ملخص
افتقرت مؤسسات القطاع الخاص إلى الفاعلية والكفاءة مقارنة بالنمو الذي شهدته نظيراتها في آسيا وأوروبا الشرقية، فضلاً عن الكلفة الاقتصادية التي تكبدها المجتمع، وحرمت البلاد من الثروة والنمو.
احتفلت تونس هذا العام بمرور 70 عاماً على استقلال البلاد، واتبعت الدولة خلال تلك الأعوام الطويلة نموذجاً تنموياً خططت له برامج، نجح القليل منها وظل معظمها في الطريق. وبقيت الفترة الأكثر ألقاً هي العشرية الأولى للاستقلال، وعُرفت بتطبيق نظام التخطيط، والرؤى العشرية، وخطط التنمية الخماسية.
وشهدت البلاد طفرة اقتصادية اعتُبرت تجربة فريدة في الستينيات من القرن الماضي، لكن بحلول نهاية الستينيات بدأ هذا النموذج يفقد زخمه ويكشف عن قصوره.
اصطدمت التنمية بجبل الديون والعجز المزدوج، وبعد مرور عقود تواترت خلالها الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وصولاً إلى ثورة 2011 وما تلاها من أعوام عرفت خلالها البلاد عدم استقرار الحكم، أضحى المنوال الاقتصادي محل نظر وانتقاد من المتخصصين الذين رأوا فيه نموذجاً بالياً يستدعي إعادة الهيكلة والجرأة على التغيير، وفسروا تراجع المؤشرات بالخيارات الخاطئة بعيداً من المعطيات الموضوعية الإقليمية والعالمية.
الريع الذي خلقته الدولة
فسر الاقتصادي الهادي المشري في حديثه لـ"اندبندنت عربية"، ضعف أداء الاقتصاد التونسي منذ عقود بـ"السياسة الحمائية المُفرطة التي كانت مُضللة ومنحرفة عن هدفها الأصلي".
بعدما تمكنت دولة الاستقلال من تحديث الهياكل الزراعية والتجارية، وإنشاء مراكز تنمية بقيادة الشركات العمومية، وتقديم حوافز لإنشاء الشركات الصغيرة والمتوسطة، وإنشاء هياكل دعم في هذا الصدد في الصناعة والزراعة والسياحة، موَّلت البنوك العمومية التي أُنشئت لهذا الغرض تأسيس الشركات بصورة عشوائية، وغالباً ما كانت تأخذ زمام المبادرة بنفسها.
خلقت البلاد طبقة من الرأسماليين بلا رأس مال، وهم يجسدون مؤسسات القطاع الخاص، والإشكال أنهم كانوا يعتمدون كلياً على القطاع المصرفي العمومي، الذي ظل يدعمهم باستمرار، مما أعاق تطورهم.
وكان الهدف هو الاعتماد على الذات في كل شيء، وتطوير الصناعة لتلبية الطلب والحاجات المحلية من خلال تبني نموذج تقليص الواردات.
رافق ذلك تدابير تحفيزية وحماية فعّالة، ظاهرياً لحماية الصناعة الناشئة، لكن كان ذلك بشكل يفوق المطلوب والمعقول، وفي الحقيقة، لا تكون الحماية مُبررة ومُجدية إلا إذا كانت محدودة المدة، وهذا ضروري لمنع نشوء ريع وأرباح احتكارية تُفيد الشركات التي لا تُجبر ولا تُلزم على تبني نهج تنافسي من خلال تحفيز الابتكار.
إن نموذجاً كهذا يُشجع الشركات التي تفتقر إلى القدرة على التصدير، غير قابل للاستمرار على المدى البعيد، ومثل اختيار الدولة لنموذج الإنتاج للسوق المحلية بهدف غلق باب التوريد أحد أهم دوافع كبح النمو، إذ أدى الاعتماد على محرك الاستهلاك فحسب إلى تعمق العجز والمديونية، بحكم تحفيز الاستهلاك للتوريد، مع تزود المصنعين المحليين بـ80 في المئة من المواد الأولية من الخارج.
ودفعت تونس فاتورة إغفال دور التصدير وتنمية القطاع الخاص ليتحصل على التنافسية الخارجية التي تؤهله للتصدير وخلق الثروة وتوسيع الاستثمار، كما يقول المشري.
أما الإشكال التالي فهو هيمنة الدولة بصفة دائمة، بصفتها المُخطط والمُشغّل، على المشهد الإنتاجي، وفق المشري، الذي رأى أن "وجودها المُهيمن لم يكن خياراً أيديولوجياً بقدر ما كان ضرورة فرضتها الظروف، في ظل فراغ القطاع الخاص من مؤسسات كبرى تنافسية تخلق الثروة دون دعم الدولة".
ومع التفكير في التغيير في الخيارات، في بداية سبعينيات القرن الماضي، أصبح الانفتاح على الاستثمار الأجنبي المباشر مطروحاً على جدول الأعمال، لكنه اقتصر على الشركات الخارجية ذات التوجه التصديري البحت، وهو انفتاح محدود حرصاً على عدم الإخلال بـ"راحة" الشركات المحلية المحمية خلف حصن من الإجراءات الحمائية.
وافتقرت مؤسسات القطاع الخاص إلى الفعالية والكفاءة مقارنة بالنمو الذي شهدته نظيراتها في آسيا وأوروبا الشرقية، فضلاً عن الكلفة الاقتصادية التي تكبدها المجتمع، وحرمت البلاد من الثروة والنمو.
تباطؤ الشريك الأساس
في المقابل اعتبر الاقتصادي أن تلك الفترة، وهي السبعينيات، كانت الأفضل، على رغم أزمة النفط عام 1973 التي تسببت في تباطؤ النمو في أوروبا، الشريك الاقتصادي والتجاري والمالي الرئيس، والمستثمر الأجنبي الأول، ومورد السياح، وأكبر أسواق تونس التصديرية بأكثر من 70 في المئة من المبادلات.
وكلف تونس هذا الترابط الواسع مع الاتحاد الأوروبي انخفاضاً طفيفاً في النمو، لكنه لم يُعرقل مسار النمو بصفة كاملة، في الأقل حتى أوائل الثمانينيات.
لكن توقف النمو فجأة تقريباً في الثمانينيات نتيجة الحمائية المفرطة المطولة وأزمة الشريك الأساس، وظلت الأسباب نفسها تُنتج النتائج نفسها: أزمة الديون، والعجز، وأزمة البطالة، وبدايات تراجع الشركات العمومية، وعبء الدعم.
تدخل المانحين
إن قاوم النموذج التنموي المتبع في فترة ما، فقد ورد ذلك بتدخل صندوق النقد الدولي، الذي دعا إلى تقليص دور الدولة، وخفض الدعم، وزيادة الصادرات، وتعزيز آليات السوق، وشفافية أكبر، وفق المشري، الذي انتقد ما أبدته الدولة من تظاهر بالموافقة بينما مارست تردداً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وإن استفادت البلاد من الثقة واستعادت النمو والتوازنات المالية، فإن الحاجة إلى تغيير النموذج التنموي ما فتئت تبدو أكثر وضوحاً، وظهرت أولى علامات انهيار النموذج في عامي 2004 و2005، ولم تُجنب التعديلات الطفيفة العديدة الاقتصاد الانهيار الذي حدث في ديسمبر (كانون الأول) 2010 ويناير (كانون الثاني) 2011.
ماذا عن الحوكمة؟
النتيجة اليوم أن تونس تدفع الآن ثمن امتناعها عن الانفتاح ودفع مؤسساتها إلى السوق لاكتساب القوة عن طريق المنافسة، وتعجز في المقابل عن حل إشكال الحوكمة.
وبعدما أضحى القطاع العمومي غير قادر على قيادة التنمية، لا يزال التردد قائماً في تونس لتوزيع المهام بين القطاعين العام والخاص، والتأسيس لشراكة مثمرة بينهما.
وذكر المشري أن الحلول تمر من هناك، فالدولة تتولى الخدمات العمومية على غرار النقل والصحة والتعليم، في حين يضطلع القطاع الخاص بالإنتاج، لكن تونس تشكو من عدم الحسم في هذه المسألة، وهي الحوكمة.
في الأثناء، فقدت تونس المكاسب التي حققتها في العقود الماضية، وخسرت أسواقها انطلاقاً من الفوسفات والنسيج وصولاً إلى السياحة، مروراً بالخدمات.
واستولى المنافسون اليوم على الأسواق التي أمضت تونس أكثر من 40 سنة في بنائها، والنتيجة هي شبه توقف للنمو، بمؤشرات تراوح ما بين 1 و2.5 في المئة، مع نسب بطالة معلنة في حدود 16 في المئة، لكنها في الواقع تتجاوز 38 في المئة لدى الإطارات. ويحتم القضاء على البطالة تسجيل نسبة نمو تراوح ما بين 6 و7 في المئة، وفق المشري.
بينما اعتبر المتخصص في الشأن الاقتصادي محمد قنطارة مراجعة المنوال الاقتصادي في تونس، والتأسيس لهيكل جديد، ضرورة قصوى، بشرط الأخذ بكل وسائل الإنتاج الجديدة والمبتكرة.
وانتقد قنطارة وسائل الدفع، داعياً إلى تطويرها واعتماد وسائل التكنولوجيا المالية لإدارة الشأن المالي، إضافة إلى استغلال فرص الاستثمار ووسائل الإنتاج والتنمية المستحدثة، وعلى رأسها الطاقات المتجددة، كذلك توسيع نطاق الشراكات والاتجاه جنوباً نحو أفريقيا جنوب الصحراء، مستقبل العالم، عن طريق الاستثمار المباشر من قبل المؤسسات التونسية.