Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كوريا الشمالية قوة أمر واقع

لماذا نحتاج إلى سلام بارد مع بيونغ يانغ

بعد أكثر من ثلاثة عقود، تجاوزت كوريا الشمالية حتى أكثر التقديرات تشاؤماً بشأن برنامجها النووي (دييغو مالو/فورين أفيرز)

ملخص

بعد أكثر من ثلاثة عقود من السعي الأميركي لنزع سلاح كوريا الشمالية النووي، يظهر الواقع فشل هذه الاستراتيجية في ظل إصرار بيونغ يانغ على تعزيز ترسانتها وتطوير قدراتها الصاروخية. ومع تصاعد التهديد وتنامي علاقاتها مع روسيا والصين، يدعو النص إلى التخلي عن هدف "نزع السلاح" كشرط مسبق، واستبداله بنهج واقعي قائم على "سلام بارد" يجمع بين الردع والحوار وضبط التسلح، بهدف احتواء المخاطر النووية وتقليل احتمالات التصعيد.

في أوائل التسعينيات، وحتى قبل أن تمتلك كوريا الشمالية أي قنابل نووية، بدأت الولايات المتحدة تدرك أنها قد تكون التهديد النووي التالي في العالم. آنذاك، لم يكن لدى بيونغ يانغ سوى كمية محدودة من مواد انشطارية تكفي لصنع قنبلة بدائية أو اثنتين. كما افتقرت إلى وسائل الإيصال القادرة على بلوغ الأراضي الأميركية، ولم تُجر أول تجربة نووية لها إلا بعد ذلك بأكثر من 15 عاماً. ومع ذلك، أدرك مسؤولون حكوميون ومراقبون صحافيون أن كوريا الشمالية ماضية في طريق امتلاك السلاح النووي، وأنها مرشحة لتكون مصدر قلق وعدم استقرار إقليمي.

بعد ثلاثة عقود ونصف، تجاوزت كوريا الشمالية حتى أكثر التقديرات تشاؤماً بشأن برنامجها النووي. فقد راكمت نحو 50 قنبلة نووية، وكونت مخزوناً من البلوتونيوم واليورانيوم عالي التخصيب يكفي لصنع ما بين 40 و50 قنبلة إضافية. وطورت قرابة 20 وسيلة إيصال، من بينها صواريخ باليستية عابرة للقارات قادرة على بلوغ الولايات المتحدة. كما تعمل على تطوير صواريخ تُطلق من غواصات نووية، ما يعزز قدرتها على الرد حتى في حال تعرضها لهجوم أول. وأجرت بيونغ يانغ ست تجارب نووية وأكثر من 300 اختبار على أنظمة الإطلاق المختلفة. ويسعى الزعيم كيم جونغ أون إلى بناء ترسانة نووية حديثة بحجم ترسانتي فرنسا أو بريطانيا، وكلتاهما تمتلك أكثر من 200 سلاح نووي، وهو يمضي قدماً في هذا الهدف. وفي مقابل دعمها لروسيا في حرب أوكرانيا عبر إرسال آلاف الجنود وملايين الذخائر ومئات الصواريخ، تحصل بيونغ يانغ على مساعدة موسكو لتجاوز العوائق التقنية التي تعترض طموحاتها النووية.

منذ بروز هذا التهديد في التسعينيات، قامت استراتيجية الولايات المتحدة تجاه كوريا الشمالية، عبر سبع إدارات رئاسية، على هدف منع الانتشار النووي، أو ما بات يُعرف بـ"سيفيد" (CVID) أي "النزع الكامل والقابل للتحقق ولا رجعة فيه". وكرر المفاوضون الأميركيون عبارة ثابتة: "مع نزع السلاح النووي يصبح كل شيء ممكناً، ومن دونه لا شيء ممكناً". واعتمدت واشنطن أسلوب الحوافز التدريجية، مثل مساعدات الغذاء والطاقة، مقابل خطوات محدودة من جانب بيونغ يانغ، كتعليق تشغيل منشآت نووية أو الكشف عن مخزوناتها. كما لجأت إلى العقوبات الاقتصادية لإجبار كوريا الشمالية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والضغط عليها للامتثال لاتفاقيات عدم الانتشار النووي.

غير أن حجم وتعقيد الترسانة النووية الكورية الشمالية اليوم يظهران فشل هذه المقاربات. فإضافة إلى عدم ثبات السياسات الأميركية وتراجع الاهتمام بملف كوريا الشمالية وسط أزمات عالمية أخرى، واجهت واشنطن صعوبات في تنفيذ الاتفاقات بسبب غياب الالتزام لدى الطرفين. كما أن الانقسامات السياسية الداخلية الأميركية أعادت إطلاق مسار التفاوض مع كل إدارة جديدة، في حين واصلت بيونغ يانغ تطوير برامجها والتراجع عن تعهداتها. ويعود جانب كبير من هذا الفشل إلى انعدام الثقة المتجذر منذ الحرب الكورية، وهو ما جعل كبح الطموحات النووية أمراً بالغ الصعوبة. كذلك، أدى التركيز الأحادي على ملف الانتشار النووي إلى إهمال قضايا أخرى داخل كوريا كان يمكن التفاوض حولها، مثل تقليص الجيش التقليدي أو تحسين حقوق الإنسان. أما العقوبات الاقتصادية، فلم تُضعف البرنامج النووي، بل عززت تشدد القيادة الكورية الشمالية.

لا تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في النهج ذاته، لأن ذلك لن يؤدي إلا إلى تعميق الإخفاق. كما لا يمكنها الوقوف موقف المتفرج، إذ باتت ترسانة كوريا الشمالية قادرة على تهديد الأراضي الأميركية، إلى جانب دورها المتزايد في دعم خصوم واشنطن، كما يحدث في أوكرانيا. والتحدي اليوم بات أكثر تعقيداً، في ظل علاقات تجارية منتعشة ومتزايدة لبيونغ يانغ مع الصين وروسيا، واكتسابها خبرات قتالية وتقنية من الحرب الأوكرانية. بالنتيجة، فقد أصبحت كوريا الشمالية في وضع أقوى بكثير مما كانت عليه عام 2019، وهو آخر مرة التقى فيها الرئيس الأميركي دونالد ترمب وكيم للتفاوض.

لا يعني ذلك التخلي عن هدف نزع السلاح النووي، لكنه بات هدفاً بعيد المنال في المدى المنظور. وعليه، تحتاج واشنطن إلى استراتيجية جديدة تفصل بين الهدف الطويل الأمد والاحتياجات الأمنية العاجلة، مثل حماية الأراضي الأميركية، وتقليل عدد الخصوم، وخفض احتمال لجوء كوريا الشمالية إلى الاستخدام الاستباقي للسلاح النووي، وتقليص التعاون بينها وبين بكين وموسكو. وبدلاً من اشتراط نزع السلاح لبدء أي حوار، يمكن فتح قنوات تفاوض حول الحد من التسلح، وضبط الاختبارات النووية وإنتاج الصواريخ، وإدارة الأزمات، ومنع نقل التكنولوجيا النووية. كما ينبغي تعزيز الردع مع الحلفاء الإقليميين لدعم هذا التوجه.

بعبارة أخرى، تحتاج الولايات المتحدة إلى "سلام بارد" مع كوريا الشمالية، أي علاقة دون مستوى التطبيع، لكنها قائمة على الحوار لتجنب سوء التقدير والتصعيد. فالعالم سيكون أكثر أماناً إذا تخلت بيونغ يانغ عن سلاحها النووي، لكن هذا الهدف ليس في متناول اليد. والاستمرار في التعامل معه كأمر ممكن تحقيقه حالياً قد يضر بالأمن الدولي. لذا، يتعين على واشنطن إعادة صياغة استراتيجيتها بما يحقق مكاسب واقعية، ويخفض التوتر، ويجعل العالم أكثر أماناً في الوقت الراهن.

لن نتخلى أبداً

الحقيقة التي لا يمكن إنكارها وراء نجاح كوريا الشمالية في امتلاك السلاح النووي بسيطة وواضحة: ثلاثة زعماء متعاقبين - كيم إيل سونغ، ثم كيم جونغ إيل، وصولاً إلى كيم جونغ أون - كانوا مصممين على بناء ترسانة نووية مهما كان الثمن. لم تكن نية بيونغ يانغ يوماً التخلي عن هذا السلاح، بغض النظر عن الاتفاقات التي وقعتها وأوحت بخلاف ذلك.

في عام 2006، حين كنت نائب رئيس الوفد الأميركي في المحادثات السداسية في بكين لنزع السلاح النووي، قال لي أحد المفاوضين الكوريين الشماليين بوضوح: "لن نتخلى أبداً عن أسلحتنا النووية". وبرر ذلك بأن الولايات المتحدة هاجمت أفغانستان والعراق لأنهما لم يمتلكا هذا السلاح، مؤكداً أن بلاده لن تخاطر بالمصير نفسه.

أدرك كيم إيل سونغ، مؤسس الدولة الكورية الشمالية، قوة السلاح النووي في وقت مبكر، عام 1945، عندما شاهد، وهو مقاتل في جبال منشوريا، كيف أنهت القنابل الذرية التي ألقتها الولايات المتحدة على هيروشيما وناغازاكي الاحتلال الياباني لشبه الجزيرة الكورية. وبعد وصوله إلى الحكم، وقع اتفاق تعاون نووي مع الاتحاد السوفياتي عام 1959، وسعى لدى الزعيم الصيني ماو تسي تونغ للحصول على سلاح نووي عقب نجاح بكين في اختباره عام 1964، لكن طلبه قوبل بالرفض.

وفي العام التالي، بدأ كيم بتشغيل مفاعل بحثي تجريبي صغير زوّده به الاتحاد السوفياتي. ووفقاً لصور الأقمار الصناعية التي رفعت عنها السرية من وكالة المخابرات المركزية قام كيم بعد ذلك بتوسيع المشروع - بنطاق أكبر بكثير مما هو مطلوب لمفاعل بحثي بسيط - في الموقع الذي سيصبح لاحقاً مجمع يونغبيون الضخم، وهو الموقع النووي الرئيس لكوريا الشمالية. وعلى خلاف الاعتقاد السائد، لم ينشأ البرنامج النووي الكوري الشمالي بعد الحرب الباردة كضمانة أمنية، بل تعود جذوره إلى أكثر من ثلاثة عقود قبل ذلك.

طوال هذه الفترة، واصلت كوريا الشمالية تطوير برنامجها النووي في الخفاء، رغم توقيعها المتكرر اتفاقات لنزع السلاح مع الولايات المتحدة. وكان هذا التوجه الدائم نحو التسلح في صلب كل الأزمات النووية خلال العقود الثلاثة الماضية، بصرف النظر عن اسم الرئيس الأميركي أو النهج المتبع في واشنطن. في عام 1994، طالب الرئيس بيل كلينتون كوريا الشمالية بوقف إنتاج البلوتونيوم للاستخدام العسكري. وعندما مضت بيونغ يانغ في ذلك في كل الأحوال، طرحت الإدارة الأميركية فكرة توجيه ضربة عسكرية لمفاعل يونغبيون. لكن بينما كانت الإدارة الأميركية تدرس خياراتها، لبّى الرئيس الأسبق جيمي كارتر دعوة كيم إيل سونغ لزيارة كوريا الشمالية، فوضع كارتر وكيم الخطوط العريضة لاتفاق أصبح يُعرف باسم "الاتفاق الإطاري"، الذي وُقّع في وقت لاحق من ذلك العام. وبناءً عليه، جمدت كوريا الشمالية نشاط مفاعلها مقابل مساعدات في الطاقة وبناء مفاعلات مدنية. ورغم أن البعض أرجع انهيار الاتفاق عام 2002 إلى متشددين في إدارة جورج بوش الابن أرادوا تخريب نجاح من حقبة كلينتون، إلا أن السبب الفعلي كان سعي بيونغ يانغ سراً إلى تطوير برنامج بديل قائم على اليورانيوم.

في عام 2005، أفضت المحادثات السداسية التي استضافتها الصين وحضرها كل من اليابان وكوريا الشمالية وروسيا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة إلى اتفاق جديد تعهدت فيه الأطراف بتقديم مساعدات واسعة لكوريا الشمالية مقابل تفكيك برنامجها النووي. وتعهدت الدول المشاركة في المحادثات مجدداً بتزويد كوريا الشمالية بالوقود الثقيل ومفاعل الماء الخفيف، فضلاً عن تطبيع العلاقات الدبلوماسية وتقديم المساعدات الاقتصادية وضمانات الأمن الإقليمي، مقابل تجميد بيونغ يانغ لجميع برامجها النووية وتعطيلها وتفكيكها. وبالفعل، أغلقت كوريا الشمالية أجزاء من مفاعل يونغبيون، ودمرت برج التبريد الخاص به، وسلمت، للمرة الأولى، سجلات تشغيل وعينات من المعدات، ما ساعد أجهزة الاستخبارات على فهم نطاق البرنامج. كما خففت الولايات المتحدة جزءاً من العقوبات وأزالت اسم كوريا الشمالية من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

لكن هذا الاتفاق فشل أيضاً، ليس بسبب إصابة كيم جونغ إيل بجلطة مفاجئة عام 2008 أو تعنت إدارة بوش كما يرى بعض المحللين، بل بسبب رفض كوريا الشمالية الكشف الكامل عن مخزونها النووي، ودعمها لجهود سوريا لبناء مفاعل نووي سراً، وإصرارها على إخفاء تقدمها في برنامج تخصيب اليورانيوم، الذي اعترفت بإتمامه علناً عام 2009 بعد سنوات من الإنكار.

وفي أواخر فبراير (شباط) 2012، توصلت إدارة أوباما إلى اتفاق عُرف بـ"اتفاق يوم الكبيسة"، تعهدت خلاله واشنطن بتقديم مساعدات غذائية ودعم إنساني ومساعدات اقتصادية مقابل وقف التجارب النووية والصاروخية. لكن الاتفاق لم يصمد طويلاً، إذ بعد أسابيع قليلة فقط، أطلقت كوريا الشمالية قمراً صناعياً رغم تحذيرات أميركية من أن استخدام صواريخ مدنية غطاء لاختبارات باليستية يشكل خرقاً للاتفاق. ثم انهار الاتفاق نهائياً عام 2013 عندما أجرت كوريا الشمالية تجربة لجهاز نووي مصغر وأكثر قوة، ما أدى إلى فرض عقوبات أميركية ودولية مشددة استمرت نحو خمس سنوات، واستهدفت التجارة الكورية الشمالية والشركات والقادة السياسيين والمعاملات المالية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما دبلوماسية القمم التي انتهجها الرئيس دونالد ترمب خلال ولايته الأولى مع كيم جونغ أون، فقد تعثرت بدورها بسبب إصرار كوريا الشمالية على مواصلة التسلح. فقبل القمة الأولى في سنغافورة في يونيو (حزيران) 2018، أجرت بيونغ يانغ تجربة لقنبلة هيدروجينية وأطلقت 17 صاروخاً باليستياً، بينها صواريخ عابرة للقارات مصممة للوصول إلى الولايات المتحدة.

ورغم أن كيم تعهد بنزع السلاح النووي خلال تلك القمة، فإنه لم يترجم ذلك إلى خطوات عملية، وفشل الجانبان في التوصل إلى اتفاق خلال قمتين لاحقتين. ومنذ ذلك الحين وحتى نهاية إدارة الرئيس جو بايدن عام 2024، واصلت واشنطن فرض عقوبات ثنائية ومتعددة الأطراف، في حين أجرت بيونغ يانغ 107 عمليات إطلاق صاروخي غير مسبوقة.

وفي عام 2023، أدرجت كوريا الشمالية رسمياً امتلاك الأسلحة النووية في دستورها، وأعلنت الانتقال إلى الإنتاج الواسع للقدرات النووية، مما يعني تحولها من مرحلة التطوير والاختبار إلى التوسع السريع في ترسانتها. وأكد كيم جونغ أون هذا التوجه في خطاب أمام البرلمان الكوري الشمالي في مارس (آذار) 2026، عندما أعلن أن الحكومة "ستواصل ترسيخ وضعنا كقوة نووية بصورة مطلقة لا رجعة فيها".

انهيار المقاربة القديمة

لكي تتمكن الولايات المتحدة من التعامل بفاعلية مع كوريا الشمالية، عليها التخلي عن النهج التقليدي القائم على التركيز الحصري على نزع السلاح النووي والإفراط في الاعتماد على العقوبات. وعلى رغم أن كثيراً من صناع القرار باتوا يقرون بذلك ضمناً، فإن أحداً لا يجرؤ على طرحه علناً، لأن دوائر الحكم في واشنطن وسيول وطوكيو ترى في هذا التوجه بمثابة استسلام. لكن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تجعل السعي إلى الحل المثالي عائقاً أمام تحقيق الممكن. فنزع السلاح النووي هدف مشروع، إلا أن إخفاقات السياسات السابقة وإصرار كوريا الشمالية على امتلاك السلاح النووي جعلاه هدفاً غير قابل للتحقق في الوقت الراهن. لذلك، تحتاج واشنطن إلى إعادة صياغة استراتيجيتها، بحيث تنتقل من محاولة تجريد بيونغ يانغ من أسلحتها النووية إلى التركيز على أهداف فورية تعزز أمن الولايات المتحدة في مواجهة تلك الأسلحة.

وتبقى حماية الأراضي الأميركية الأولوية الأكثر إلحاحاً. فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، انتقلت قدرة كوريا الشمالية على استهداف الولايات المتحدة من احتمال بعيد إلى تهديد حقيقي. ووفق تقرير صادر عام 2025 عن وزارة الدفاع الأميركية وعدد من وكالات الاستخبارات، فإن مدى بعض الصواريخ الباليستية العابرة للقارات الكورية الشمالية بات قادراً على الوصول إلى البر الأميركي. كما أن بيونغ يانغ تمتلك بالفعل عدداً كافياً من منصات الإطلاق والصواريخ لتجاوز أنظمة الدفاع الأميركية.

ويشير الخبير النووي أنكيت باندا إلى أن امتلاك كوريا الشمالية ما بين 15 و20 منصة إطلاق متنقلة، تحمل كل منها صاروخاً عابراً للقارات، قد يكون كافياً لاستنزاف كامل المخزون الأميركي من الصواريخ الاعتراضية الأرضية البالغ عددها 44 صاروخاً والمنشورة في ألاسكا وكاليفورنيا، والمخصصة لاعتراض الصواريخ في منتصف مسارها. إذ يتطلب اعتراض كل صاروخ مهاجم إطلاق ما يصل إلى أربعة صواريخ دفاعية.

وتقدّر وكالة استخبارات الدفاع الأميركية أن ترسانة كوريا الشمالية من الصواريخ العابرة للقارات المزودة برؤوس نووية قد ترتفع إلى 50 صاروخاً خلال العقد المقبل، ما يعني أن الولايات المتحدة ستحتاج إلى ما لا يقل عن 200 صاروخ اعتراضي لتأمين حماية كاملة ضد أي هجوم محتمل. لكن الخطط الحالية لتطوير منظومات الاعتراض لن ترفع العدد سوى إلى 64 بحلول عام 2035. ومع تطوير كوريا الشمالية لرؤوس خداعية لتضليل الدفاعات الصاروخية أو رؤوس نووية متعددة مصغرة لإرباك المنظومة الدفاعية، تتراجع فرص الولايات المتحدة في حماية نفسها بصورة أكبر.

لذلك، هناك حاجة ملحة إلى بدء محادثات مع كوريا الشمالية لفرض قيود على الاختبارات المستقبلية أو نشر الصواريخ الباليستية أو إنتاج المواد النووية، حتى لو بقي نزع السلاح النووي هدفاً بعيد المدى.

لم تؤدِ العقوبات سوى إلى تعزيز موقف بيونغ يانغ المتشدد

كذلك تحتاج واشنطن إلى تقليل عدد الخصوم الذين تواجههم في آن واحد. فهي تتعامل حالياً مع تحديات متزامنة من الصين وروسيا وإيران، فضلاً عن حلفاء طهران الإقليميين. وقد أدى انخراطها العسكري في الشرق الأوسط إلى استنزاف قدراتها الدفاعية، ودفعها إلى نقل بعض صواريخ "باتريوت" ومنظومات الدفاع الصاروخي للارتفاعات العالية والطائرات المسيرة المتمركزة في كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط.

في هذا السياق، تزداد أهمية ما وصفه مساعد وزير الدفاع الأميركي السابق إيلي راتنر بـ"إخراج الأعداء من المعادلة". وقد حاول ترمب تحقيق ذلك مع كوريا الشمالية خلال ولايته الأولى عبر بناء علاقة شخصية مع كيم جونغ أون، إلا أن التركيز الأميركي المطلق على نزع السلاح النووي حال دون إجراء أي نقاش جدي حول حظر التجارب أو ضبط التسلح أو العلاقات السياسية.

ومن شأن استئناف المفاوضات بهدف الوصول إلى "سلام بارد" أن يخدم المصالح الأميركية بصورة أكثر مباشرة. وتشير بيانات جمعها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن فترات الحوار بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية ارتبطت بانخفاض عدد التجارب الصاروخية والنووية والاستفزازات العسكرية.

ويفرض تزايد احتمالات الاستخدام الأول للسلاح النووي في آسيا بدوره إعادة النظر في السياسة الأميركية تجاه كوريا الشمالية. فقد أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداده لأن يكون سباقاً في استخدام السلاح النووي في أي نزاع، فيما تمضي الصين في توسيع ترسانتها النووية بوتيرة متسارعة، يُرجح أن تتجاوز ألف رأس نووي بحلول عام 2030.

أما كوريا الشمالية، فقد تبنت بدورها موقفاً أكثر هجومية. ففي عام 2022 أعلنت بيونغ يانغ استعدادها لاستخدام السلاح النووي بشكل استباقي حتى في نزاع تقليدي، وأنها قد تلجأ إليه استناداً إلى مؤشرات تحذيرية فقط، وليس رداً على هجوم فعلي. كما أشارت إلى أنها نقلت مسبقاً صلاحيات استخدام السلاح النووي إلى مستويات أدنى في القيادة العسكرية، تحسباً لاحتمال استهداف القيادة العليا بضربة مفاجئة.

ويبدو أن كوريا الشمالية باتت تعتقد بصورة متزايدة أنها قد تضطر إلى استخدام سلاحها النووي سريعاً في أي مواجهة مع الولايات المتحدة أو كوريا الجنوبية قبل أن تفقد القدرة على ذلك. وعلى رغم أن بيونغ يانغ لا تعلن عقيدتها النووية رسمياً، فإن دراسة صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، استندت إلى تحليل تصريحات نشرتها الوكالة الرسمية الكورية الشمالية بين عامي 1998 و2023، أظهرت تحولاً واضحاً من التركيز على الردع الدفاعي إلى الحديث عن استخدام هجومي وتكتيكي للأسلحة النووية أثناء الحرب. كما أن ضعف الجيش الكوري الشمالي التقليدي مقارنة بالقوات الأميركية والكورية الجنوبية الأكثر تطوراً يزيد من دوافع بيونغ يانغ نحو التصعيد النووي السريع.

وأحجمت الولايات المتحدة حتى الآن عن إنشاء خطوط اتصال لإدارة الأزمات مع كوريا الشمالية، خشية أن يُفسر ذلك باعتراف ضمني بامتلاكها السلاح النووي. لكن واشنطن تحتاج إلى تطوير قنوات اتصال مباشرة لتجنب أي تصعيد غير مقصود قد يقود إلى كارثة. ففي الوقت الراهن، تقتصر وسائل التواصل بين الطرفين على هاتف في المنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين، نادراً ما يرد عليه الكوريون الشماليون، أو عبر تمرير رسائل تحت باب بعثة كوريا الشمالية في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وغالباً ما تُعاد تلك الرسائل من دون فتحها. وفي عام 2025 حاولت إدارة ترمب تسليم رسالة يدوياً، لكن الدبلوماسيين الكوريين الشماليين رفضوا استلامها. هذه الوسائل تبدو غير كافية لمنع اندلاع حرب نووية محتملة.

ولتقليل أخطار التصعيد، يمكن للولايات المتحدة إعادة تأكيد تعهدها بعدم البدء باستخدام السلاح النووي، وهو تعهد سبق أن قدمته خلال المحادثات السداسية. كما يمكنها تشجيع كوريا الجنوبية على تخفيف بعض عناصر استراتيجيتها الردعية الهجومية، مثل خطة "سلسلة القتل" التي تقوم على توجيه ضربات استباقية للمنشآت النووية الكورية الشمالية أو التهديد بتصفية القيادة السياسية.

وبدلاً من ذلك، يمكن لواشنطن وحلفائها التركيز على ما يعرف بـ"الردع عبر الحرمان"، أي بناء دفاعات صاروخية كثيفة، وإعادة نشر الطائرات والغواصات الأميركية القادرة على حمل أسلحة نووية بصورة منتظمة في شبه الجزيرة الكورية، إلى جانب التلويح بردود عسكرية تقليدية دقيقة ومتطورة على أي هجوم كوري شمالي. ومن خلال إظهار قدرة قوية على الرد، مع تخفيف الخطاب الهجومي الذي قد يدفع بيونغ يانغ إلى عقلية "استخدمه أو اخسره"، تستطيع الولايات المتحدة ردع كوريا الشمالية من دون استفزازها.

من مصلحة واشنطن أيضاً إضعاف علاقات كوريا الشمالية مع الصين وروسيا. ويثير التقارب المتزايد بين موسكو وبيونغ يانغ قلقاً خاصاً. فقد أعاد الاتفاق الدفاعي الذي وقعته روسيا مع كوريا الشمالية عام 2024 إحياء الضمانات الأمنية التي كانت قائمة بين البلدين خلال الحرب الباردة، بعدما أزيلت من معاهدة الصداقة إثر تطبيع العلاقات بين سيول والاتحاد السوفياتي عام 1990.

وتشتبه واشنطن في أن موسكو تنقل إلى كوريا الشمالية تقنيات عسكرية متقدمة، خصوصاً في مجالي الصواريخ العابرة للقارات والغواصات النووية، ما قد يمنح بيونغ يانغ قدرة أكبر على الحفاظ على ترسانتها بعد أي ضربة استباقية واستخدامها للرد. كما ساعدت روسيا في تعزيز الصناعات العسكرية الكورية الشمالية، بما في ذلك الذخائر والطائرات المسيرة وأنظمة الصواريخ. وفي المقابل، زاد الرئيس الصيني شي جينبينغ دعمه لكيم جونغ أون، فيما اتهم مسؤولون أميركيون بكين بأنها تتبنى موقفاً "غير متعاون بصورة عدائية" تجاه تنسيق السياسات المتعلقة بكوريا الشمالية. وقد ظهر ذلك بوضوح عندما منح شي الزعيم الكوري الشمالي مكانة مساوية لبوتين خلال احتفالات "يوم النصر" في الصين عام 2025.

لم تكن نية كوريا الشمالية يوماً التخلي عن أسلحتها النووية

وتحتاج الولايات المتحدة إلى إيجاد وسائل تدفع بكين وموسكو وبيونغ يانغ إلى تقليص استثماراتها السياسية والاستراتيجية في علاقاتها المتبادلة. وعلى رغم أن واشنطن قد لا تتمكن من تفكيك هذه التحالفات بالكامل، فإنها تستطيع على الأقل خلق توترات داخلها. وقد يشمل ذلك تقديم حوافز إيجابية لكوريا الشمالية أو روسيا، مثل تخفيف العقوبات، أو استخدام حملات تضليل لإثارة الشكوك المتبادلة بين الدول الثلاث. كما يمكن للولايات المتحدة، بصورة غير مباشرة، استغلال المخاوف التقليدية لدى كوريا الشمالية من الارتهان للقوى الكبرى، عبر تصوير التحالف بين بيونغ يانغ وموسكو بوصفه تهديداً لـ"الناتو" والاتحاد الأوروبي بسبب دعمه الحرب الروسية في أوكرانيا.

وقد يدفع ذلك كوريا الشمالية إلى إعادة تقييم علاقاتها، لا سيما أن أوروبا كانت قبل غزو أوكرانيا عام 2022 بوابتها الاقتصادية والثقافية الرئيسة نحو الغرب، وربما يرغب كيم جونغ أون في إحياء تلك الصلات مستقبلاً. وتُظهر التجارب السابقة أن قادة كوريا الشمالية يخشون بشدة الاعتماد المفرط على القوى الكبرى. ففي أواخر خمسينيات القرن الماضي، دفع اعتماد بيونغ يانغ الاقتصادي المفرط على الاتحاد السوفياتي الزعيم كيم إيل سونغ إلى التقارب مع ماو تسي تونغ لتحقيق توازن. كما أن حاجة كيم جونغ أون إلى دعم الصين للالتفاف على العقوبات الدولية كانت من العوامل التي دفعته إلى لقاء ترمب عام 2019.

وقد يطرح صناع القرار الأميركيون أيضاً فكرة إعادة نظر كوريا الجنوبية في إمداداتها غير المباشرة من المعدات والذخائر العسكرية إلى أوكرانيا مقابل ابتعاد روسيا عن دعمها العسكري لكوريا الشمالية، إلا أن مثل هذا الطرح لن يلقى ترحيباً في كييف أو في عواصم أوروبية أخرى.

لا يمكنك دائماً الحصول على ما تريد

ويتطلب احتواء التهديدات التي تمثلها كوريا الشمالية والوصول إلى حالة من "السلام البارد" المستقر مع بيونغ يانغ العودة إلى طاولة المفاوضات. لكن ما تريده الولايات المتحدة من أي تفاوض لا يتطابق مع ما تريده كوريا الشمالية. ففي ظل الدعم الاقتصادي والسياسي والعسكري الذي تتلقاه بيونغ يانغ من الصين وروسيا، باتت الأخيرة تملك دوافع أقل بكثير لتقديم تنازلات لواشنطن مقارنة بما كان عليه الوضع عندما التقى ترمب كيم جونغ أون عام 2019.

كما أن بعض الحوافز التقليدية التي استخدمتها الولايات المتحدة سابقاً فقدت بريقها. فبيونغ يانغ لم تعد مهتمة بتبادل مكاتب الاتصال التي تؤدي بعض وظائف السفارات. وكانت تنظر إلى هذه الخطوة في السابق بوصفها اعترافاً بشرعيتها، لكنها باتت ترى اليوم أنها تمنح واشنطن وصولاً أوسع إلى الداخل الكوري الشمالي من دون مقابل حقيقي، خصوصاً أنها تمتلك بالفعل بعثة لدى الأمم المتحدة في نيويورك.

وتركز مطالب كوريا الشمالية أساساً على تقليص الوجود العسكري الأميركي في شبه الجزيرة الكورية، إذ تعتبر بيونغ يانغ القوات الأميركية الرمز الأبرز للتحالف بين واشنطن وسيول. وعلى رغم أن تقديم مثل هذا التنازل كان يعد في السابق أمراً مستحيلاً بالنسبة إلى الحليفين، فإن الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية تبحثان بالفعل تغييرات جوهرية في علاقتهما الأمنية قد تؤدي بصورة طبيعية إلى خفض عدد القوات الأميركية هناك.

وتشجع واشنطن سيول على زيادة إنفاقها الدفاعي بصورة كبيرة، وتولي قيادة العمليات العسكرية في زمن الحرب بدلاً من الاعتماد على الولايات المتحدة، وتحمل حصة أكبر من أعباء الدفاع عن شبه الجزيرة. وتسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز وجودها الجوي والبحري في المنطقة مع تقليص وجودها البري، إلى جانب تعزيز التعاون مع كوريا الجنوبية في مجالات الغواصات النووية، والقدرات الفضائية، والمراقبة الاستخباراتية، والحروب القائمة على الذكاء الاصطناعي.

وتحدثت تقارير إعلامية أميركية عن احتمال سحب لواء قتالي أميركي يتراوح تعداده بين 3500 و4500 جندي من كوريا الجنوبية بصورة دائمة. وعلى رغم أن هذه التغييرات يُفترض أن تُفهم باعتبارها خطوات لتعزيز التحالف، فإنها قد تُوظف أيضاً ضمن مفاوضات أوسع مع كوريا الشمالية تشمل خفضاً تدريجياً للتسلح، وفرض سقوف على نشر منصات الصواريخ المتعددة، وإنشاء مناطق حظر للطائرات المسيرة.

إن أي استراتيجية لإدارة التهديد الكوري الشمالي يجب أن تُبقي الردع المشترك في صلبها. فالحكومتان اليابانية والكورية الجنوبية ترفعان إنفاقهما الدفاعي إلى مستويات تاريخية، وتعملان على تحسين التخطيط العسكري المشترك مع الولايات المتحدة، وتفعيل أنظمة الدفاع الصاروخي الثلاثية، إلى جانب تعزيز التنسيق النووي عبر قنوات مثل المجموعة الاستشارية النووية الأميركية-الكورية الجنوبية والحوار الأميركي-الياباني للردع الموسع.

لكن لا يزال بالإمكان القيام بخطوات إضافية لمنع كوريا الشمالية من اللجوء إلى الاستخدام الأول للسلاح النووي. وينبغي للسياسة الأميركية أن تعلن بوضوح أن أي استخدام كوري شمالي للسلاح النووي سيؤدي إلى تدمير النظام فوراً. ولتأكيد هذا التهديد، يتعين على اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة تطوير ما يعرف بالجيل التالي من الدفاعات الصاروخية، بما يشمل الربط الكامل بين أنظمة "إيجيس" Aegis البحرية اليابانية ومنظومات "ثاد" THAAD البرية في كوريا الجنوبية، والتدريب على التصدي لهجمات متزامنة تشمل صواريخ باليستية وصواريخ كروز منخفضة الارتفاع وأسراب الطائرات المسيرة، إضافة إلى الإنتاج المشترك لمزيد من الصواريخ الاعتراضية.

ومن الناحية المثالية، ينبغي للحلفاء الثلاثة تبني إعلان دفاع جماعي يعتبر أي هجوم على أحدهم هجوماً على الجميع. وعلى رغم أن مثل هذه الخطوة ستثير غضب بيونغ يانغ، فإنها قد تدفع الأوضاع نحو "سلام بارد" أكثر استقراراً في شبه الجزيرة، عبر توجيه رسالة واضحة مفادها أن أي تصعيد كوري شمالي سيواجه برد جماعي أكبر بكثير. كما أن هذا التنسيق قد يخفف مخاوف الحلفاء من أن تركيز الولايات المتحدة المتزايد على مصالحها المباشرة، مثل تقليص أخطار الصواريخ بعيدة المدى، قد يُفسر على أنه تراجع في الاهتمام بالتهديدات القصيرة المدى التي تواجهها اليابان وكوريا الجنوبية، كالصواريخ قصيرة المدى والمدفعية الكورية الشمالية، أو حتى بوصفه تراجعاً في الالتزام الأمني الأميركي تجاه حلفائها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. فإذا شعر الحلفاء بأن واشنطن تخلت عنهم أو لم تعد موثوقة في التزاماتها الأمنية، فقد يؤدي ذلك إلى سباق تسلح إقليمي ويفتح الباب أمام ظهور قوى نووية جديدة في آسيا.

الخيار الأقل سوءاً

من المرجح أن تثير هذه الاستراتيجية الجديدة اعتراضات بدعوى أنها تمثل اعترافاً فعلياً بكوريا الشمالية بوصفها دولة نووية. وسيقول منتقدوها إن الولايات المتحدة، بعد عقود من الإصرار على نزع السلاح النووي كشرط مسبق، باتت مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة من دون الحصول على مقابل حقيقي من بيونغ يانغ. وقد يدعو هؤلاء إلى التلويح بالخيار العسكري بدلاً من ذلك. فبإمكان الولايات المتحدة، وفق هذا المنطق، أن تطالب كوريا الشمالية بالتخلي عن برنامجها النووي أو مواجهة المصير نفسه الذي واجهته إيران، بدءاً من عملية "مطرقة منتصف الليل" في يونيو (حزيران) 2025، عندما أسقط الجيش الأميركي قنابل خارقة للتحصينات في محاولة لتدمير المنشآت النووية الإيرانية، وصولاً إلى الحرب الأميركية-الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية هذا العام، التي أسفرت عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار القادة السياسيين.

لكن كوريا الشمالية ليست إيران. فهي دولة نووية مثبتة تمتلك القدرة على الرد ضد الولايات المتحدة وحلفائها. كما أن برامجها النووية ومنظومات إطلاقها أكبر بكثير من نظيرتها الإيرانية، وأكثر انتشاراً في مواقع غير معلنة يصعب استهدافها. وهذه العوامل تقلل إلى حد بعيد من فرص نجاح أي ضربة استباقية. في عام 1994، عندما درس الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون خيار توجيه ضربة عسكرية، ربما كانت الولايات المتحدة قادرة على تدمير البرنامج النووي الكوري الشمالي الناشئ بأقل قدر من التداعيات. أما اليوم، فأصبحت الترسانة النووية الكورية الشمالية ضخمة إلى درجة يستحيل معها القضاء عليها من دون المخاطرة بدمار واسع. كما أن استهداف منشآت قريبة من الحدود الصينية قد يؤدي إلى تصعيد أوسع مع بكين.

وحتى أبسط مؤشر إلى تحرك عسكري أميركي قد يشعل تصعيداً خطيراً. ولا يوجد ما يضمن أن التهديد بالتدمير الكامل سيردع كيم جونغ أون عن الرد. ويستشهد الكاتب بعبارة كورية شهيرة تقول: "إذا متُّ تموتون، وإذا متنا نموت جميعاً"، وهي فكرة حاضرة بقوة في الثقافة الكورية، من الأفلام إلى الروايات والتاريخ السياسي. ومن هذا المنطلق، لا يستطيع أي رئيس أميركي أن يجزم بأن فرص تجنب التصعيد تتجاوز 50 في المئة، وهي نسبة ضعيفة للغاية عندما يتعلق الأمر بحرب نووية قد تدمر مدناً أميركية وتتسبب في مقتل مئات الآلاف.

قد يدعو منتقدون آخرون إلى تشديد العقوبات الاقتصادية والمالية على كوريا الشمالية، عبر استهداف تجارتها وتدفقات العملات المشفرة وشبكاتها المالية. وقد تتسبب هذه الإجراءات في إلحاق ضرر كبير بالنخب السياسية والعسكرية، أو تدفع النظام إلى التفاوض طلباً لتخفيف الضغوط، وربما تسرّع حتى انهياره. لكن فاعلية العقوبات تراجعت بصورة واضحة، على رغم أنها لا تزال أداة ضمن أدوات الضغط الأميركية. فالصين وروسيا، اللتان دعمتا سابقاً نظام العقوبات الأممي على كوريا الشمالية، تعملان اليوم على تقويضه. وقد استخدمت موسكو حق النقض لإسقاط قرار في مجلس الأمن يتعلق بآلية مراقبة تنفيذ العقوبات، فيما بلغت التجارة الثنائية بين الصين وكوريا الشمالية مستويات قياسية، بعدما ارتفعت بنسبة 25 في المئة بين عامي 2024 و2025.

وعلى رغم أن كوريا الشمالية وروسيا توقفتا عن نشر بيانات منتظمة عن حجم التبادل التجاري منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، فإن صور الأقمار الاصطناعية التجارية تظهر نشاطاً متزايداً في الموانئ والمعابر البرية وخطوط السكك الحديدية بين البلدين، مع توسع ملحوظ في حركة التجارة وأعمال البناء.

وأثبتت كوريا الشمالية أنها قادرة على الاستمرار حتى في ظل عزلة شبه كاملة عن العالم. فقد أغلقت حدودها مع الصين، شريكها التجاري الأكبر، لأكثر من ثلاثة أعوام خلال جائحة كورونا، من دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار النظام أو إجباره على الخضوع، ما يضعف الحجة القائلة إن العقوبات وحدها قادرة على إخضاع بيونغ يانغ.

يقول المفاوضون الأميركيون دائماً إن في التعامل مع الملف النووي الكوري الشمالي ليس هناك سوى خيارات سيئة. وربما لو لم تكن بيونغ يانغ تمتلك بالفعل ترسانة نووية كبيرة، لكانت هناك بدائل أفضل. لكن الواقع الذي تواجهه الولايات المتحدة اليوم يفرض البحث عن حل مرحلي يحمي الأمن الداخلي الأميركي ويمنع التصعيد النووي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وقد لا يكون "السلام البارد" حلاً مثالياً، لكنه قد يوفر قدراً ضرورياً من الاستقرار في علاقة تزداد خطورة يوماً بعد يوم.

 

فيكتور تشا هو أستاذ جامعي متميز في جامعة جورجتاون ورئيس قسم الجغرافيا السياسية والسياسة الخارجية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية. شغل منصب مدير شؤون آسيا في مجلس الأمن القومي الأميركي بين عامي 2004 و2007، وعمل مستشاراً لوزير الدفاع ضمن مجلس سياسات الدفاع بين عامي 2021 و2025. وهو مؤلف مشارك، إلى جانب رامون باتشيكو باردو، لكتاب "كوريا: تاريخ جديد للشمال والجنوب".

مترجم عن "فورين أفيرز"، مايو (أيار)/ يونيو (حزيران) 2026

المزيد من آراء