ملخص
على رغم استمرار الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز، بقيت أسعار النفط قرب 100 دولار للبرميل من دون قفزات حادة، وأسهم ارتفاع صادرات الولايات المتحدة ومنتجين آخرين، فضلاً عن تراجع الطلب العالمي والسحب من المخزونات، في تجنب صدمة نفطية واسعة.
تقترب الحرب على إيران من نهاية شهرها الثالث الآن، ومع ذلك تظل أسعار النفط في نطاق 100 – 110 دولارات للبرميل لخام برنت القياسي، مع تذبذب متكرر دون حاجز 100 دولار أو فوقه مع كل خبر عن المفاوضات أو الهدنة.
ولم تتحقق حتى الآن مخاوف الأسواق والمحللين من ارتفاع أسعار النفط إلى معدلات عالية نحو 150 أو 200 دولار للبرميل بفضل عوامل عدة.
ولم تصل أسعار النفط حتى إلى المستوى الذي وصلت إليه عند اندلاع حرب أوكرانيا وفرض العقوبات على روسيا عام 2022، حين دارت حول 130 دولاراً لبرميل خام برنت، على رغم الحرب الحالية وإغلاق مضيق هرمز الذي يعني غياب قدر كبير من نفط الخليج الذي يمثل خُمس الصادرات النفطية العالمية (نسبة 20 في المئة).
ونشرت مجلة "ذا إيكونوميست" هذا الأسبوع تقريراً حول أسباب عدم حدوث "صدمة نفطية" عالمية حتى الآن، على رغم استمرار التوتر في الشرق الأوسط واستمرار الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز.
والسبب الأول الذي أشار إليه تحليل المجلة، ما يُشاع عنه "العامل النفسي"، إذ يزيد تفاؤل المتعاملين في أسواق الطاقة مع كل تصريح حول إمكان التوصل إلى اتفاق بين أميركا وإيران ينهي الحرب، على رغم أن إغلاق مضيق هرمز المستمر يعني غياب نحو 14 مليون برميل يومياً من النفط، أي نسبة 14 في المئة من الإنتاج العالمي.
هدوء سوق العقود الآجلة
وحتى لو فُتح مضيق هرمز غداً وعاد النفط ومشتقاته للانسياب عبر الخليج، فإن المعروض العالمي سيظل يعاني نقصاً بنحو مليوني برميل يومياً، لكن كلما صرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقرب التوصل إلى صفقة، يعدل تجار النفط أسعار العقود الآجلة.
المقياس لسوق العقود الآجلة للنفط هو "العقود الشهرية" التي تعني وضع سعر للنفط الذي سيُحمَّل على الناقلات في غضون شهرين.
حتى سوق البيع الفوري للنفط شهدت هدوءاً أيضاً، ففي مطلع الشهر الماضي كان سعر البيع الفوري يزيد بمقدار 25 دولاراً للبرميل على سعر العقود الآجلة، أما الآن فقد تقلص ذلك الفارق كثيراً إلى بضعة دولارات.
وبحسب تحليل المجلة، فإن المؤشرات تدل على أن الذعر الذي ساد الأسواق قبل شهرين بدأ يهدأ ويتراجع، والعامل الأهم هو زيادة الإنتاج من الدول خارج منطقة الخليج.
وعلى سبيل المثال، صدرت كندا خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة نفطاً ومشتقات بزيادة 400 ألف برميل يومياً على معدلات الفترة ذاتها العام الماضي، ورفعت فنزويلا والنرويج صادراتهما النفطية بمقدار 200 ألف برميل يومياً لكل منهما في تلك الفترة.
كذلك زادت البرازيل صادراتها النفطية بمقدار 100 ألف برميل يومياً، أما الزيادة الأكبر فكانت من الولايات المتحدة التي رفعت صادراتها النفطية بمقدار 3.8 مليون برميل يومياً خلال الشهر الأخير، بحسب بيانات وأرقام شركة "فورتكس" لمتابعة الشحن البحري، بالتالي وصلت الصادرات النفطية الأميركية إلى أعلى معدل لها على الإطلاق لتبلغ 9 ملايين برميل يومياً.
الصادرات الأميركية وتراجع الطلب
كانت أميركا قبل الحرب تصدر النفط بمعدل 4 ملايين برميل يومياً تقريباً، مما جعلها بين مصاف كبار مصدري النفط في العالم، إلا أن صادراتها أخذت في الزيادة منذ بدء الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط.
وتطلب الوصول إلى معدلات التصدير الحالية غير المسبوقة بعض الوقت، إذ يحتاج الأمر، فضلاً عن إنتاج مزيد من النفط للتصدير أو السحب من المخزون، إلى توقيع عقود البيع وحجز خطوط الأنابيب وخلط أنواع النفط بالمزيج المطلوب للتصدير.
وزادت معدلات شحن النفط عبر الأطلسي إلى آسيا وأوروبا في مارس (آذار) الماضي بهدف آخر، وهو جذب مزيد من الناقلات إلى ذلك الخط الملاحي. ولإغراء المشترين أكثر، زاد الخصم في سعر مزيج غرب تكساس (النفط الأميركي الخفيف) مقابل سعر برنت القياسي ليصل إلى مستويات قياسية.
وطبقاً لكثير من التقديرات، فإن زيادة الصادرات من المنتجين خارج منطقة الخليج قلصت فجوة المعروض وإمدادات النفط أكثر من 6 ملايين برميل يومياً إلى 8 ملايين برميل يومياً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومقابل تخفيف حدة نقص المعروض، شهدت الأسابيع الأربعة الأخيرة أيضاً تراجعاً في استيراد الدول والمناطق المستهلكة للنفط.
وانخفض استيراد تلك الدول والمناطق خلال الشهر المنتهي في الـ10 من مايو (أيار) الجاري بمقدار 11 مليون برميل يومياً، مما ترك فائضاً معروضاً في السوق العالمية يكفي لتجنب أية صدمة إمدادات نفطية محتملة.
وهوت واردات الصين وحدها من النفط بمقدار 6.6 مليون برميل يومياً، بل إن بعض المصافي في الصين أعادت بيع بعض الشحنات من غرب أفريقيا وغيرها التي تعاقدت عليها لمشترين آخرين في آسيا.
ومن المحتمل أن يكون بعض ذلك التراجع في واردات المصافي مرتبطاً بموسم الصيانة الذي تتوقف فيه لفترة، لكن بصورة عامة، فإن تدني الاستهلاك يعني تدهور الطلب، مما يثير قلق الأسواق.
ويتضح ذلك من خفض مصافي النفط في آسيا وأوروبا إنتاجها من المكررات نحو 4 ملايين برميل يومياً، مما أدى إلى ارتفاع أسعار مشتقات مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات بما بين 60 و120 في المئة. كما أن كثيراً من مصانع البتروكيماويات التي تعاني نقصاً في إمدادات النافتا، وهي مكون أساس في إنتاج البلاستيك، تعمل بأقل من طاقتها الإنتاجية.
اختلال موقت
يرى معلقون واقتصاديون كثر أن الاختلال في معادلة العرض والطلب أمر موقت مرهون بظروف الصراع الحالي في الشرق الأوسط واضطراب الإمدادات من الخليج عبر مضيق هرمز، بالتالي فإن الطلب يمكن أن يتحسن بعد الحرب وعودة صادرات دول الخليج للسوق.
وتضع غالبية التقديرات انخفاض الطلب العالمي على النفط عند أقل من 5 ملايين برميل يومياً، ويرى معظم المحللين في السوق أن هذا التراجع في الاستيراد لا يعكس "الاستغناء" عن النفط، وإنما يعني أكثر إجراءات تحوط وحذر، فبعض المستوردين يعتقدون بأن مضيق هرمز سيفتح قريباً، فيؤجلون الشراء حتى تنزل الأسعار، والنتيجة هي أن هناك فائضاً معقولاً من العرض في السوق.
يضاف إلى ذلك أن السحب من المخزون بالمعدلات الحالية يعني أن الدول المستهلكة للطاقة ستحتاج إلى ملء تلك المخزونات مجدداً، مما يعني ارتفاع الطلب أكثر من معدلات الاستهلاك العالمي.
ويرى مارتن راتس من بنك "مورغان ستانلي" أن معظم "النفط المخزون جرى السحب منه، مما عوض نقص المعروض".
على سبيل المثال، لدى الصين مخزونات نفطية بنحو 1.2 مليار برميل، بالتالي فإن السحب منها قد يبقي الواردات منخفضة حتى نهاية العام الحالي 2026.
إلا أن المحلل في شركة بيانات السلع "سبارطة كوموديتيز" نيل كروسبي يرى أن الصينيين "لا يريدون سحب المخزون كله هذا العام"، إذ سيعني ذلك زيادة استيراد الصين بقوة في ما بعد.
وبحسب تقديرات شركة "كبلر"، فإن الصادرات الأميركية تتجه إلى التراجع وليس إلى الزيادة، فمع نهاية موسم الصيانة لمصافي الصين، هناك 500 ألف برميل يومياً مخصصة للتصدير ستتوافر في السوق، فضلاً عن أن مخزونات أميركا من مشتقات البترول تنخفض بمعدلات غير مسبوقة، مما يرفع أسعار الوقود في محطات البنزين، ولا يمكن لهذا الأمر أن يستمر حتى يصعد سعر البنزين فوق خمسة دولارات للغالون.