبو العمرين أن "حصة غزة تمثل 38 في المئة من إجمال حصة دولة فلسطين الكاملة، التي تبلغ 6600 حاج. تاريخياً، وفي بعض المواسم الاستثنائية، كان هذا العدد يتغير قليلاً إذ يضاف إليه مكرمات".

ويوضح "كان يضاف سنوياً لحصة فلسطين مكرمة ملكية سعودية وهي مكرمة أسر الشهداء والجرحى، بواقع 1000 تأشيرة إضافية، توزع على غزة والضفة الغربية بالتساوي، مما يرفع عدد حجاج القطاع الفعلي إلى حوالى 3008 حجاج".

على مدار المواسم الثلاثة الأخيرة التي توقفت فيها رحلات حجاج غزة بسبب إغلاق المعابر، حرم أكثر من 10 آلاف مواطن من أداء فريضة الحج. يشير أبو العمرين إلى أن 71 حاجاً وحاجة وافتهم المنية سواء نتيجة القصف والحرب أو الوفاة الطبيعية من دون أن يتمكنوا من تحقيق أمنية العمر.

غصة مركبة

في عام 2015 أجرت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة قرعة حددت فيها أسماء الحجاج لمدة 10 أعوام، وحصل كل شخص سجل اسمه للحج على بطاقة تحدد له السنة التي من المقرر أن يؤدي فيها مناسك الفريضة، وبسبب الحرب منعت الأسماء التي ظهرت في "القرعة العلنية" لعام 2023 وما بعده من السفر لمكة.

خلف كل اسم كان يظهر في "القرعة العلنية" قصة كفاح طويلة، فهناك من ادخر من قوت يومه لـ30 عاماً، وهناك امرأة باعت ذهبها لتكحل عينيها برؤية الكعبة، والقرعة في غزة كانت بمثابة صك الفرح الأكبر، لكن الحرب حولت هذا الشوق إلى غصة مركبة.

فالحاج في غزة لا يعيش مرارة الحرمان من الفريضة فحسب، بل يعيشها من قلب الخيمة وهو يحمل آلام الفقد والنزوح. تقول الحاجة سناء "خرج اسمي في القرعة بعد 11 عاماً من الانتظار والدعاء، في كل عام كنت أقول الفرج العام المقبل، بعت كل ما أملك من مصاغ ذهبي وادخرت من قروش أولادي لأجهز نفقة الحج. عندما أبلغوني قبل ثلاثة أعوام أنني ضمن القوائم المقبولة، بكيت ساجدة شكراً لله وظننت أن حلم العمر تحقق".

 

وتضيف "أعيش في خيمة مهترئة، وملابس الإحرام التي اشتريتها وفصلتها بعناية ولا تزال في حقيبتي، وكلما اقترب موسم الحج ورأيت الحجاج من كل دول العالم يتوافدون إلى مكة ينفطر قلبي".

ويقول رمزي "كان حلمي وحلم زوجتي أن نختم حياتنا معاً بزيارة الكعبة، لكن الحرب وإغلاق معبر رفح جمدا كل شيء، العام الماضي استهدفت منطقتنا وقتلت زوجتي وهي تنتظر فتح المعبر وتأشيرة السفر وبقيت أمنيتها معلقة، وهذا العام أقف وحيداً محروماً للمرة الثالثة من أداء الفريضة".

أما إسحاق فيوضح "أنا من أصحاب الدور القديم في القرعة. عندما بدأ موسم الحج هذا العام وتأكدنا أن المعبر سيبقى مغلقاً شعرت بظلم شديد، وأخشى أن يدركني الموت قبل أن أطوف بالبيت العتيق، الحج بالنسبة إلينا في غزة كان الملاذ الذي نرجو فيه الطمأنينة بعد سنوات الحصار والحروب. أن نُحرم منه للعام الثالث على التوالي بسبب السيطرة العسكرية على المعابر هو عقاب جماعي يمس عقيدتنا وأرواحنا".

قهر نفسي

حين يحرم الغزي من أداء شعيرة هي الركن الخامس في دينه لثلاثة أعوام متتالية، فإن المسألة تتجاوز البعد الديني لتلامس أعمق مستويات القهر النفسي إذ تعمل على تكريس العزلة والاستباحة، فرؤية المحاصرين في غزة عبر شاشات التلفاز ملايين المسلمين يتدفقون من كل حدب وصوب نحو مكة تعزز لديهم الشعور بأنهم خارج السياق الإنساني، وأن أبسط حقوقهم الروحية باتت رهينة قرارات عسكرية وصراعات سياسية لا يملكون فيها خياراً.

يقول المأمون "طوال حياتي كنت أؤمن بأن مكة مكان يتسع لكل المسلمين، وأن نداء الحج لا يمكن لأحد أن يقف في وجهه، لكننا للسنة الثالثة على التوالي معزولين عن العالم، وحتى عن ديننا وقبلتنا، في عام 2024 قلت لنفسي إنها أزمة وتمر، وفي 2025 تجهزت وبكيت، والآن في 2026 أشعر برغبة في الصراخ. نحن لسنا مجرد محرومين من السفر، بل ومستباحون لدرجة أن حلمنا البسيط بالطواف حول الكعبة بات ملفاً منسياً ومجمداً في أدراج الحروب".

 

أما براء فيقول "حرمان غزة من الحج هو أقصى تعبير عن سياسة السجن الكبير. الحج عبادة عالمية تجمع كل جنسيات الأرض، ولكن مستثنى منها فقط الإنسان في غزة بسبب إغلاق معبر رفح والسيطرة عليه. هذا الواقع يكرس لدينا شعوراً بأننا معاقبون في كل شيء. عندما أرى الطائرات تقلع بالحجاج من الدول المجاورة، وألتفت لأرى الركام من حولي والمعابر المغلقة، أدرك عمق الجريمة النفسية والإنسانية التي ترتكب بحق شعب بأكمله".

نظام القرعة في غزة تراكمي ومعقد جداً، وتجميد قوائم الانتظار التاريخية يعني تدمير جدول الدور التتابعي لأعوام قادمة، فالأشخاص الذين انتظروا منذ عام 2015 وجاء دورهم في هذه الأعوام الثلاثة، ترحلت أحلامهم إلى أجل غير مسمى، مما يتسبب في إحباط يمتد لآلاف الأسماء المسجلة في القوائم الرديفة للأعوام المقبلة.

سباق مرعب مع الموت

وبالعادة، يشكل كبار السن والمرضى النسبة الأكبر من حجاج غزة بموجب نظام القرعة الذي يعطي لهم الأولوية، وحرمانهم لثلاثة أعوام متتالية يعني عملياً خروج آلاف منهم من القدرة الجسدية على أداء المناسك مستقبلاً نتيجة التدهور الصحي الناجم عن ظروف النزوح.

يقول شاكر "انتظرت دوري في القرعة 12 عاماً كاملة. الرطوبة وبرد الشتاء والحر الشديد أكلت مفاصل ركبتي. في عام 2023 كنت قادراً على المشي والسعي، أما اليوم فأنا أتحرك بصعوبة بالغة مستنداً إلى عكاز. الوقت هنا عدونا الأكبر، وجسدي يخذلني يوماً بعد يوم والمعبر مغلق".

وتقول شوق "أنا مريضة سكري وضغط، والوضع الصحي هنا يزداد سوءاً، كلما بدأ التلفزيون يبث تكبيرات الحج ينعصر قلبي، جاراتي في الخيام اللواتي فزن معي بالقرعة توفيت اثنتان منهن العام الماضي بسبب المرض. نحن في سباق مرعب مع الموت، وكل ما نرجوه هو ممر آمن نخرج منه لنؤدي فرضنا قبل أن تفيض الروح. نحن لا نطالب بترف أو بسفر للسياحة، بل بأبسط حقوقنا العقائدية والإنسانية قبل أن تنتهي أعمارنا".

خسائر اقتصادية

خلف هذا التجميد، يتكشف جانب آخر لا يقل قسوة عن الحرمان الروحي، إذ تسببت الحرب وإغلاق معبر رفح لثلاثة أعوام متتالية في تدمير وهدم بنية تحتية اقتصادية واستثمارية كاملة كانت تشكل شرياناً حيوياً لقطاع الخدمات في غزة.

لم يعد الأمر يقتصر على تأجيل رحلات السفر، بل تحول إلى إفلاس كامل وشطب تام لشركات الحج والعمرة المحلية. يقول رئيس جمعية أصحاب شركات الحج والعمرة في قطاع غزة محمد الأسطل "على مدار أعوام طويلة، استثمرت شركات الحج والعمرة، التي يتجاوز عددها 70 شركة رسمية ومؤهلة، ملايين الدولارات لتجهيز مقارها بأحدث الأنظمة المحوسبة وقاعات استقبال الحجاج والشبكات اللوجيستية المرتبطة بوزارة الأوقاف والمنصات السعودية".

 

ويضيف، "مع استهداف مراكز المدن الكبرى أبيدت غالبية هذه المقار ونسفت تحت الركام، مما يعني ضياع الأصول الرأسمالية للشركات، وتلف الوثائق والسجلات التاريخية لقرعات الحج والعقود العقارية المخزنة، وتكبدت الشركات خسائر فادحة نتيجة دفع عربون حجز الفنادق في مكة والمدينة، وتأمين حافلات النقل البري في مصر، وشراء تذاكر الطيران قبل الإغلاق المفاجئ للمعبر، وهي أموال باتت معلقة أو ضائعة في دوامة الشلل اللوجيستي".

يوضح الأسطل أن التجميد والإغلاق أدى إلى تسريح 100 في المئة من العاملين في هذا القطاع، إذ تحول أصحاب الشركات ومديروها وموظفوها إلى نازحين داخل الخيام يبحثون عن المساعدات الإغاثية.

بحسب بيانات جمعية شركات الحج والعمرة، فإن الأموال المحتجزة كعربون تقدر بنحو 4 ملايين دولار، وهذه خسارة مباشرة للحجاج، أما الخسائر التشغيلية فتتجاوز 15 مليون دولار. يؤكد الأسطل أن الرقم الإجمالي للخسائر المباشرة وغير المباشرة لقطاع الحج والعمرة في غزة يتجاوز 20 مليون دولار.

مخالفة قانونية

تدمير معبر رفح هو الآلية المادية والعسكرية التي استخدمت لقطع صلة الوصل بين غزة ومكة، وإصرار إسرائيل على إغلاقه أمام الحجاج هو السبب المباشر الذي جعل من رحلة العمر ملفاً معلقاً ومجمداً تشوبه تجاوزات قانونية.

ينزع القانون الدولي الإنساني الغطاء عن كافة التبريرات الأمنية التي تسوقها حكومة بنيامين نتنياهو، ليؤكد أن المنع المستمر والشامل لحجاج قطاع غزة يقع في تصنيف الانتهاكات الجسيمة والمنظمة لحقوق الإنسان، ويرتقي إلى مصاف العقوبات الجماعية المحرمة دولياً.

يقول الباحث الحقوقي صلاح عبدالعاطي "إقدام القوة القائمة بالاحتلال على إغلاق معبر رفح البري وتدمير منشآته، ومنع آلاف المدنيين في قطاع غزة من السفر لأداء فريضة الحج لثلاثة مواسم متتالية، لا يمكن إدراجه تحت بند الضرورات العسكرية، بل هو انتهاك صارخ وممنهج للمادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تكفل بشكل قاطع حرية الفرد في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر وممارستها".

منع حجاج غزة يمثل خرقاً صريحاً لالتزامات إسرائيل بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب، وتحديداً المادة 27 والمادة 58، اللتين تلزمان القوة المحتلة باحترام العقائد والممارسات الدينية للسكان وتسهيل ممارسة شعائرهم من دون عوائق.

ويضيف عبدالعاطي "إغلاق معبر رفح البري وتدميره بشكل كامل ليس مجرد إجراء عسكري ميداني، بل هو ممارسة ممنهجة لسياسة العقاب الجماعي المحرمة دولياً، فإسرائيل تعلم تماماً الأثر النفسي والوجداني لمنع آلاف المواطنين، وبخاصة كبار السن والمرضى، من أداء شعائرهم الدينية وفريضة الحج".

ويتابع "حكومة نتنياهو توظف المعابر والمنافذ وتحديداً معبر رفح بعد عسكرته كأوراق للمساومة والضغط السياسي، متجاوزة بشكل فج قواعد القانون الدولي الإنساني التي تحيد الطقوس الدينية وحرية العبادة عن الصراعات والعمليات العسكرية".

محاولات ترفضها إسرائيل

خاضت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية معركة دبلوماسية ولوجيستية معقدة على مدار ثلاثة مواسم متتالية أمام قرار المنع الإسرائيلي، وقادت سلسلة من الاتصالات والجهود المشتركة مع الأطراف العربية والإقليمية لمحاولة إيجاد ثغرة إنسانية في جدار الحصار، إلا أن هذه الجهود تصادمت جميعها بفيتو عسكري وتعنت مطلق من قبل إسرائيل.

 

يقول وزير الأوقاف والشؤون الدينية حاتم البكري، "أجرينا اتصالات مع الشركاء في محاولة إيجاد صيغة تشغيلية استثنائية، وطالبنا بفتح معبر رفح لـ 48 ساعة فقط وبشكل حصري لمرور حجاج قطاع غزة، مع تقديم ضمانات بأن تقتصر البعثة على كبار السن والمرضى والنساء، على أن تتولى جهات دولية أو أطراف مصرية الإشراف على الترتيبات الفنية لمنع أي احتكاك ميداني".

ويضيف "ناقشنا إمكانية خروج الحجاج عبر معبر كرم أبو سالم إلى الأراضي المصرية ومنها إلى مطار العريش أو مطار القاهرة الدولي، إلا أن هذا المسار اللوجيستي اصطدم برفض إسرائيلي قاطع، إذ اشترطت تل أبيب إخضاع كافة الحجاج للفحص الأمني الفردي الدقيق والاعتقال المحتمل، وهو ما رفضته الوزارة باعتباره إهانة لكرامة الحجاج وتحويلاً للعبادة إلى مصيدة أمنية".

ويوضح البكري أنه تم إرسال مذكرات رسمية عاجلة ومفصلة للأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي، تطالب بتدخل إسلامي جماعي للضغط على القوى الدولية لإجبار إسرائيل على تحييد ملف الحج كحق ديني أساسي غير قابل للتسييس.

تبريرات وذرائع

لم تسمح إسرائيل نهائياً لحجاج غزة بالسفر، إذ رفضت تقديم أي تنازل أو تعليق مؤقت للعمليات العسكرية في محيط محور فيلادلفيا والمعبر لتسهيل مرور قوافل الحجاج، وتعامل نتنياهو مع ملف الحجاج باعتباره امتيازاً وليس حقاً، وتذرع بأن الجانب الفلسطيني من المعبر مدمر وغير مؤهل تقنياً أو إدارياً لتسيير رحلات جماعية.

يقول منسق الجهود الإنسانية في وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق إلعاد غورين "السيطرة على معبر رفح ومحور فيلادلفيا هي مسألة استراتيجية حاسمة لأمن إسرائيل. لن نتخلى عن الوجود هناك، لأن ترك المعبر يعني تدفق السلاح والأموال لإعادة بناء القدرات العسكرية في غزة".

ويضيف غورين "أية حركة عبر المعابر، سواء كانت إنسانية أو لأغراض أخرى، مرهونة بوجود ترتيبات أمنية صارمة تضمن عدم استغلالها من قبل الفصائل. الأوضاع الأمنية الميدانية والعملياتية الحالية على الأرض، وغياب آلية تنسيق موثوقة ومناهضة للإرهاب في الجانب الآخر، تجعل من الصعب السماح بمرور جماعي أو فتح المعبر من دون فحوص أمنية دقيقة ومعايير خاصة تضع أمن مواطني إسرائيل في المقام الأول".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير