ملخص
على مدار زمن طويل ارتبط موسم الحج في مصر بكثير من الفنون الشعبية احتفالاً بالحجاج مثل الأغاني والأهازيج الشعبية وجداريات الحج التي أصبحت تمثل جزءاً من التراث الثقافي المصري وتحتاج حالياً لجهود للتوثيق باعتبار أغلبها من الفنون الفطرية أو التراث الشفهي المتداول بين الأجيال
مع حلول موسم الحج كل عام وعلى مدار زمن طويل كان يصاحبه أشكال متنوّعة من مظاهر الاحتفال، وتنشط أنواع مختلفة من الفنون، أغلبها تلقائية قادمة من الوجدان الشعبي الذي يعد زيارة النبي أملاً يعيش الناس أعواماً طويلة ساعين لتحقيقه، وعندما تحين اللحظة تتحول إلى فرحة غامرة، إذ استُجيبت الدعوات وتحقق المراد.
احتفاليات كبرى كانت تقام في كل مكان مع استعداد الحجيج المصريين للانتقال إلى مكة تضفي عليها كل منطقة طابعها الخاص وسمات من عاداتها، ومع الوقت تحوّلت إلى صورة من صور التراث الثقافي المصري بصور مختلفة من الفنون تتنوّع ما بين البصرية والسمعية، إضافة إلى الحرف المختلفة التي ترتبط بموسم الحج.
الاحتفاء بالحجاج أخذ أشكالاً متعددة، بداية من التراث الغنائي المصري الخالص، الذي ارتبط بهذه المناسبة، مروراً بالرسوم التي تجمع بين الشعبي والديني، لخروج الحجاج من بلدهم أو قريتهم في "زفة" كانت تعرف بزفة الحاج، إذ يركب الحاج على فرس مزين، وتصاحبها الأغاني الشعبية وزغاريد النساء والأعلام البيضاء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في كتاب "فولكلور الحج: الأغنية الشعبية نموذجاً" لمحمد رجب النجار المتخصص في الأدب الشعبي يصف الكاتب الممارسات الشعبية والفنية التي تصاحب الطقوس الدينية، ومن بينها الحج بالفولكلور الديني للشعوب، ويعرفه بأنه علم يهتم بدراسة التراث الشعبي أو المأثور الجمعي المصاحب لأداء هذا الطقس المقدس وكيفية ممارسة شعائره الاجتماعية في المجتمعات المحلية لكل الأديان الموجودة في هذا المجتمع.
جداريات المنازل
يقول الباحث في التراث الثقافي مصطفى كامل "فنون الحج في مصر تمثل شكلاً من أشكال التراث الثقافي غير المادي، وهي تأخذ أشكالاً متعددة، أبرزها الاحتفالات والغناء والمواكب والجداريات وبعض الحرف، وهي مرتبطة بالمصريين، وتمثل جزءاً من ثقافتهم الممتدة مع الزمن، فمثل هذه الطقوس لها أصول في مصر القديمة، مثل المواكب في الاحتفالات الدينية، والتسجيل على الجدران والأغاني الخاصة بالمناسبات، ومع مرور الزمن اتخذت أشكالاً أخرى في الأعياد الإسلامية والمسيحية على السواء، ويعد موسم الحج واحداً من أهم المواسم التي تبرز فيها فنون مختلفة ترتبط به بصورة وثيقة، الثقافة المصرية في كل العصور لها اهتمام كبير بالاحتفالات المرتبطة بمناسبات دينية مثل الموالد والأعياد وموسم الحج".
ويضيف كامل، "من فنون الحج أيضاً تراث الحكايات الشفهي والمكتوب على السواء، فالرحالة المصريون عندما كانوا يذهبون للحج عند عودتهم كانوا يوثقون ما شاهدوه في الطريق وفي الحرمين الشريفين وكل تفاصيل الرحلة بشكل مكتوب بصورة تشبه مفهوم أدب الرحلات، والحجاج البسطاء من كل أنحاء مصر كانت تجمعهم جلسات حكي مطولة بأهل القرية أو المنطقة لوصف ما فعلوه وما شاهدوه بشكل مطول، كان هذا أمراً ذا أهمية كبرى في عصر لم تكن فيه اتصالات ولا تلفزيون ولا إنترنت، ولا أي وسيلة للتعرف على الثقافات الأخرى غير السمع من أشخاص توجهوا إلى هذه البلاد وعاشوا التجربة بأنفسهم".
جداريات الحج، التي كان يجري رسمها على منازل الحجاج، واحدة من أشهر فنون الحج، وقد كانت سمة أساسية في المناطق الريفية والشعبية، فهي تمثل فناً موسمياً ينشط بالتواكب مع موسم الحج، ويعكس ملامح من الثقافة المحلية للمجتمع مع دمجها بالرموز الدينية الشهيرة مثل الكعبة والمسجد الحرام.
من التجارب التي سعت لتوثيق جداريات الحج هو كتاب صدر في عام 1995 بعنوان "رسومات الحج: فن التعبير المصري عن الرحلة المقدسة" ضمّ صوراً لهذه الجداريات وثقتها المصورة الأميركية آن باركر في رحلاتها لصعيد مصر. وقد أشار الكتاب إلى أنه رغم أن جداريات الحج نشأت وانتشرت في المناطق الريفية فإنها انتقلت إلى المدن مع هجرة قطاعات كبيرة من أبناء الريف للمدينة للعمل، فبدأ ظهور هذه الجداريات في المدن.
وعن ذلك، يقول كامل "من أبرز فنون الحج الجداريات التي توضح ملامح متنوعة من رحلة الحجاج وطرق انتقالهم من مصر إلى مكة والوسائل المختلفة التي تطوّرت مع الزمن، ففي وقت كان الجمل، ولاحقاً البواخر ثم الطائرات، فالجداريات رصدت هذا التغيير الذي دخل على رحلة الحج، ووثقته بالرسوم على جدران منازل الحجاج التي تصبح مميزة عن كل منازل القرية، إذ يعرف كل من يمر عليها أن هذا المنزل به حاج، في الوقت ذاته فإن هذه الجداريات كان يقوم بها فنانون محليون من داخل المجتمع يرسمون بالفطرة، ويقومون بكتابة عبارات مثل (حج مبرور وذنب مغفور) أو آيات من القرآن، وهي تمثل ذاكرة بصرية للحدث، هذه الجداريات اختفت تقريباً، لكن لا يزال لها وجود بسيط في بعض المناطق التي لا تزال متمسكة بالتراث، لكن بصورة محدودة، لأن غرضها كان التوثيق وحالياً يتم بصور أخرى مثل التصوير والفيديوهات".
أغاني الحج
الأغاني المرتبطة بالحج تمثل جزءاً مهماً من تراث فنون الحج في مصر، إذ كانت تمتد إلى أيام تسبق رحيل الحجاج وتصبح طقساً احتفالياً يومياً في بيت الحاج أو الحاجة، وعند عودته واحتفالاً برجوعه سالماً تمتد الاحتفالات التي تصاحب زيارات المهنئين بالعودة، تعرف هذه الأغاني والأهازيج في الثقافة الشعبية المصرية باسم التحنين، وهو تراث شفهي متداول بين الأجيال.
وبينما جاءت بعض أغاني الحج عامة عن الرحلة والشوق لزيارة النبي وطول الطريق وصعوباته اختص بعضها بمخاطبة الرجال مثل الأغنية الشهيرة "هنيالك (هنيئاً لك) يا حاج مكتوبالك يا حاج، هنيالك تزور التهامي مكتوبة على الباب قدامي". وخاطبت بعض الأغنيات النساء مثل الأغنية الشهيرة "رايحة فين يا حاجة يا أم الشال قطيفة... رايحة أزور النبي محمد والكعبة الشريفة، رايحة فين يا حاجة يا أم السبح فضة رايحة أزور النبي محمد ومن زمزم أتوضا". كذلك لم يغب الشباب والشابات عن هذه الأغنيات فإذا كانت الحاجة شابة صغيرة في السن يغنون لها صبية بحنة (تضع الحناء والمقصود عروس متزوجة حديثاً) "نزلت ع الباخرة صبية بحنة.. صبية بحنة مشوقة ع النبي ورايحة بالحنة"، ولو الحاج شاب يقولون "راجل دعاه النبي وصغير يا سيدي.. شاله حرير يا نبي والفتى صعيدي".
يقول الباحث في الثقافة الشعبية محمد شحاتة العمدة، "التحنين هي أغان منغمة ذات إيقاع هادئ تغنيها النساء مع موسم الحج قبل ذهاب الحجاج ووقت عودتهم واستقبالهم، وقد يغنيها الحجاج أنفسهم في خلال رحلة الذهاب والإياب، وغالباً موضوعها الأساس هو الحنين لزيارة الكعبة والشوق لزيارة النبي، ومن جانب آخر حنين العائلة واشتياق أهل الحاج إليه في أثناء فترة سفره، إذ إن الرحلة قديماً كانت تستغرق شهوراً طويلة وبها مشقة كبيرة، تصف بعض هذه الأغاني مناسك الحج وقد تشير إلى صعوبة الطريق ونوعية الوسيلة التي ستقله، التي اختلفت باختلاف الزمن، وقد سُميت أيضاً التحنين، لأن الناس يقومون بالدعاء للحاج قائلين الله يحنن عليك بمعنى يسهّل عليك الصعوبات الكثيرة والمشقة التي ستواجهها في الرحلة، التي لن تمر إلا بمساعدة الله وطلب الدعاء".
ويتابع، "المصريون وأهل الصعيد بصورة خاصة حيث كان هناك وجود كبير لمثل هذه الفنون المرتبطة بالحج كانوا يستعدون لأداء الفريضة قبل موسم الحج بشهور طويلة، لأن الرحلة كانت تطول مدتها وليس مثل الآن، وكان الحجاج يخرجون في موكب احتفالي كبير بالرايات البيضاء، في العصور القديمة كانت رحلة الحج تبدأ بتحرك قوافل من الإبل من قرية الحجاج حتى نقطة ركوب الباخرة على البحر الأحمر، وكان الحجاج يمضون شهوراً حتى يعودوا إلى مصر، لاحقاً أصبحوا يذهبون بالسيارات للموانئ أو المطارات، ويصحبهم أهلهم في موكب كبير بنفس الرايات البيضاء، التي تدل على الخير والبركات التي ستصاحب الحجاج، كما يستقبلونهم بموكب مماثل تصاحبه الاحتفالات والغناء احتفالاً بعودة الحاج سالماً وأداء الفريضة".
ويوضح، "من الطقوس التي كانت معتادة أنه بعد سفر الحجاج ورحيلهم يقوم الأهل بدهان البيوت بألوان زاهية وبيضاء، ويرسمون على جدار المنزل رسومات تعبر عن وسيلة السفر التي يستقلها الحاج، وأيضاً رسم للكعبة المشرفة والمدينة المنورة، ويكتبون فوق الجدار اسم الحاج وزوجته إذا كانت برفقته، وبعض الآيات القرآنية المرتبطة بموسم الحج، فيدلل ذلك على أن هذا المنزل به شخص أدى فريضة الحج، ويعد نوعاً من الاحتفال بالحجاج كما أنه توثيق للحدث".
كيف يمكن الحفاظ على فنون الحج؟
كل هذه الفنون سواء البصرية أو القولية أو الحرف التراثية، التي ارتبطت بها هي جزء من التراث الثقافي المصري، والإبداعات الشعبية التي يقوم بها الناس بالفطرة، ولهذا فإن أغلبها يجري توارثه ونقله شفهياً أو بالممارسة من جيل إلى آخر، ولا توجد أي جهود منظمة لحفظ وصون هذا النوع من التراث الآخذ في الاندثار لأسباب مختلفة بعضها متعلق بالمجتمع واختلاف الظروف والأحوال، لكنها تبقى في النهاية جزءاً من الفلكلور المصري والتجربة الفنية المصرية التي جاءت نتاجاً للبيئة والثقافة والمجتمع.
وفق رؤية محمد شحاتة العمدة، الباحث في الثقافة الشعبية، "لا سبيل للحفاظ على تلك الفنون، سوى عن طريق الجمع والتوثيق وإعادة النشر والإنتاج، كما يحدث في بعض الفنون القولية مثل السير الشعبية وغيرها، قلة أو اختفاء بعض هذه الفنون جاء بسبب متغيرات كثيرة حدثت للمجتمع على المستوى التكنولوجي والثقافي والاجتماعي، تسبب ذلك في القضاء على روح تلك الشعائر، فالأمور أصبحت أكثر يسراً، بسبب سهولة المواصلات، وقلة وقت الرحلة، مما أفقد الأمر شعور الحنين الذي كان يصاحبها باعتبارها لم تعد بنفس المشقة ولا بنفس طول المدة ولا الخطورة".
ويزيد العمدة، "التكنولوجيا حالياً أتاحت نقل الشعائر على الهواء مباشرة في توقيت حدوثها، فالناس في مصر يشاهدون مناسك الحج في منازلهم وقت حدوثها ويتواصلون مع الحجاج بكل وسائل التواصل، فالتجربة بكاملها اختلفت، وفي ما يتعلق بالجداريات فإنها قلت أو لم تعد موجودة نتيجة للتغير في شكل العمارة وطبيعة المنازل في مصر ولم يبق منها سوى ما قام الباحثون بتوثيقه على مدار الأعوام".
حالة النشاط الفني التي كانت تصاحب موسم الحج لها بعد آخر اقتصادي، إذ إنه مثلما يستعد الحاج للسفر بتجهيز متطلباته المختلفة من ملابس الإحرام ومتطلبات الرحلة، فإن هناك حالة من الرواج الفني تنتشر في المجتمع، ويزداد الطلب على الفنانين المحليين المرتبطين بالتراث الشعبي بمختلف أشكاله.
يوضح مصطفى كامل، الباحث في التراث الثقافي، "كان الحج موسماً فنياً واقتصادياً، إذ يعمل الفنانون في مجالات مختلفة وحرف تراثية متعددة، فينشط الطلب عليهم، من بينهم الخطاطون الذين يزينون جدران المنازل بالآيات القرآنية، وبعبارات مثل حج مبرور وذنب مغفور، وبصناع السبح التي كان يزيد الطلب عليها بكثرة في هذا الموسم، وبعض منها يُصنع من عظام الأضاحي، وهي حرفة لا تزال قائمة حتى الآن، وفي الوقت نفسه فإن الاحتفالات بالحجاج التي كانت تستمر ليالي عديدة قبل وبعد الرحلة كان أحياناً يُستقدم فيها المداحون والعازفون على الآلات الشعبية المحلية، مثل الربابة والمزمار البلدي والدفوف، كما قد تصاحبها فنون معينة محلية، مثل التحطيب في الصعيد، كما أن كل الحرف المرتبطة باحتياجات الحجاج ومستلزماتهم كانت تنشط وتلقى رواجاً كبيراً، ففترة الحج كانت موسم رواج اقتصادي لكثير من أصحاب الفنون الشعبية والحرف".
ويتابع، "من أهم فنون الحج التي كانت تشتهر بها مصر هي كسوة الكعبة التي كانت تصنع في مصر وتخرج في موكب احتفالي كبير يعرف بالمحمل حتى تصل إلى مكة، وكانت يميزها النقوش والتطريز بالسيرما بخيوط ذهبية وفضية، وهو فن تراثي تميزت به عائلات مصرية منها من لا تزال تعمل فيه حتى اليوم، لكن بإنتاج قطع فنية مطرزة بالأسلوب وطريقة الحرفة نفسها، وهي قطع فنية ذات قيمة كبيرة، وتعد من أهم الحرف التراثية التي كانت مرتبطة بموسم الحج".