ملخص
قال ملادينوف، "'حماس' تحاول تفكيك خطة السلام والازدهار عبر قبول الشق الإنساني والمالي، أي الإغاثة وإعادة الإعمار، مع الرفض المطلق للشق الأمني والسياسي الذي يشمل نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي المتزامن. وهذه معادلة مستحيلة تجعل خريطة الطريق في حال شلل حرج".
بعدما قدم مجلس السلام أول تقرير له إلى مجلس الأمن في الأمم المتحدة لاستعراض مسار خطة السلام والازدهار في قطاع غزة، تفجرت مواجهة سياسية حادة ثلاثية الأطراف بين المندوب السامي نيكولاي ملادينوف وحركة "حماس" وإسرائيل.
تضمن التقرير الذي جهزه مجلس السلام تقييماً شاملاً للأوضاع الميدانية والإنسانية والاقتصادية، إضافة إلى الملفات السياسية والأمنية المعرقلة. وجاء في 35 صفحة، ويستعرض مسار تنفيذ القرار 2803 والخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزة.
ماذا جاء في تقرير مجلس السلام؟
يذكر ملادينوف في تقريره أن اتفاق وقف إطلاق النار صمد إلى حد كبير لمدة سبعة أشهر متواصلة، ويعترف بأن هناك انتهاكات يومية مستمرة بعضها جسيمة، لكن الغريب أن المندوب السامي لم يُسمّ إسرائيل مباشرة في نص التقرير كمسؤولة عن خروقات وقف إطلاق النار.
في تقرير مجلس السلام، يعترف ملادينوف أنه يواجه أزمة تمويل ضخمة، إذ تلقى تعهدات مالية بقيمة 17 مليار دولار لإعادة الإعمار، لكن الكلفة الفعلية هي 71.4 مليار دولار. صحيح أن التقرير ذكر زيادة في تدفق المعونات الإنسانية، لكنه شدد على أن الوضع لا يزال كارثياً.
ثمة نقاط حرجة ومفاصل حساسة شملتها إحاطة مجلس السلام، إذ أقر رسمياً بتعثرها أو جمودها، وهي التي تحول من دون الانتقال من المرحلة الأولى "التهدئة والإغاثة الطارئة" إلى المرحلة الثانية "الانسحاب الشامل والإعمار". والنقطة الأكثر إثارة هي معضلة نزع السلاح مقابل الانسحاب، حيث اعتبرت الإحاطة أن تمسك "حماس" بسلاحها هو حجر العثرة الرئيس الذي يرهن الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة الشاملة.
دلائل مجلس السلام
في التقرير الخطي الأول لمجلس السلام في غزة، أفرد ملادينوف شقاً خاصاً لتفكيك ما وصفه رفض "حماس" الالتزام في بنود القرار 2803 الأممي، حيث استند في صياغة هذا الاتهام إلى مجموعة من الحيثيات والوقائع الميدانية التي رصدتها فرق المراقبة الدولية.
وثق مجلس السلام سلسلة من المواقف الرسمية الصادرة عن القيادة السياسية والعسكرية لحركة "حماس"، والتي اعتبرها التقرير رفضاً مبدئياً لجوهر خطة السلام والازدهار وهي التالية: اعتبار نزع السلاح خطاً أحمر، ورفض شرعية التفويض الدولي، واستمرار الأنشطة الهندسية تحت الأرض، والتمسك بالمنظومة الأمنية الموازية.
استند مجلس السلام ليثبت على "حماس" رفضها الالتزام بخطة السلام والازدهار إلى تصريحات علنية، حيث اقتبس عن القائم بأعمال رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خليل الحية قوله، "سلاح المقاومة ليس معروضاً في سوق المقايضة السياسية، ولم ولن يكون جزءاً من أي تفاهمات دولية، والحديث عن نزعه كشرط للإعمار هو ابتزاز لن نقبله".
تعليق ومطالب
في ختام الإحاطة التي قدمت أمام مجلس الأمن الدولي، قال ملادينوف "'حماس' تحاول تفكيك خطة السلام والازدهار عبر قبول الشق الإنساني والمالي، أي الإغاثة وإعادة الإعمار، مع الرفض المطلق للشق الأمني والسياسي الذي يشمل نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي المتزامن. وهذه معادلة مستحيلة تجعل خريطة الطريق في حال شلل حرج".
ويضيف "يجب على الوسطاء الإقليميين الدائمين، مصر وقطر وتركيا، استخدام أوراق ضغطهم السياسية والمالية على قيادة حركة 'حماس'، إجبار الحركة على التراجع عن رفضها المطلق لمناقشة ملف نزع السلاح وتفكيك البنية التحتية العسكرية والقبول بصيغة مرنة للمرحلة الثانية تسمح ببدء تدفق أموال الإعمار".
موقف "حماس"
بعد صدور التقرير الأممي الذي يتهم "حماس" مباشرة بأنها السبب في تأخير خطة السلام والازدهار، شهدت الأروقة السياسية مواجهة حادة، حيث قدمت الحركة تفنيداً كاملاً لسردية مجلس السلام، وقلبت "حماس" الطاولة على المبعوث الدولي في ملف نزع السلاح، إذ شددت على أن السلاح هو سلاح شرعي كفلته القوانين الدولية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال، وأعلنت أن تصوير التقرير للسلاح الفصائلي كعقبة أمام الإعمار هو "قلب للحقائق".
يقول عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" موسى أبو مرزوق "ربط الإعمار بنزع السلاح هو ابتزاز إنساني، اشتراط تفكيك البنية العسكرية للبدء في مرحلة الإعمار يمثل جريمة عقاب جماعي واشتراطاً غير أخلاقي، حيث يقايض حق السكان الطبيعي في السكن والحياة بتجريدهم من أدوات الدفاع عن أنفسهم".
ويضيف أبو مرزوق "طالبنا بأن يجري الاعتماد على الأجهزة الأمنية المحلية القائمة بعد إعادة هيكلتها وتطعيمها بجهود وطنية، بدلاً من استقدام قوى خارجية لتأمين الممرات والمستودعات الإنسانية. نحن لا نعارض إدارة حكومة تكنوقراط انتقالية للشؤون المدنية، لكننا نرفض شطب الحقوق القانونية والمعيشية لقرابة 40 إلى 50 ألف موظف أداروا القطاع طوال العقدين الماضيين".
تحاول "حماس" أن تجد حداً فاصلاً بين تقرير مجلس السلام الذي قدم لمجلس الأمن، والقراءة الميدانية في غزة، إذ ترفض "حماس" استخدام لغة التقرير الدولي لشرعنة شروط إسرائيل، وتتمسك بالفصل الكامل بين الملف الإنساني والملف الأمني الخاضع لموازين القوى والتوافق الداخلي.
يقول مسؤول ملف المفاوضات في حركة "حماس" خليل الحية "تقرير المبعوث الدولي نيكولاي ملادينوف أمام مجلس الأمن يعكس انحيازاً فاضحاً وتبنياً كاملاً للرواية الإسرائيلية. المجتمع الدولي يمارس عملية تعمية سياسية وتجهيلاً متعمداً للفاعل، فكيف يوثق التقرير مقتل أكثر من 850 من أبناء شعبنا خلال أشهر التهدئة السبعة، ثم يعجز عن تسمية جيش الاحتلال صراحة باعتباره المسؤول عن هذه المجازر والخروق الجسيمة؟".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
رؤية تحليلية
بسبب تقرير مجلس السلام، يقف قطاع غزة على شفا مرحلة انتقالية حرجة، يقول الباحث السياسي أدهم النشار "في هندسة النزاع داخل قطاع غزة، نحن لا نواجه مجرد خلاف بيروقراطي على المعابر أو سجلات البلديات، بل نحن أمام صدام بنيوي وجذري بين رؤيتين متناقضتين تماماً لمفهوم الاستقرار وتسوية ما بعد الحرب".
ويضيف "المجتمع الدولي يتبنى مقاربة الأمن مقابل البناء والاعتراف، فهو يرى أن تفكيك البنية العسكرية للفصائل هو الشرط التأسيسي والوحيد لإقناع المانحين بضخ الـ71.4 مليار دولار ولإجبار إسرائيل على الانسحاب الكامل. في المقابل، تقرأ حركة 'حماس' هذه الآلية كصيغة استسلام ناعمة وابتزاز اقتصادي يقايض الحاجات الإنسانية البيولوجية للسكان بسلاح المقاومة، وهو ما تراه الحركة انتحاراً سياسياً وميدانياً".
ويوضح أنه بناءً على هذا الاستعصاء، يمكننا رسم ثلاثة سيناريوهات تتجه إليها الأمور في القطاع، الأول الجمود الممتد وتآكل الهدنة. وفي هذا السيناريو لن يمتلك أي طرف القدرة على فرض شروطه بالكامل، النتيجة الميدانية هي بقاء غزة في حال إنعاش موقت مع استمرار العيش في الخيام لنحو مليون مشرد. وهو ما يفرغ الهدنة من مضمونها الاقتصادي والاجتماعي ويجعلها قابلة للانفجار عند أي احتكاك ميداني.
أما السيناريو الثاني بحسب النشار فهو هندسة المخارج الوسطى عبر التمكين البلدي الجزئي، بحيث يتحرك الوسطاء لابتكار حلول تقنية خلاقة تجسر الهوة من دون المساس بالملفات السيادية الكبرى في هذه المرحلة، مشيراً إلى أن السيناريو الثالث هو الانفجار وتفعيل تهديدات الجناح العسكري والتعامل مع الطواقم أو القوات الدولية كقوات احتلال بديلة، مما يعني انهيار اتفاق وقف إطلاق النار بالكامل، وعودة العمليات العسكرية.
ترحيب إسرائيلي
حظي التقرير الخطي الأول لمجلس السلام بترحيب إسرائيلي من الناحية الهيكلية، لكنه قوبل بتشكيك صارم وعملي في قدرة الأدوات الأممية الحالية على تنفيذ شروطه الأمنية على الأرض. يقول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "تقرير مجلس السلام يثبت ما أكدناه دائماً، حركة 'حماس' هي العقبة الوحيدة والأساسية أمام الاستقرار والوصول الإنساني في غزة. إسرائيل ترحب بالتقييم الدولي الذي كشف زيف الادعاءات وحمل الفصائل مسؤولية عرقلة خريطة الطريق".
ويضيف "موقفنا حاسم ولا رجعة عنه، لن يسمح بمرور دولار واحد، ولن تدخل شاحنة إسمنت واحدة خارج إطار القرطاسية الإنسانية، ما لم يجر البدء الفوري بتطبيق المرحلة الثانية القائمة على التفكيك الكامل للبنية التحتية العسكرية ونزع سلاح الفصائل، الإعمار مقابل نزع السلاح هو المسطرة الوحيدة للقبول بالانسحاب".