Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تركيا تعود إلى محاولات "احتواء" بلدان آسيا الوسطى

منافسة "غير معلنة" بين بوتين وأردوغان تقف على طرفي نقيض من دبلوماسية اللقاءات والزيارات المتبادلة وما يسمى "الشراكة الاستراتيجية" بين بلديهما

صورة للقادة المشاركين في القمة غير الرسمية لـ"منظمة الدول التركية الأصول" في 15 مايو الجاري (صفحة المنظمة على إكس)

ملخص

يتابع المراقبون ورجال السياسة في روسيا والفضاء السوفياتي السابق ما يتخذه الرئيس رجب طيب أردوغان من خطوات جادة متلاحقة لاستمالة بلدان آسيا الوسطى، ذات الأصول التركية، إلى فلك سياساته التركية، فضلاً عما تقوم به المؤسسات التركية من مبادرات تستهدف توسيع نفوذ تركيا في آسيا الوسطى. وتشير المصادر إلى ما تقوم به أنقرة من مبادرات مالية، وما توصلت إليه من اتفاقات دفاعية، تنص ضمناً على تعزيز التعاون العسكري المشترك مع الدول "التركية الأصول"، وإن كان هناك مَن يقول بصعوبة المنافسة مع روسيا في هذا المجال، نظراً لما يربط هذه البلدان من علاقات تاريخية وثيقة تمتد لقرون طويلة خلت.

عادت تركيا إلى مواصلة محاولاتها الرامية إلى "احتواء" بلدان آسيا الوسطي ذات الأصول التركية، عبر استراتيجية طويلة الأمد تستهدف لم شمل البلدان تركية الأصل. وها هو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يصل إلى كازاخستان في زيارة تستهدف تعزيز علاقات بلاده مع بلدان آسيا الوسطى، وتأكيد الدور القيادي لتركيا، وبما يتفق مع ما يقال حول رغبة بعض هذه الدول في تنويع علاقاتها الخارجية وعدم الاقتصار على القطبين روسيا والصين وحدهما، لا سيما بعد الدور المحوري الذي لعبته تركيا في الحرب بين أذربيجان وأرمينيا وما قدمته إلى أذربيجان من مساعدات عسكرية أسهمت في استعادة الأخيرة لكامل أراضيها التي سبق وفقدتها في نهاية ثمانينيات - مطلع تسعينيات القرن الماضي. وذلك في الوقت الذي تتابع موسكو تحركات أردوغان وطموحاته، وما تقف منها على مقربة منذ إعلانها تأسيس منتدى "روسيا والعالم الإسلامي" بمبادرة من اثنين من أساطين السياسة الروسية وهما يفغيني بريماكوف رئيس الحكومة الروسية الأسبق، ومنتيمير شايمييف الرئيس السابق لتتارستان، وكلاهما سبق وطرح الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين اقتراحهما لخلافته، قبل أن يحسم أمره ويتوقف بخياره عند فلاديمير بوتين في أغسطس (آب) 1999.

تركيا تسعى لإخراج روسيا من آسيا الوسطى

يتابع المراقبون ورجال السياسة في روسيا والفضاء السوفياتي السابق ما يتخذه الرئيس رجب طيب أردوغان من خطوات جادة متلاحقة لاستمالة بلدان آسيا الوسطى، ذات الأصول التركية، إلى فلك سياساته التركية، فضلاً عما تقوم به المؤسسات التركية من مبادرات تستهدف توسيع نفوذ تركيا في آسيا الوسطى. وتشير المصادر إلى ما تقوم به أنقرة من مبادرات مالية، وما توصلت إليه من اتفاقات دفاعية، تنص ضمناً على تعزيز التعاون العسكري المشترك مع الدول "التركية الأصول"، وإن كان هناك مَن يقول بصعوبة المنافسة مع روسيا في هذا المجال، نظراً لما يربط هذه البلدان من علاقات تاريخية وثيقة تمتد لقرون طويلة خلت، وعضوية مشتركة في منظمة "بلدان معاهدة الأمن الجماعي" التي تضم كل بلدان آسيا الوسطي مع زميلاتها في القارة الأوروبية، عدا أوزبكستان التي سبق وانسحبت مع أذربيجان وجورجيا من هذه المعاهدة التي وُقِعَت في طشقند، عاصمة أوزبكستان، في مايو (أيار) 1992. وها هي أرمينيا تعلن أخيراً عن تجميد عضويتها في هذه المنظمة بسبب عدم وقوف بلدان المعاهدة إلى جوارها في حربها الأخيرة مع أذربيجان، فضلاً عن ظهور ميولها صوب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وكان الرئيس رجب طيب أردوغان أعلن في ديسمبر (كانون الأول) 2025 عن مبادرة طموحة بعنوان "رؤية لعالم ناطق بالتركية"، التي تهدف إلى إنشاء عملة رقمية موحدة لجميع الدول التركية. ودعا إلى زيادة التبادل التجاري بين أنقرة وأذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان وتركمانستان وأوزبكستان من 16 مليار دولار حالياً إلى 100 مليار دولار سنوياً. وذلك فضلاً عن محاولات استمالة البلدان التركية لتبني الأبجدية التركية بدلاً من السيريلية (السلافية) التي لطالما كانت ولا تزال أساساً لكثير من لغات الشعوب السوفياتية السابقة.

قمة "الذكاء الصناعي والتنمية الرقمية"

وفي 15 مايو (أيار) الجاري افتُتحت في أستانة، عاصمة كازاخستان، قمة غير رسمية لـ"منظمة الدول التركية الأصول" (Organization of Turkic States)، تحت شعار "الذكاء الاصطناعي والتنمية الرقمية". وقالت المصادر الرسمية، إن هذه القمة وفي ظل النظام العالمي المتغير، لا تهدف إلى وضع مبادئ توجيهية جديدة للمجتمع التركي فحسب، بل وإلى تعزيز سيادة آسيا الوسطى أيضاً". وذلك في إطار ما سبق وكشفت عنه تركيا من محاولات للم شمل البلدان التركية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي السابق.

وكشفت المصادر الرسمية في أستانة عن أن دولاً أخرى تبدي اهتمامها بالانضمام إلى هذه المنظمة. وأضافت أنه يجري العمل على استحداث صيغة جديدة، "OTG+"، للحوار معها. ومن بين الدول المهتمة: الولايات المتحدة واليابان وإسرائيل والصين والمملكة المتحدة وأوكرانيا. وأشار الرئيس التركي إلى توقيع "إعلان تركستان" مع قادة "الدول التركية"، بهدف تعزيز فعالية التعاون من خلال فرص التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. وأكد أن الإعلان ينص على تعزيز عمليات التكامل المؤسسي بين الدول التركية بما يتماشى مع متطلبات العصر الرقمي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن اللافت في صدد هذه القمة غير الرسمية، مشاركة رئيس جمهورية شمال قبرص التركية، توفان إرهورمان. وفي هذا الصدد قال أردوغان، "إننا نولي أهمية بالغة لمشاركة جمهورية شمال قبرص التركية، التي تُعد جزءاً لا يتجزأ من العالم التركي، في أنشطة المنظمة". ومضى أردوغان ليقول إن "العالم التركي يبذل كل ما يلزم لاستيعاب القبارصة الأتراك"، معرباً عن ثقته بأن "رئاسة تركيا لمنظمة السلام والعدالة، التي ستتولاها بعد القمة الـ13 هذا الخريف، ستنقل المنظمة إلى مستوى أعلى من التطور". وأضاف أنه يعتقد بضرورة اضطلاع دول المنطقة بحل ما تواجهه منطقتهم من مشاكل. ورداً على سؤال حول سبب عدم حل الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر، صرح الرئيس التركي بأن أحد العوامل الرئيسة وراء الأزمة هو "استفزازات إسرائيل المتواصلة"، مشيراً إلى أن تل أبيب، التي قال إنها "انقادت وراء بعض الأحلام والأفكار الطوباوية، أثبتت مراراً وتكراراً أنها مستعدة لإشعال نار الفتنة في المنطقة لتحقيق طموحاتها". وأضاف أن "إسرائيل تريد أن تمتد هذه الحرب إلى جميع أنحاء المنطقة، وأن يزداد عدم اليقين فيها. ولذا، فمن الضروري أولاً وقبل كل شيء تحييد استفزازات إسرائيل، ثم بناء سلام حقيقي". وإذ قال أردوغان إن بلاده تبذل، وستواصل بذل كل ما في وسعها لحل هذه الفوضى قبل أن تتفاقم إلى وضع أكثر تعقيداً، عاد ليؤكد أن مشاكل المنطقة يجب أن تُحل من قِبل دولها. وإنه "يجب علينا جميعاً تكثيف الجهود المشتركة لضمان الهدوء والاستقرار والسلام، ووضع حد لهذه الصراعات الدموية. وإذا كانت المنطقة ترغب حقاً في استقرار دائم، فعلى الجميع التخلي عن الاعتبارات قصيرة الأجل. يجب على الدول حماية مصالح بلدانها ومواطنيها، لا حقوق الشركات الدولية والجهات الخارجية".

منتدى قازان... "روسيا والعالم الإسلامي"

ومن دون إعلان مسبق، وبعيداً من أي إسقاطات سياسية أو إعلانات رسمية عُقد في قازان عاصمة تتارستان "المنتدى الاقتصادي الـ17 "روسيا – العالم الإسلامي"، الذي يمكن أن يكون في جوهره ومعناه واتجاهاته، رداً أو تعليقاً غير مباشر على "القمة غير الرسمية للبلدان التركية"، التي عُقِدت في أستانة عاصمة كازاخستان. فقد جمع المنتدى قرابة 20 ألف ضيف يمثلون 99 دولة من شركاء روسيا من مختلف البلدان والقارات، ممن يرتبطون بروسيا بعلاقات تاريخية وثيقة تمتد إلى أعوام طويلة مضت.  

أما عن أعمال هذا المنتدى، فقد جرت وفق أربعة محاور رئيسة وهي "الدبلوماسية الأفقية"، والتعاون الإنساني الدولي والتفاعل بين الثقافات، والشراكة الأوروآسيوية، والدبلوماسية في العصر الرقمي.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، ننقل عن ياروسلاف سكوفورتسوف عميد كلية الصحافة الدولية في جامعة العلاقات الدولية ما قاله في عرضه حول "الدبلوماسية الأفقية": "إن أي تحولات تقنية أو تكنولوجية أو اجتماعية تؤثر حتماً على الفضاء الإعلامي، بعض الأشياء تبقى، وبعضها يزول". ووفقاً له، فإن هذا هو السبب تحديداً وراء تحوّل الروابط الأفقية إلى وسيلة لا غنى عنها "لمزامنة الجهود"، واختبار الابتكارات من حيث أهميتها واستمراريتها.

وخلص المتحدث إلى القول "صدقوني... على الرغم من كل شيء، فإن هذه الروابط الأفقية لا تزال قائمة مع أصدقائنا في أوروبا، فالمحترفون يدركون قيمتها". وفي ختام كلمته، أشار سكفوتسوف إلى أن مراعاة الاختلافات بين الثقافات والحضارات في نظام التواصل بين الثقافات أمر بالغ الأهمية اليوم، "ويمكن لممارسة التواصل الأفقي أن تعالج هذا الأمر".

هذا وقد شهد المنتدى مئات الاجتماعات والمؤتمرات، إلى جانب توقيع عشرات الاتفاقيات، ومواصلة الحوارات التي بدأت في تتارستان منذ انعقاد دورته الأولى في يونيو (حزيران) 2009. وكان المنتدى منصة مناسبة لمناقشة أهم الموضوعات المتعلقة بتطوير التعاون العلمي والتكنولوجي بين روسيا والعالم الإسلامي، وتطوير التعليم الحديث، فضلاً عن حماية التراث الثقافي، والهوية الوطنية للشعوب المختلفة، ونقل التراث الثقافي والروحي وهي الموضوعات التي نوقشت في مؤتمر وزراء ثقافة منظمة التعاون الإسلامي الذي عُقد ضمن برنامج أعمال هذا المنتدى.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير