Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سيناريوهات الصدام المؤجل في مقديشو

صراع المظلات الدستورية يجتاح مناطق سيطرة الحكومة بعد تمديد ولاية شيخ محمود

تتأرجح العاصمة مقديشو بين خطابين متناقضين تماماً خطاب الرئاسة الفيدرالية والمعارضة (أ ف ب)

ملخص

شهدت المنابر الإعلامية في مقديشو حرباً كلامية شرسة تعكس عمق الشرخ بين ضفتي الأزمة، فتحليل الخطاب السياسي للطرفين يكشف عن غياب أي مساحة للحلول الوسط وتخندق كل طرف وراء سردية إقصائية كاملة.

مع انتصاف مايو (أيار) الجاري وجد الصومال نفسه مجدداً أمام العقدة السياسية التاريخية التي كثيراً ما هددت بنسف بنائه المؤسسي الهش، فانتهاء المدة الدستورية الأصلية لولاية الرئيس حسن شيخ محمود قبل أيام لم يمر كحدث إجرائي عادي بل فجر أزمة شرعية حادة وضعت البلاد بين مطرقة الطموح الحكومي لتغيير قواعد اللعبة السياسية وسندان الإصرار النيابي والعشائري للمعارضة على رفض أي مساس بالخطوط الحمراء للتوافق الوطني.

تتأرجح العاصمة مقديشو اليوم بين خطابين متناقضين تماماً خطاب الرئاسة الفيدرالية التي ترى في التعديلات الدستورية المقرة في مارس (آذار) الماضي ممراً إجبارياً للانتقال بالبلاد من نظام المحاصصة العشائرية الضيق إلى رحاب الديمقراطية المباشرة (صوت واحد للشخص الواحد) وخطاب جبهة المعارضة العريضة المنضوبة تحت لواء مجلس مستقبل الصومال التي ترى في هذا التحرك مجرد غطاء تشريعي مصطنع لتمديد بقاء السلطة الحالية وتهميش الأقاليم.

في ظل هذا الانسداد عادت منطقة حلني المحصنة التي تضم مقر بعثة الأمم المتحدة وسفارات الدول الغربية الكبرى لتتحول إلى الملاذ الأخير والمركز العصبي الذي يحاول احتواء الانفجار في مشهد يعيد للأذهان دور المظلة الدولية الكلاسيكية في الأزمات الصومالية ولكن بآليات ومعطيات إقليمية ودولية مغايرة تماماً هذه المرة.

معركة التصريحات

شهدت المنابر الإعلامية في مقديشو حرباً كلامية شرسة تعكس عمق الشرخ بين ضفتي الأزمة، فتحليل الخطاب السياسي للطرفين يكشف عن غياب أي مساحة للحلول الوسط وتخندق كل طرف وراء سردية إقصائية كاملة. وتمثل تصريحات وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقي الذروة الهجومية لخطاب الحكومة، ففي كلمته الأخيرة لم يكتف بالدفاع عن الإجراءات الحكومية بل نقل المعركة إلى مربع "الأمن القومي والتخوين السياسي".

 

اتهام وزير الدفاع المعارضة بتلقي تمويل خارجي يمثل استخداماً لورقة المال السياسي الأجنبي يهدف بالدرجة الأولى إلى تجريدها من مشروعيتها الوطنية وتحويلها في نظر الرأي العام إلى أداة لتنفيذ أجندات إقليمية تسعى إلى إضعاف الدولة المركزية في مقديشو.

حرب التخوين

وسجل اللعب على وتر النعرات العشائرية حضوراً واضحاً، إذ اتهم فقي قادة المعارضة بمحاولة تحريك الشارع عبر الاستنفار القبلي، وهو اتهام ذو حساسية مفرطة في الصومال يهدف إلى تصوير الحكومة كحامٍ وحيد لكيان الدولة ضد التشرذم العشائري وتحميل المعارضة مسؤولية أي قطرة دم قد تسال في العاصمة.

البعد السيكولوجي للخطاب يتسم بالصرامة والحدة مستخدماً لغة عسكرية حاسمة لا تقبل النقاش، مما يشير إلى أن مؤسسة الرئاسة قررت المضي قدماً في إنفاذ خارطتها الانتخابية معتبرة أي اعتراض بمثابة خروج عن القانون ومحاولة لتقويض جهود مكافحة الإرهاب.

على الجانب الآخر جاء رد المتحدث باسم حزب المعارضة الرئيس عبدالرحمن طاهر ليعلن الانتقال من مرحلة الاحتجاج السياسي إلى العصيان المؤسسي وإعلان المسارات الموازية. وفي مؤتمره الصحافي المقتصب والحازم لوح عثمان بوضوح لجوء المعارضة إلى إنشاء عمليات سياسية ومؤسسات موازية بما يشمل إمكان الإعلان عن برلمان موقت بديل أو إدارة انتقالية مشتركة لإدارة شؤون البلاد حتى إجراء الانتخابات.

 

وينطلق خطاب عثمان من فرضية أن ولاية الرئيس قد انتهت رسمياً في الـ15 من مايو الجاري، ومن ثم فإن كل ما يصدر عن الرئاسة أو البرلمان الحالي من تمديد أو تعديل دستوري هو والعدم سواء. ويتجنب خطاب المعارضة الدعوة المباشرة إلى العنف لكنه يربط بين التعنت الحكومي واضطرار القوى العشائرية والسياسية إلى حماية نفسها مما يعطي الضوء الأخضر للقوات المسلحة الموالية للعشائر التي تشكل جزءاً كبيراً من الهيكل الأمني في مقديشو للتحرك إذا لزم الأمر.

ولا يمكن فهم أبعاد الأزمة الحالية من دون مقارنتها بأزمة عام 2021، فعلى رغم التشابه الظاهري في العقدة (التمديد مقابل التوافق) تكشف تفاصيل المشهدين عن تبدل جوهري في البيئة الدولية والإقليمية، إذ كان المجتمع الدولي بقيادة أميركا والاتحاد الأوروبي يمتلك فائضاً من التركيز السياسي والقدرة على التدخل المباشر الحاسم، وصدرت تهديدات واضحة ومباشرة لفرماجو بقطع المساعدات الفورية وفرض عقوبات على قيادات أجهزته الأمنية، مما أجبره في النهاية على التراجع بعد أيام قليلة من المواجهات المسلحة في شوارع مقديشو.

لكن في عام 2016 تبدو القوى الدولية الحالية أكثر تعباً وإنهاكاً وأقل رغبة في الدخول في تفاصيل الأزقة السياسية الصومالية، علاوة على انشغال واشنطن بملفات جيوسياسية عالمية ملتهبة، فضلاً عن أن تراجع موازنات الدعم المالي المباشر المخصصة للصومال جعل المقاربة الدولية الحالية تقتصر على إبداء القلق وإصدار بيانات عامة تدعو إلى ضبط النفس من دون ممارسة ضغوط حقيقية تغير ميزان القوى على الأرض.

تبدل التوازنات

يرى المحلل السياسي عبدالرحمن محمد في حديث لـ"اندبندنت عربية" أنه "خلال عام 2021 كانت دول الجوار، وتحديداً إثيوبيا وكينيا، تعمل ضمن قنوات تنسيق وثيقة تحت مظلة الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) وكان هناك شبه إجماع على ضرورة الحفاظ على استقرار مقديشو لمنع تمدد حركة الشباب، لكن في العام الحالي تمزق هذا التنسيق الإقليمي تماماً بعد توقيع إثيوبيا مذكرة تفاهم مثيرة للجدل مع إقليم صوماليلاند الانفصالي للحصول على منفذ بحري، وهذا الحدث جعل مقديشو في حال عداء دبلوماسية مع أديس أبابا ودفع بالحكومة الفيدرالية إلى الارتماء في أحلاف إقليمية مضادة مما جعل الملف الصومالي ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية بدلاً من كونه ملفاً يبحث الجيران عن حل له".

ويقول "تطرح الحكومة الفيدرالية شعار الانتخابات الديمقراطية المباشرة كهدف سامٍ لا يمكن التراجع عنه لكن التدقيق البحثي في الواقع الميداني واللوجيستي يكشف عن فجوة هائلة تحول دون تطبيق هذا الشعار مما يجعله ينقلب في نظر المعارضة إلى مجرد أداة إقصاء سياسي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتبدو خريطة الصومال الأمنية في مايو الجاري عائقاً بنوياً أمام أي عملية انتخابية مباشرة حيث تسيطر حركة "الشباب" المرتبطة بتنظيم "القاعدة" على مساحات شاسعة من الريف الصومالي في أقاليم جوبا الوسطى وجبا السفلى وهيران وشبيلى الوسطى وشبيلى السفلى، كما لا تكتفي الحركة بالسيطرة الميدانية بل تفرض حصاراً اقتصادياً على المدن الكبرى الخاضعة لسيطرة الحكومة والولايات مما يعني أن ملايين المواطنين الصوماليين في هذه المناطق لن يتمكنوا لوجيستياً من الوصول إلى مراكز الاقتراع أو حتى التسجيل في القوائم الانتخابية.

وهذا يعني أن أي محاولة لإجراء انتخابات في جيوب معزولة (المدن الكبرى فقط) ستؤدي تلقائياً إلى حرمان كتل عشائرية ومناطقية كاملة من التصويت، وهو ما يضرب مشروعية الانتخابات في مقتل، إذ لا يمتلك الصومال حتى اليوم سجلاً انتخابياً محدثاً وطنياً موثوقاً للهوية الرقمية والأوراق الثبوتية يغطي كل أرجاء البلاد، لا سيما وأن بناء سجل انتخابي يتطلب عمليات إحصاء سكاني معقدة وتأميناً للمسارات اللوجيستية، وهي عملية تقدر المفوضية الوطنية المستقلة للانتخابات في تقاريرها الداخلية المخفية أنها تحتاج إلى مدى زمني لا يقل عن عامين من الاستقرار الأمني الكامل والموازنات الضخمة غير المتوفرة حالياً.

وعلمت "اندبندنت عربية" أن القوى الأجنبية وعلى رأسها الولايات المتحدة وضعت سيناريو الصدام المؤجل والعصيان المؤسسي باحتمالية 60 في المئة، إذ ينطلق هذا السيناريو من فرضية استمرار الحكومة الفيدرالية في غطرستها السياسية وإنفاذ خريطتها الانتخابية الأحادية مستندة إلى سيطرتها على المفاصل الإدارية والمالية للعاصمة. وستحول النتيجة الميدانية، وفق التحليلات الأمنية، مقديشو إلى خطوط تماس عسكرية تعيد إلى الأذهان مشهد شوارع فرماجو عام 2021 مع فارق أن السلاح الحالي أكثر تطوراً وانتشاراً مما قد يفجر مواجهات مسلحة واسعة النطاق تؤدي إلى انهيار المنظومة الأمنية للعاصمة وفتح باب لحركة "الشباب" لاجتياج التحصينات الدفاعية.

 

ووضعت تلك القوى سيناريو التسوية الاضطرارية تحت مظلة حلني بنسبة 40 في المئة، عبر تراجع الطرفين في اللحظة الأخيرة قبل حافة الهاوية مدفوعين بضغوط قاسية لا يمكن تحملها، بخاصة بعد تفعيل الزر الأحمر من المانحين الدوليين ووقف الدعم المالي المباشر للموازنة الصومالية وبرامج الإعفاء من الديون، مما يعني عجز الحكومة عن دفع رواتب الجيش والموظفين في غضون شهرين.

ببساطة الأزمة الصومالية في مايو الجاري ليست مجرد خلاف على مواعيد وجداول انتخابية بل هي أزمة هوية سياسية لدولة لم تستكمل بعد بناء مؤسساتها السيادية، وأن ادعاءات المهلة الخارجية أو القدرة على إجراء انتخابات ديمقراطية فورية شاملة هي افتراضات تفتقر إلى الموضوعية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير