Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا استقبل الأردن وفد "الكنيست" في مستهل السلام

خلافات داخل القيادة الإسرائيلية حول إدارة العلاقات مع عمان عام 1995 ونائب رئيس "الموساد" يحتفظ بـ"الدور الحاسم"

تداخلت التحركات السياسية والدبلوماسية مع مشاريع المياه والزراعة والاقتصاد كمحاولة لبناء علاقات جديدة (اندبندنت عربية)

ملخص

تؤكد الوثائق أن زيارة وفد الكنيست إلى عمان كانت إحدى أبرز المحطات في هذا المسار، لأنها جسدت الانتقال من الدبلوماسية السرية إلى الحوار العلني، ورسخت رؤية أردنية تعتبر أن السلام الحقيقي لا يتحقق فقط عبر الاتفاقات السياسية، بل عبر بناء شبكات تعاون اقتصادي ومائي وزراعي وأمني قادرة على الصمود أمام الأزمات والتحديات الإقليمية.

تشير الوثائق المحفوظة في الأرشيف الوطني البريطاني، ضمن الملف المرجعي FCO 93/8487 المعنون بـ"مفاوضات السلام في الشرق الأوسط: المفاوضات بين إسرائيل والأردن"، الذي يغطي الفترة الممتدة من الأول من يناير (كانون الثاني) حتى الـ31 من ديسمبر (كانون الأول) 1995، إلى أن تلك المرحلة شكلت واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ العلاقات الأردنية - الإسرائيلية بعد توقيع معاهدة السلام.

وتؤكد الوثائق، التي فُتح ملفها رسمياً أمام الباحثين في الـ23 من يناير 2026، أن عام 1995 لم يكن مجرد عام لتنفيذ بنود معاهدة "وادي عربة"، بل كان عاماً لإعادة تشكيل العلاقة بين البلدين على المستويات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والأمنية، عبر سلسلة من التحركات الرسمية والاتصالات البرلمانية والاتفاقات الفنية التي هدفت إلى تحويل السلام من إطار سياسي نظري إلى واقع مؤسساتي دائم.

وتذكر الوثائق أن من أبرز الأحداث التي عكست هذا التحول كانت زيارة وفد الكنيست الإسرائيلي إلى العاصمة الأردنية عمان في فبراير (شباط) 1995 بدعوة مباشرة من الملك الحسين بن طلال، وهي الزيارة التي اعتُبرت في حينها خطوة ذات أهمية سياسية ورمزية استثنائية. وتوضح الوثائق أن الوفد ضم 30 عضواً من الكنيست يمثلون مختلف الكتل السياسية الإسرائيلية الرئيسة، الأمر الذي منح الزيارة ثقلاً سياسياً كبيراً، ورسالة واضحة بأن عملية السلام تحظى بقبول داخل قطاعات واسعة من المشهد السياسي الإسرائيلي.

مرحلة الحوار العلني

كذا تؤكد الوثائق أن أهمية الزيارة لم تكن فقط في الملفات التي نوقشت خلالها، وإنما في كونها جسدت انتقال العلاقات من مرحلة الاتصالات السرية والقنوات الخلفية إلى مرحلة الحوار العلني والمؤسساتي المباشر بين الطرفين. وتشير إلى أن القيادة الأردنية، وعلى رأسها الملك الحسين وولي العهد الأمير الحسن بن طلال، كانت تنظر إلى هذه الزيارة باعتبارها وسيلة للحفاظ على زخم التطبيع وإظهار "ثمار السلام" للرأي العام الأردني، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي كان يمر بها الأردن آنذاك.

وتوضح الوثائق أن ولي العهد الأمير الحسن أدى دوراً محورياً خلال لقاءاته مع الوفد الإسرائيلي، إذ شدد على ضرورة الانتقال من مرحلة "صنع السلام" إلى مرحلة "بناء السلام"، مؤكداً أن توقيع المعاهدات وحده لا يكفي لضمان الاستقرار، بل لا بد من بناء مصالح اقتصادية ومؤسسات تعاون دائمة تجعل السلام واقعاً ملموساً.

وتؤكد الوثائق أن الأمير الحسن كان صريحاً في حديثه مع أعضاء الكنيست، إذ حذرهم من تبني "نبرة اعتذارية" أو سلبية تجاه عملية السلام، داعياً إلى تبني خطاب قوي وإيجابي يعزز الثقة المتبادلة، وأوضح أن فوائد السلام قد تتأخر في الظهور بسبب الوضع الاقتصادي الأردني الصعب، مشيراً إلى أن قدرة الأردن على القيام بدوره الكامل في عملية السلام تتطلب دعماً دولياً واستراتيجية تعاون مع دائني الأردن والمؤسسات الاقتصادية الدولية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتذكر أن الأمير الحسن طرح خلال هذه اللقاءات رؤيته لإنشاء بنك التنمية للشرق الأوسط وعقد مؤتمر عمان الاقتصادي عام 1995 باعتبارهما أداتين اقتصاديتين إقليميتين تهدفان إلى تحويل السلام إلى مشروع تنموي واستثماري طويل الأمد.

وتوضح الوثائق أن زيارة وفد الكنيست لم تكن حدثاً بروتوكولياً فحسب، بل شكلت بداية لمأسسة العلاقات البرلمانية والسياسية بين الجانبين، إذ ناقش الوفد مع كبار المسؤولين الأردنيين، بمن فيهم رئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي، سبل توسيع الاتصالات الثنائية في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية، وتشير إلى أن مجرد انعقاد هذه اللقاءات في عمان كان يحمل دلالة سياسية عميقة، إذ أرادت القيادة الأردنية إظهار أن السلام لم يعد مجرد توقيع على الورق، بل أصبح إطاراً دائماً للعلاقات الإقليمية.

وتكشف أن هذا المسار تزامن مع تطورات دبلوماسية مهمة، أبرزها تعيين شمعون شامير كأول سفير لإسرائيل لدى الأردن عام 1995. وتؤكد الوثائق أن هذا التعيين جاء بعد خلاف طويل بين رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين ووزير الخارجية شمعون بيريز، فقد كان رابين يفضل تعيين نائب رئيس "الموساد" مبعوثه الشخصي والسري إلى الملك الحسين، إفرايم هليفي، نظراً إلى الدور الحاسم الذي أداه في إدارة الاتصالات السرية ومفاوضات السلام بين الجانبين، غير أن بيريز عارض هذا الخيار بشدة، مصراً على ضرورة أن تمر العلاقات مع الأردن عبر وزارة الخارجية والقنوات الدبلوماسية الرسمية، منعاً لاستمرار تهميش الوزارة لصالح القنوات الأمنية السرية.

وتذكر الوثائق أن هذا الخلاف استمر فترة طويلة قبل أن يتم حسمه في اجتماع مطول بين رابين وبيريز في الـ15 من فبراير (شباط) 1995، حين تم الاتفاق على اختيار البروفيسور شمعون شامير كمرشح تسوية لمنصب السفير في عمان، فيما مُنح إفرايم هليفي منصب سفير إسرائيل لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل كنوع من التعويض السياسي والدبلوماسي. وتؤكد الوثائق أن اختيار شامير لم يكن عشوائياً، بل استند إلى سمعته كشخصية معتدلة وذات خبرة دبلوماسية واسعة، بخاصة بعد عمله سفيراً لإسرائيل في مصر بين عامي 1988 و1990.

وتشير إلى أن خبرة شامير السابقة في القاهرة أدت دوراً محورياً في اعتباره شخصية مناسبة لتأسيس العلاقات الدبلوماسية مع الأردن، إذ اكتسب سمعة كدبلوماسي عالي الكفاءة وصاحب آراء معتدلة، وتذكر الوثائق أنه استقال من منصبه كسفير في مصر بعد انهيار حكومة الوحدة الوطنية وصعود حكومة الليكود، مما عزز صورته كشخصية قريبة من معسكر السلام، وبعد مغادرته القاهرة، عاد شامير إلى العمل الأكاديمي في جامعة "تل أبيب"، وشارك في مبادرات غير رسمية داعمة لعملية السلام، من بينها مشاركته في ندوة حول قضايا الوضع النهائي بالمغرب عام 1994.

في المقابل، أظهرت الوثائق أن إفرايم هليفي ظل يُنظر إليه باعتباره "مهندس الظل" في مفاوضات السلام الأردنية - الإسرائيلية، نظراً إلى دوره كمبعوث شخصي وسري لرابين، وإدارته القنوات الخلفية مع الملك الحسين بعيداً من الأطر الرسمية. وتوضح الوثائق أن هليفي كان الشخصية التي اعتمد عليها رابين لإدارة الملفات الحساسة، غير أن بيريز رأى أن استمرار هذا النمط من العلاقات يهدد مأسسة العلاقات الدبلوماسية ويهمش وزارة الخارجية، لذلك جاءت تسوية بروكسل كحل يحفظ مكانة هليفي من دون منحه الملف الأردني.

وتذكر الوثائق أيضاً أن نقابة موظفي وزارة الخارجية الإسرائيلية احتجت على تعيين شخصيات من خارج السلك الدبلوماسي، مثل شامير وهليفي، بحجة أن عدد السفراء المعينين من خارج الوزارة تجاوز الحد المتفق عليه وهو 18 سفيراً فقط، معتبرة أن هذه السياسة تضر بمسار الدبلوماسيين المهنيين داخل الوزارة.

المياه الأكثر حساسية

وفي موازاة التحركات السياسية والدبلوماسية، تكشف الوثائق أن التعاون الاقتصادي والزراعي والمائي كان يُنظر إليه كأحد أهم أعمدة تثبيت السلام، وتشير إلى أن بروتوكول التعاون الزراعي بين الأردن وإسرائيل، المستند إلى المادة 22 من معاهدة السلام، تضمن مجالات واسعة من التعاون شملت حماية وإنتاج المحاصيل الزراعية، وصحة الحيوان، وإنتاج الدواجن، وبرامج التكنولوجيا الحيوية الزراعية، وضبط الجودة والمواصفات، وتبادل البيانات التسويقية، إضافة إلى مشاريع مكافحة التصحر وتطوير المراعي والمحميات الطبيعية ومعالجة مياه الصرف الصحي.

وأفادت الوثائق أن تنفيذ هذه البرامج كان من المفترض أن يتم عبر تبادل العلماء والمتخصصين، وتنظيم برامج تدريبية وورش عمل ومؤتمرات مشتركة، في إطار رؤية تهدف إلى خلق اعتماد متبادل طويل الأمد بين البلدين، كذا تشير إلى أن مشاريع مكافحة التصحر وتطوير المراعي كانت تُطرح كأمثلة على إمكان تحويل السلام إلى تعاون تنموي مباشر يمس القطاعات الحيوية في المنطقة.

أما ملف المياه فتوضح الوثائق أنه كان من أعقد الملفات وأكثرها حساسية، إذ نصت التفاهمات على تزويد الأردن بـ20 مليون متر مكعب من المياه خلال خمسة أشهر تبدأ في مايو (أيار) 1995، مع استمرار المفاوضات في شأن توفير 50 مليون متر مكعب إضافية، وتذكر أن لجنة المياه الأردنية - الإسرائيلية المشتركة عقدت اجتماعات دورية لمناقشة الترتيبات الفنية اللازمة لتنفيذ الاتفاق، بما في ذلك نقل المياه من جنوب بحيرة طبريا إلى قناة الملك عبدالله، وإنشاء مخزن تحويلي في منطقة العدسية، وبناء سدود تخزينية على نهري الأردن واليرموك.

وتؤكد الوثائق أن هذه المشاريع واجهت تحديات تقنية وتمويلية معقدة، خصوصاً في ما يتعلق بتحديد مصادر المياه الإضافية والبنية التحتية المطلوبة لنقلها وتخزينها، ومع ذلك، كانت القيادة الأردنية ترى في هذه المشاريع جزءاً من عملية "بناء السلام"، باعتبار أن التعاون في ملف حيوي كالمياه يمكن أن يقلل من احتمالات الصراع مستقبلاً، ويخلق مصالح مشتركة طويلة الأمد.

وتطرقت الوثائق إلى مؤتمر عمان الاقتصادي، المقرر عقده في أكتوبر (تشرين الأول) 1995، كان يُنظر إليه باعتباره منصة إقليمية ودولية لجذب الاستثمارات وتعزيز التعاون الاقتصادي بين دول المنطقة. وتؤكد أن الأمير الحسن رأى في المؤتمر، إلى جانب مشروع بنك التنمية للشرق الأوسط، وسيلتين ضروريتين لدعم الاقتصاد الأردني وتخفيف أعباء الديون، بما يسمح للأردن بالاستمرار في أداء دوره الإقليمي ضمن عملية السلام.

وفي المجمل، تبين الوثائق البريطانية الخاصة بملف FCO 93/8487 أن عام 1995 مثل مرحلة تأسيسية في العلاقات الأردنية - الإسرائيلية، إذ تداخلت فيه التحركات السياسية والدبلوماسية مع مشاريع المياه والزراعة والاقتصاد، في محاولة لبناء نموذج جديد من العلاقات الإقليمية قائم على التعاون المؤسسي والمصالح المشتركة. وتؤكد الوثائق أن زيارة وفد الكنيست إلى عمان كانت إحدى أبرز المحطات في هذا المسار، لأنها جسدت الانتقال من الدبلوماسية السرية إلى الحوار العلني، ورسخت رؤية أردنية تعتبر أن السلام الحقيقي لا يتحقق فقط عبر الاتفاقات السياسية، بل عبر بناء شبكات تعاون اقتصادي ومائي وزراعي وأمني قادرة على الصمود أمام الأزمات والتحديات الإقليمية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير