ملخص
تلقت تل أبيب رسالة من واشنطن تبلغت فيها أن هذه الطائرات ستبقى في إسرائيل حتى نهاية العام الحالي، بينما حذر رئيس سلطة الطيران المدني الإسرائيلية شموئيل زكاي من أن "مطار بن غوريون يدار كقاعدة عسكرية وليس كمطار مدني".
لم يخف مسؤولون إسرائيليون مفاجأتهم من قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأجيل الضربة على إيران، بعد أن كان شبه محسوم توجيهها هذه الأيام، وفق مسؤول عسكري إسرائيلي مطلع على محادثات واشنطن وتل أبيب والتنسيق بين الجيش الإسرائيلي والسنتكوم. مع هذا، أعلن الجيش أنه بقي في حالة تأهب قصوى وسلاح الجو مستعد بانتظار أمر إطلاق الهجوم، بعد أن اتفق على مشاركة إسرائيل فيه.
وفي خطوة متقدمة لهجوم تشارك فيه إسرائيل، عاد سلاح الجو وفتح من جديد قاعدة "الأسطورية 27 أ"، كما يطلق عليها الإسرائيليون، وجرى تجنيد الاحتياط لإدارتها. وذلك لاستيعاب عشرات الطائرات الأميركية للتزود بالوقود في الجو، التي وصلت إلى إسرائيل وهي تملأ مطار بن غوريون الدولي، ويثير وجودها هناك نقاشاً كبيراً، بعد أن أوقفت شركات طيران دولية رحلاتها بسبب وضعية المطار، عقب هبوط هذه الطائرات الأميركية فيه.
القاعدة العسكرية هذه ملاصقة لمطار بن غوريون، وفيها عشرات طائرات التزويد بالوقود ومئات الجنود الأميركيين مع منظومة تقنية ومنظومة أرضية. وعين الأميركيون قائداً للقاعدة، وبالتوازي جند الجيش الإسرائيلي قائداً إضافياً لقاعدة في سلاح الجو، وهما مسؤولان عن جميع عمليات التنسيق بين الأميركيين والجيش الإسرائيلي وهيئات سلطة المطارات.
وبحسب ما نقل عن مسؤول إسرائيلي، فقد تلقت تل أبيب رسالة من واشنطن تبلغت فيها أن هذه الطائرات ستبقى في إسرائيل حتى نهاية العام الحالي، بينما حذر رئيس سلطة الطيران المدني الإسرائيلية شموئيل زكاي من أن "مطار بن غوريون يدار كقاعدة عسكرية وليس كمطار مدني". وقد بعث برسالة إلى وزيرة المواصلات ميري ريغيف، والمدير العام للوزارة موشيه بن زاكين، يحذر فيها من أن الوجود العسكري الأميركي في مطار اللد يعوق الرحلات المدنية، ويؤخر عودة شركات الطيران الأجنبية.
وقال زكاي إن تحويل المطار الرئيس في إسرائيل إلى "قاعدة عسكرية" يهدد استقرار شركات الطيران الإسرائيلية الصغيرة، وإن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية "لا تدرك حجم الضرر" الذي لحق بقطاع الطيران المدني، داعياً إلى نقل الطائرات الأميركية إلى قواعد عسكرية أخرى.
أمام هذه الضغوطات، من المتوقع نقل الطائرات إلى القاعدة الجديدة التي أعيد فتحها بمحاذاة المطار. من جهة أخرى وضمن الاستعدادات، قام سلاح الجو الإسرائيلي بشراء طائرات التزود بالوقود من نوع KC46، وقد أجرى سلاح الجو تجربة عليها في الولايات المتحدة، وهي من إنتاج شركة "بوينغ". وأعلنت وزارة الأمن أنه جرت المصادقة على توسيع سلاح الجو بسربين قتاليين جديدين، فقد صادقت لجنة الوزراء للتسلح على خطة وزارة الأمن والجيش الإسرائيلي لشراء سربين قتاليين جديدين من نوع F35 وF15IA.
الهجوم أفضل طريق للاتفاق
وبينما الاستعدادات في ذروتها للضربة المتوقعة، أوصى كبار مسؤولي الأجهزة الأمنية الإسرائيلية المستوى السياسي بضرورة أن تأخذ إسرائيل دورها في أي هجوم على إيران، بحيث تصر على استهداف البنى التحتية لتأخير عملية إعادة التأهيل العسكري والمدني، ومن ثم تسهيل التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران. وهو ما أكده رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، خلال محادثة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اطلع خلالها نتنياهو على تطورات الملف الإيراني.
وبحسب المؤسسة الأمنية وجهات في المستوى السياسي، فإن استهداف بنى تحتية وطنية بصورة تدريجية أو دفعة واحدة، يمكن أن يقود النظام الإيراني إلى مفاوضات من موقع مختلف، أو أن يؤخر بصورة دراماتيكية عمليات إعادة التأهيل العسكري والمدني.
رؤساء الأجهزة الأمنية وكبار المسؤولين فيها عرضوا أمام المستوى السياسي في اجتماعات مكثفة عقدت أخيراً للتشاور في ملفي إيران ولبنان، أيضاً، خطورة أمرين الأول أن تقوم إيران بتوجيه ضربة استباقية على إسرائيل، والثاني أن تواصل طهران ما وصفوها بسياسة "كسب الوقت" التي تديرها في المفاوضات. وأمام هذين الاحتمالين، ترى الأجهزة الأمنية أن الخطوة الضرورية الحالية هي ضرب أهداف استراتيجية مثل بنى الطاقة والوقود، التي يعتمد عليها الاقتصاد الإيراني، وهي تشكل ضربة قوية في صميم الاقتصاد الإيراني، بينما أعلن المستوى السياسي أنه ينتظر قرار ترمب في شأن الخطوات المقبلة ضد إيران، مشدداً على أن واشنطن أكدت حرصها على إبلاغ تل بيب قبل وقت من تنفيذ العملية، حتى تضمن الأخيرة إبلاغ مواطنيها وضمان وجودهم بالقرب من أماكن آمنة أو ملاجئ.
على رغم التطورات الأخيرة في ملف إيران وقرار ترمب القاضي بتأجيل الهجوم، إلا أن إسرائيل تؤكد عدم وضوح قرارات الرئيس الأميركي، "ليس واضحاً ما إذا كان الرئيس الأميركي سيفرض حزمة عقوبات إضافية على إيران، أو سيكتفي بالحصار الذي يشل إيران تدريجاً، أو سيقرر شن هجوم جديد في أنحاء إيران"، نقل تقرير إسرائيلي عن مسؤول أمني، الذي نقل عنه موقع "واللا"، أن الرئيس الإيراني مجتبى خامنئي يصر على الخطوط الحمراء لإيران، وهي الخطوط نفسها التي ترى إسرائيل، في المقابل، أنها جوهر المفاوضات.
الاستعداد لضربة إيرانية استباقية
بعد سلسلة مشاورات في تل أبيب من جهة، وبين تل أبيب وواشنطن من جهة أخرى، نوقش سيناريو أن توجه إيران ضربة استباقية ضد أهداف أميركية وإسرائيلية، وهو ما استدعى إصدار قرار رفع حالة التأهب في سلاح الجو إلى أقصى درجاتها كما في سلاح الدفاع، على رغم ما تداولته المناقشات الإسرائيلية من خطر النقص في مخزون منظومات الدفاع وعدم استكمال منظومات جديدة تعمل على صناعتها إسرائيل.
خبير الشؤون السياسية في الشرق الأوسط أيال زيسر، حذر متخذي القرار في إسرائيل من خطوة ينتهي فيها الملف الإيراني باتفاق بأي ثمن مع إيران، يقدم عليه ترمب بعد أن سئم من الحرب والشرق الأوسط، وهو اتفاق سيكون سيئاً لإسرائيل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى زيسر أن ما تمر به المنطقة حالة غير مسبوقة، لا سيما أنها باتت مرهونة بقرار شخص واحد، ويقول "نحن في إسرائيل لم يتبق لنا إلا أن ننتظر كل يوم ساعات ما بعد الظهيرة (ساعات الصباح في واشنطن)، حتى يستيقظ الرئيس ترمب من نومه، وينطلق في حملة تغريدات تدل على مزاجه ونواياه".
وفي تقييم لزيسر للوضع الحالي يرى أنه "مع إعلان وقف النار، بدأ يخوض ترمب مفاوضات عقيمة مع الإيرانيين لا تؤدي إلى أي مكان. فالفجوات في مواقف الطرفين غير قابلة للجسر إلا إذا رفع أحد الطرفين علماً أبيض، وغالب الظن لن يكون هذا الطرف هو إيران. في طهران تغلبت يد المعسكر المتطرف وهذا الطرف غير مستعد، كما هو معروف، لأن ينظر في أي تنازل. وفي نهاية الأمر فإن ترمب الخاضع للضغط من الداخل ومن الخارج لإنهاء الحرب، هو من سيستسلم".
غير أن ترمب رفع في الأسبوع الأخير نبرة تغريداته وتهديداته على إيران بما يفيد بأنه اقتنع بأن الإيرانيين "يخدعونه"، وأن المفاوضات التي يجريها معهم "عديمة الجدوى". و"فهم من تغريدات ترمب أنه بدأ يفقد صبره، لا سيما وأن طول النفس والصبر لم يكونا أبداً من صفاته"، يشير زيسر ويضيف "غير أنه في الوقت نفسه، هو أو مبعوثوه يواصلان خوض مفاوضات حثيثة مع الإيرانيين من خلال جملة وسطاء وعلى رأسهم باكستان".
والسؤال إلى أين يتجه ترمب إزاء حقيقة أن إيران لا تعتزم أن تغير أو تبدل من مواقفها؟
رداً على هذا السؤال يطرح زيسر ثلاثة احتمالات:
- مواصلة الوضع الحالي المتمثل باللا سلام ولا اتفاق، ولكن أيضاً اللا حرب، وهذا برأي زيسر "قد يؤدي إلى تشديد طوق الخناق على إيران، وبالتالي إضعاف النظام الحاكم فيها. المشكلة هي أن طهران تلعب على الوقت، تبذل كل جهودها في محاولة للبقاء على قيد الحياة، إلى أن يمر الغضب وينهي ترمب ولايته، في المقابل يمكن لإيران أن تصعد هجماتها على الدول المحيطة".
- الاحتمال الثاني هو أن يقرر ترمب قريباً العودة لحرب قوية تنفيذاً لتهديداته المتكررة. وبحسب زيسر، هذا الاحتمال يأتي إزاء استمرار تعزيز القوة العسكرية في المنطقة، مما يدل على الرغبة في الإبقاء على الخيار العسكري وعدم التنازل عنه. ومن غير المستبعد على الإطلاق أن تكون تغريدات ترمب مجرد تمويه، لخداع الإيرانيين حول نواياه الحقيقية.
- أما الاحتمال الثالث، والأسوأ كما يرى زيسر بالنسبة إلى إسرائيل، فهو أن يكون ترمب قد سئم وقرر وقف الحرب في المنطقة، وأن يعتمد على التهديدات للتوقيع على اتفاق مع الإيرانيين.
وأمام كل هذه الاحتمالات والتقديرات، حذر أمنيون وعسكريون من إقدام رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على خطوة عسكرية لضمان عدم تفكيك الكنيست الإسرائيلي وتقديم موعد الانتخابات. وحذر عقيد احتياط يسرائيل زيف، الرئيس السابق لشعبة العمليات في الجيش، من الضغوطات التي يمارسها نتنياهو على الرئيس الأميركي لشن هجوم على إيران، وأيضاً ما يتعلق بلبنان لمصلحته السياسية.
ويرى أن إسرائيل أمام معضلة أنها لا تستطيع فعلياً اتخاذ قرارات فردية، والقرار السياسي في النهاية قد يشمل انسحاباً إسرائيلياً، لذلك الاعتبارات السياسية هي التي ستحسم، خصوصاً وأن تل أبيب على أعتاب انتخابات تشريعية مرتقبة في أكتوبر (تشرين الأول) 2026.
