ملخص
يبدو أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس ضَمن غالبية مريحة له داخل اللجنة المركزية في حركة "فتح"، مع نجاح أسماء تتوافق معه في السياسات العامة، في أبرز نتائج المؤتمر الثامن للحركة.
انتهى المؤتمر العام الثامن لحركة "فتح" بتغيير نصف عدد أعضاء لجنتها المركزية، مع بقاء الحلقة الضيقة في اللجنة مرتبطة مباشرة بالرئيس محمود عباس، وصعود ممثلين عن الأسرى والمؤسسة الأمنية، وبروز نجل الرئيس الفلسطيني ياسر عباس الذي فاز بعضوية اللجنة المركزية.
ومع أن المؤتمر أصدر بياناً ختامياً شدد على الثوابت الوطنية لـ "منظمة التحرير الفلسطينية" في شأن إنهاء احتلال أراضي دولة فلسطين وتجسيد الاستقلال، لكنه لم يشهد أية مراجعة للبرامج السياسي، وبخاصة في ملف العلاقة مع إسرائيل.
واعتبر البيان الختامي أن "منظمة التحرير" هي "الإنجاز السياسي الأهم للشعب الفلسطيني منذ النكبة، وأن القفز عنها جريمة، وأن الوحدة الوطنية تتحقق على أساس برنامجها والتزاماتها السياسية والدولية".
وللمرة الأولى أجري المؤتمر العام لحركة "فتح" في أربع مناطق، وكانت مدينة رام الله المركز، بالتوازي مع عقده في غزة والقاهرة وبيروت بمشاركة نحو 2595 عضواً، وتنافس 59 عضواً على 18 مقعداً داخل اللجنة المركزية للحركة، و450 عضواً على 80 مقعداً في "المجلس الثوري" (برلمان الحركة).
أعلى نسبة أصوات للبرغوثي
ومثلما جرى في المؤتمر السابق عام 2016، فقد حصل الأسير الفلسطيني مروان البرغوثي على أعلى الأصوات لانتخابات اللجنة المركزية، التي يحتفظ بالعضوية فيها منذ المؤتمر السادس للحركة عام 2009، فيما حصل رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية ماجد فرج على ثاني أعلى الأصوات في تلك الانتخابات، إذ ترشح للمرة الأولى، في دلالة على مدى نفوذه داخل قواعد الحركة.
وفي المرتبة الثالثة حلّ القيادي النافذ في الحركة جبريل الرجوب على رغم تهميشه من قبل الرئيس الفلسطيني خلال الأعوام الماضية، بينما فاز نائب الرئيس الفلسطيني وأبرز المرشحين لخلافته، حسين الشيخ، بالمرتبة الرابعة، في تكريس لنفوذه ودفعاً لآماله برئاسة دولة فلسطين في المستقبل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وجاءت محافِظة رام الله والبيرة، دلال غنام، في المرتبة الخامسة بعدما ترشحت للمرة الأولى، وهي المعروفة بحضورها الميداني الدائم وقربها من نائب الرئيس، أما نائب رئيس حركة "فتح" محمود العالول فجاء في المرتبة السادسة، في مؤشر على تراجع شعبيته داخل قيادة الحركة مع توقعات بخسارة منصبه.
في المقابل حصل توفيق الطيرواي، الذي اعتاد انتقاد أداء الحكومة الفلسطينية في محاربة الفساد وملف رواتب الأسرى، على المرتبة السابعة، وعلى رغم عدم وجود ياسر عباس في القواعد التنظيمية لحركة "فتح"، لكنه جاء في المرتبة الثامنة بين أعضاء اللجنة المركزية، وجاء الأسيران المحرران زكريا الزبيدي وتيسير البرديني في المرتبتين التاسعة والـ 10، في دلالة على رمزية الأسرى في "فتح".
مؤشرات التبديل
الباحث السياسي جهاد حرب أوضح أن نتائج انتخابات المؤتمر الثامن لحركة "فتح" تشير إلى "فوز الأفراد وليس البرنامج السياسي للحركة، ولا حتى نهجها وبخاصة في العلاقة مع إسرائيل"، وبحسب حرب فإن تلك الانتخابات شهدت "خروج 50 في المئة من أعضاء اللجنة المركزية السابقة، وهو ما يشير إلى حال عدم رضى عن معظم الأعضاء السابقين فيها".
وأشار حرب إلى أن وجود أعضاء من فئة الشباب في اللجنة المركزية الجديدة قد "يؤدي إلى مراجعة العلاقة بين الحركة والجمهور في ظل انتقادات ببعدها منهم"، مبيناً أن حركة "فتح" منذ المؤتمر السابع أصبحت "تميل كي تكون حزباً حاكماً على حساب تاريخها، باعتباره حركة تحرر وطني"، ولذلك فإن أعضاء اللجنة المركزية الجدد "جاؤوا من الجهاز البيروقراطي للسلطة الفلسطينية"، وفق قوله.
وقلل حرب من التخوفات من إمكان خلافة ياسر عباس لوالده قائلاً إن ذلك "غير مقبول شعبياً وغير وارد تنظيمياً، بسبب وجود أباطرة في حركة 'فتح' لن يسمحوا بتجاوزهم"، مشيراً إلى أن بروز ياسر عباس ربما يأتي وفق بعضهم، حماية للأصول المالية للعائلة، في ظل الحصانة التي يحصل عليها أعضاء اللجنة المركزية.
ورجّح حرب أن تكون اللجنة المركزية الجديدة "مريحة للرئيس عباس وتضمن عدم التمرد عليه، بسبب عدم وجود خلافات سياسية أو فكرية بين أعضائها، في حين أن انتخاب عباس بالإجماع لرئاسة 'فتح' يعطيه ميزة أمام أعضاء اللجنة المركزية".
"الرابح الأكبر"
ويرى المحلل السياسي محمد مشارقة أن ياسر عباس "كان الرابح الأبرز في هذا المؤتمر، إذ جاء ترتيبه مباشرة بعد مجموعة الرئيس الأمنية ومجموعة الثقة التي تحتل مواقع مضمونة في قمة الهرم التنظيمي".
وبحسب مشارقة فإن المؤتمر شكّل "إعادة ترتيب داخلية لا مراجعة فكرية، وأعاد توزيع النفوذ بين مراكز قوى متنافسة أمنية وتنظيمية وعائلية ورمزية"، موضحاً أن اللجنة المركزية أصبحت "متعددة الأقطاب، ولا تجمعها رؤية مشتركة بقدر الحرص على إبقاء التوازن القائم".
وأضاف مشارقة أن اللجنة المركزية لـ "فتح" أصبحت "كياناً يعبّر عن الجغرافيا المحلية الضيقة في الضفة الغربية وقطاع غزة، بعد أن كانت تاريخياً تجسيداً للوطنية الفلسطينية الجامعة"، مشيراً إلى "صعود الشعبوية وتراجع السياسة عبر فوز قادة ينتمون إلى الحال الشعبوية"، ومضيفاً أن "وجوههم مألوفة في مشهد المقاومة الميدانية وحركة الأسرى".
لكن مشارقة أوضح أن "القيادة السياسية لتنظيم تاريخي بحجم 'فتح' تستلزم رؤية إستراتيجية وخبرة دبلوماسية، وقدرة على بناء التحالفات وإدارة التعقيد".