Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

آباء وأبناء ما قبل وما بعد الفضاء الرقمي

تبدو الأسرة العالمية اليوم كمن تمشي فوق جسر طويل بين عصرين

الجيل المخضرم رقمياً هو ذلك الجيل الذي تكوّن وعيه الأول قبل أن يصبح الاتصال الدائم جزءاً من الحياة اليومية (بيكسلز)

ملخص

لم تعد الفجوة بين الآباء والأبناء محصورة في اختلاف الطباع أو طرق التربية، بل تبدو اليوم مرتبطة بتحول أعمق في معنى الحضور والانتظار والذاكرة والخصوصية. فالجيل المخضرم رقمياً يتذكر زمناً كان فيه الهاتف ثابتاً، والصورة نادرة، والمعلومة تحتاج إلى بحث وانتظار. أما الجيل الرقمي فقد نشأ في عالم الاتصال المستمر.

تبدأ الملاحظة من مشهد أب وأم وابن وابنة في غرفة واحدة، أو حول مائدة واحدة، لكن كلاً منهم يبدو أحياناً كأنه يقيم في زمن مختلف. المكان مشترك، لكن الانتباه موزع على العوالم المتعددة.

في البيت المعاصر، هناك جيل يتذكر زمناً كان فيه الهاتف ثابتاً في زاوية البيت، وكانت الرسالة تصل بالبريد، وكانت الصورة حدثاً عائلياً لا يتكرر دائماً، وهناك جيل وُلد في عالم لا يعرف الثبات، ولا تعرف فيه الصورة هدوءاً بينما المعلومة موجودة في كل مكان. حتى ليبدو الأمر وكأنه اختلاف في تفسير معنى الزمن والوقت والمكان بين الجيلين المتجاورين في المنازل الأسرية المعاصرة.

الجيل المخضرم رقمياً هو ذلك الجيل الذي تكوّن وعيه الأول قبل أن يصبح الاتصال الدائم جزءاً من الحياة اليومية، حين كان العالم قابلاً للعيش من دون إنترنت.

أما الجيل الرقمي، فقد لا يرى في ذلك العالم رومانسية مفقودة، بل نقصاً في الوسائل. كيف كان الناس يعرفون الطريق من دون "جي بي أس" (GPS)؟ وكيف كانوا يتأكدون من معلومة أو لا يجدون سبيلاً إلى معرفتها؟ فالجيل المخضرم عاش مع الجهل الجزئي كحالة طبيعية، أما الابن الرقمي، فإن أدواته الرقمية هي طريق إلى الأصدقاء، ومرآة للذات ومخزن للصور ودفتر أسرار ومهرب من الملل، وساحة اعتراف اجتماعي، وربما مكان ألم وخوف أيضاً. حين يقول الأب لابنه "اترك الهاتف"، فقد يسمع الابن ما يعني: اترك عالمك.

في استطلاع لمركز "بيو" الأميركي نُشر في ديسمبر (كانون الأول) 2024، قال نحو نصف المراهقين الأميركيين إنهم متصلون بالإنترنت "بشكل شبه دائم". أو في حالة اتصال مستمرة بالشبكة. وفي تعليق باحثين في علم النفس على مثل هذه النتائج، يرون أن الجيل المخضرم أو جيل الآباء والأجداد يعرف أن الواقع كان له وزن أكبر من صورته، بينما يعيش الجيل الرقمي في عالم لا يكتمل فيه الحدث أحياناً إلا إذا صُوّر أو أُرسل أو عُلق عليه أو حُفظ في ذاكرة الجهاز.

هنا يتغير معنى القلق داخل الأسرة. الأب الذي عاش زمن الهاتف الأرضي قد لا يفهم لماذا يغضب ابنه لأن صديقه لم يرد خلال 10 دقائق. الابن من جهته لا يفهم كيف يمكن للأب أن يقول له ببساطة: سيرد لاحقاً. بالنسبة إلى الأب، التأخر جزء من الحياة. بالنسبة إلى الابن، قد يعني التأخر تجاهلاً أو رفضاً أو عقاباً أو نهاية صداقة.

 

التأثيرات البيولوجية

توصي جمعية علم النفس الأميركية، في إرشاداتها حول استخدام المراهقين لوسائل التواصل، بألا يُنظر إلى هذا الاستخدام ككتلة واحدة، بل بحسب العمر والنضج ونوع المحتوى والسياق الأسري والاجتماعي. كما تنبه إلى أهمية ألا يتداخل الاستخدام مع النوم والنشاط البدني.

جاءت الذاكرة الرقمية وغيّرت وظيفة التذكر. لم يعد الإنسان مضطراً إلى حفظ الرقم لأنه موجود في الهاتف، ولا إلى حفظ الطريق لأن الخريطة تقوده، ولا إلى تذكر عيد الميلاد لأن التطبيق يذكره، ولا إلى حمل الألبوم لأن آلاف الصور في جيبه. هكذا انتقلت الذاكرة جزئياً إلى الخارج.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حين تخرج الذاكرة من الرأس إلى الجهاز، لا نخسر الحفظ فقط، بل يتغير نوع العلاقة مع الماضي. الصورة القديمة في ألبوم ورقي كانت قليلة، مختارة، تُلمس باليد، وتتقادم مادياً. أما الصورة الرقمية فهي كثيرة، متراكمة، قابلة للحذف والنسخ والضياع في فائضها.

لكن هذه النظرة لا تعود محايدة حين تختصر الأبناء في كلمة "مدمنين" أو "سطحيين". هؤلاء الأبناء يعيشون تحت نظرة جمهور غير واضح. صورة واحدة يمكن أن تحكم. تعليق واحد يمكن أن يجرح. استبعاد من مجموعة قد يتحول إلى عزلة. مقارنة مستمرة بحيوات مصقولة قد تصنع شعوراً دائماً بالنقص.

العائلة قبل الفضاء الرقمي وبعده

لنتخيل بيتاً من ثمانينيات القرن الـ20 أو ما قبلها قليلاً. ليس بيتاً مثالياً، بل بيتاً عادياً. التلفزيون في مكان واضح. الهاتف، إن وجِد، ثابت في مكانه. الصور قليلة. الرسائل قليلة. الخروج من البيت حدث له معنى. عودة الابن من المدرسة تعني أنه خرج من مجال ودخل آخر. الشارع له وقت، والبيت له وقت، والنوم غالباً يقطع اليوم ولا يواصله عبر شاشة مضاءة.

في تلك العائلة، كانت السلطة أكثر وضوحاً، وأحياناً أكثر قسوة. الأب أو الأم يستطيعان نسبياً معرفة أين ذهب الابن، ومع من، ومتى عاد. المدرسة تعرف الأسرة أو تزعم ذلك. الجيران جزء من الرقابة. العيب الاجتماعي يعمل كشرطة غير رسمية. لم يكن الحوار دائماً قيمة كبرى. كان هناك أمر وطاعة، أو تمرد صامت، لكن تلك العائلة كانت تملك شيئاً افتقدته العائلة الرقمية: وضوح الحدود. الخطر في الخارج غالباً. الرفيق معروف أو يمكن معرفته. الكتاب في الحقيبة. الصورة في الألبوم. أما اليوم، فقد صار السر بلا مكان واضح: تطبيق مخفي، محادثة محذوفة، حساب ثان، لعبة، مجموعة، أو صورة عابرة.

ومع ذلك، اكتسبت العائلة بعد الفضاء الرقمي قدرات لم تكن تملكها.

العائلات المهاجرة صارت ترى أبناءها بالصوت والصورة. الأقارب المتفرقون في الحروب والأزمات صاروا يطمئنون إلى بعضهم. الأم تستطيع أن تتعلم عن مرض طفلها وكيفية معالجته. الأب يستطيع أن يجد عملاً. الابن يستطيع أن يتعلم لغة أو مهارة من غرفة صغيرة. الابنة تستطيع أن تجد صوتاً معرفياً خارج حدود بيئتها. في مجتمعات كثيرة، لم يكن الفضاء الرقمي رفاهية، بل كوة هواء.

هكذا تبدو الأسرة العالمية اليوم كمن تمشي فوق جسر طويل بين عصرين. خلفها بيت قديم لا يمكن العودة إليه كما كان، وأمامها بيت جديد لم تتعلم قوانينه بعد. لا تستطيع أن تطرد الإنترنت من الحياة، ولا تستطيع أن تتركه يعيد تشكيل أبنائها وحده. لا تستطيع أن تكتفي بسلطة الماضي، ولا أن تستسلم لحاضر بلا حدود. هي مطالبة بأن تخترع، تحت الضغط، عقداً عائلياً جديداً، لا يطرد الشاشة من البيت، ولا يتركها تربي أبناءه وحدها.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات