ملخص
يبدو جلياً أن العلاقات الدولية المعاصرة تغيرت كثيراً وأصبحت ترجمة مباشرة للتفوق العلمي غير المسبوق في مراكز الأبحاث، خصوصاً في صناعة السلاح الذي تفوقت فيه العسكرية الأميركية على نحو غير مسبوق، وها هو العالم يحبس أنفاسه ترقباً لقرار طائش من واشنطن أو صياغة مبهمة من طهران أو محاولة خبيثة من إسرائيل.
لقد تمخضت الحرب العالمية الثانية عن نظام دولي وإقليمي تحددت به ملامح الجغرافيا السياسية لدول العالم المعاصر، إذ إن الأمم المتحدة التي كانت نتاج تلك الفترة كانت هي أيضاً بتعبير أدق حلف المنتصرين، ولذلك كان طبيعياً أن ينعكس ذلك على التنظيم الدولي الجديد، فكانت العضوية الدائمة لمجلس الأمن مقصورة على الدول الأوروبية التي شاركت في الحرب العالمية الثانية وأضحت التركيبة الجديدة معبرة عن مراكز القوى الدولية المعاصرة حتى انضمت الصين إلى عضوية مجلس الأمن وتأمل الجميع أن تتحول الصورة على نحو مختلف، خصوصاً في ظل أجواء الحرب الباردة التي سادت المجتمع الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى سقوط حائط برلين وانتقال العالم من مرحلة الاستقطاب الثنائي الذي انتهى بانهيار الاتحاد السوفياتي السابق إلى مرحلة جديدة يمكن أن نطلق عليها "مرحلة الهيمنة الأميركية" التي أعادت من صفحات التاريخ فصولاً جديدة عن مفهوم السلام الأميركي على غرار السلام الروماني، ظل حلف الأطلسي هو الوعاء السياسي للدول على ضفتي المحيط الأوروبية والأميركية، وبذلك كان النظام الدفاعي عن أوروبا مرتبطاً تماماً بالنظام الدفاعي الغربي عموماً بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.
ويكفي أن نتذكر أن الرئيس الأميركي السابق دوايت أيزنهاور كان هو قائد قوات الحلفاء خلال حرب النصر النهائي التي انتهت بها الحرب العالمية الثانية، ولقد فطن الروس وحلفاؤهم إلى الحلف الأوروبي الغربي وأخطاره على التوازن المطلوب بين الكتلتين، فكان ميلاد "حلف وارسو" ومقره في العاصمة البولندية، وبذلك تشكلت القطبية الثنائية على مسرح الأحداث، كما جرت اختبارات حادة لتلك الثنائية مثل ما حصل في مطلع الستينيات وأطلق عليه الخبراء العسكريون "أزمة خليج الخنازير" التي وضعت العالم وقتها على حافة الحرب العالمية الثالثة، وحبست الدنيا أنفاسها أمام ذلك الصدام المرتبط بالحصار على الدولة الكوبية، في وقت احتدم الصراع حتى خلع الزعيم السوفياتي خروتشوف حذاءه وهو على مقعده في المنظمة الدولية الأولى، تعبيراً عن حدة الاحتجاج وتدهور الوضع الدولي حينذاك.
ولأن الولايات المتحدة الأميركية اختارت منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، بل منذ استقلالها عن المملكة المتحدة أن تكون دولة محاربة تعيش في ظل مواجهات عسكرية بدءاً من الحرب الكورية إلى القتال في فيتنام ثم حروبها المتتالية في أفغانستان والعراق وغيرها من المواجهات التي تورطت فيها واشنطن وكانت نهايتها دائماً التحول إلى صراع مفتوح ينزف دماً في كل الأحوال وقد دفعت ثمنه دائماً شعوب العالم الثالث، خصوصاً في آسيا وأفريقيا، فضلاً عن الانقلابات العسكرية التي وقفت وراءها واشنطن في بعض دول أميركا اللاتينية، ولذلك ظل النظام الدفاعي العالمي مرتبطاً بخرائط وسياسات "البنتاغون" وإرادة ساكن البيت الأبيض صاحب السلطات الواسعة التي لا مثيل لها في عصرنا، مما أعطى الرئيس الأميركي دائماً إمكانات متاحة سياسياً وعسكرياً جعلته بحق حاملاً لمفاتيح الحرب والسلام في معظم الأوقات.
ولقد ظلت دول أوروبا الغربية أو ما أطلقت عليها واشنطن لقب "عواجيز الفرح" في أوروبا معتمدة ضمن نظمها الدفاعية على الولايات المتحدة الأميركية التي احتفظت بقوات رمزية في عدد من عواصم الأطلسي داخل القارة الأوروبية، وعلى رغم صحوة الصين، ذلك التنين الأصفر الذي يمثل بلا نزاع القوة الاقتصادية الثانية في عالمنا المعاصر قد أثرت هي الأخرى في موازين القوى، في وقت توارت روسيا الاتحادية لفترة محدودة إلى أن جاءت الحرب الأوكرانية- الروسية لكي تمثل مصدر إزعاج شديد لنظرية الأمن الأوروبي وتداعياته.
ونظر الأوروبيون إلى واشنطن على أنها قائدة المعسكر الغربي ورائدة نظامه الدفاعي، بخاصة أن روسيا توقفت تماماً أمام احتمال انضمام أوكرانيا إلى حلف الأطلسي على نحو جعل المواجهة بين الكتلتين على المحك من كل اتجاه، بل اقتربت في بعض الأحيان من الإنذار المبكر لمواجهة عالمية توحي بحرب شاملة تكون تدميراً للحضارة الإنسانية والتقدم التكنولوجي كما نراهما.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهنا نلفت النظر إلى عدد من الملاحظات المرتبطة بنظام الدفاع المشترك بين أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية ونعني بذلك ما يلي:
أولاً، إن العلاقات الأوروبية- الأميركية لم تكُن سخاءً رخاءً في كل الأوقات، فلا نزال نذكر الموقف الأوروبي عموماً والفرنسي خصوصاً من الحرب على العراق، وكيف أنه كانت هناك أصوات عاقلة وعادلة تدعو إلى التريث وتحاول إيقاف الاندفاع الأميركي الذي يهوى المعارك الجانبية والحروب الإقليمية، كما أن الرفض العالمي لحرب فيتنام كان هو الآخر دليلاً على الهوة في الفكر الاستراتيجي والتصور الجيوسياسي بين الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.
ثانياً، إن النظام الدفاعي المرتبط بالحلف الأطلسي يضم دولاً تنتمي إلى حضارات وثقافات مختلفة ويكفي أن نتذكر عضوية تركيا للحلف ودورها المهم في غرب آسيا، بينما اندفعت الولايات المتحدة الأميركية في دعم إسرائيل عسكرياً وسياسياً ولكنها لم تتمكن من إقناع كل دول الأطلسي بسياساتها المنحازة إلى إسرائيل، فكانت هناك ألوان مختلفة من الدعم والتأييد لدولة إسرائيل في ظل تعاطف بعض دول الحلف مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة التي طال عليها الأمد ودفع فيها الفلسطينيون والعرب أثماناً فادحة.
وجدير بالذكر أن أعوام العد التنازلي للعمر الافتراضي لمنظومة الأطلسي قد بدأت بالفعل، إذ لا توجد إرادة فاعلة للدفاع عن استراتيجية موحدة لدول الأطلسي، ولعل المشهد الراهن على الساحة الدولية يؤكد ذلك، فما أكثر منتقدي سياسات الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب في عدد من العواصم الغربية التي جاهر حكامها بضرورة التخلي عن التطرف السائد في قرارات البيت الأبيض، حيث المناخ المسيطر هو مناخ يؤمن بما نسميه "سلام القوة" وهو الذي يجعل الحل ملتهباً على الدوام لإمكان تحقيق انتصارات ولو وقتية ولكن تطرحها الإدارة الأميركية الحالية ضمن شعارات المرحلة وأهدافها من المنظور القريب في الأقل.
ثالثاً، إن الدب الروسي المعني تماماً بامتدادات الأطلسي وانكماشه المرحلي يراهن على ما يمكن من استنزاف لفاعليات الحلف وتأثيراتها في المستقبل، ويتجلى ذلك في الدعم العسكري السابق والتكنولوجي الواضح من جانب موسكو وبكين لنظام الملالي في طهران والرغبة في الحيلولة دون انهياره بمنطق أن عدو عدوي هو صديقي.
رابعاً، قد يقول قائل إن العالم المعاصر يقوم على تركيبة متجانسة لبناء موحد للحضارة الغربية بينما تبدو روسيا الاتحادية أبعد من ذلك، بل تبدو الصين أبعد ما تكون من الفكر السائد في واشنطن وتداعياته على العالم الحديث، كما أن التقدم التكنولوجي الصيني والروسي يدفعان موسكو وبكين إلى آفاق جديدة لم تكُن واردة من قبل، فالحرب الحديثة هي حرب تكنولوجية تعتمد على أجهزة جديدة من الممكن أن يصل مداها إلى القدرة على مواجهة التطور السريع للأبحاث العلمية والدراسات المتطورة في عصر الذكاء الاصطناعي وملحقاته.
من هذه الملاحظات السريعة يبدو جلياً أن العلاقات الدولية المعاصرة تغيرت كثيراً وأصبحت ترجمة مباشرة للتفوق العلمي غير المسبوق في مراكز الأبحاث، خصوصاً في صناعة السلاح الذي تفوقت فيه العسكرية الأميركية على نحو غير مسبوق، وها هو العالم يحبس أنفاسه ترقباً لقرار طائش من واشنطن أو صياغة مبهمة من طهران أو محاولة خبيثة من إسرائيل، ولكن الأمر الذي لا خلاف عليه هو أن الجميع يرقب ما يجري وينتظر انتصاراً للعقل على الاندفاع الطائش تجاه مواصلة القتال والعودة لمنصة الحروب، كما أن الأمر لا يزال معقوداً على نتائج قمة بكين بين الصين والولايات المتحدة واحتمالات وجود مقايضة خفية ولكنها تنزع شرارة الحرب وتصل بالعالم إلى وضع أفضل.