ملخص
تشهد بريطانيا موجة متسارعة من بيع الأصول وتفكيك الشركات الكبرى تحت ضغط تباطؤ الاقتصاد والمستثمرين الناشطين، مما يثير مخاوف من تحول أشهر العلامات التجارية البريطانية إلى أهداف سهلة للاستحواذ الأجنبي، وسط تساؤلات متزايدة حول أثر ذلك في الاقتصاد وسوق العمل على المدى الطويل.
قد يتراءى للمراقب أن قطاع الشركات البريطاني بات يرزح تحت حصار فعلي.
فموجة بيع الأصول وعمليات التخارج التي قادتها حديثاً كيانات كبرى مثل "بي بي" BP و"جي أس كيه" GSK و"ريكيت بنكيسر" Reckitt Benckiser و"ويت بريد" Whitbread، أفضت إلى انتقال ملكية علامات تجارية شهيرة من بينها "كاسترول" Castrol و"كالغون" Calgon و"أكوافريش" Aquafresh ومثلجات "ماغنوم" Magnum و"بن أند جيريز" Ben & Jerry’s و"كوستا كوفي" Costa Coffee إلى قبضة ملاك جدد.
ويبدو أن هناك أسماء شركات شهيرة أخرى على وشك تغيير مالكيها.
وتشير التقارير إلى أن مجموعة "أسوشيتد بريتيش فودز" Associated British Foods تدرس فصل أنشطة "برايمارك" Primark للأزياء السريعة وتحويلها إلى كيان مستقل. وفي الوقت ذاته، طرحت "ماكورميك" McCormick الأميركية عرضاً للاستحواذ على قطاع الأغذية في "يونيليفر" Unilever الذي يضم علامتي "كنور" Knorr و"هيلمانز" Hellmann.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتسود تكهنات بأن اهتمام "ماكورميك" ينصب بالأساس على قطاع الصلصات والتوابل التابعة ليونيليفر، أكثر من "مارمايت" Marmite وبعض منتجاتها الشهيرة الأخرى. وقد يعني ذلك أن بعض الأسماء التجارية قد تُباع سريعاً من جانب المالك الجديد إذا نُفذت الصفقة.
فما الذي يحدث إذاً؟
تأثير محلي... واتجاه عالمي
من زاوية معينة، قد يبدو المشهد مجرد حلقة في دورة المال والأعمال الاعتيادية، فخلال عام 2025، استحوذت "كارلسبرغ" Carlsberg على شركة "بريتفيك" Britvic، بينما انتقلت ملكية "دبليو أتش سميث" WH Smith إلى "موديلا كابيتال" Modella Capital، لتبدأ بعدها عملية تفكيك أوصال شركة التجزئة التاريخية.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ يخيّم شبح التفكيك أيضاً على "راسل أند بروملي" Russell & Bromley، سلسلة الأحذية الراقية، في سيناريو قد يفضي إلى فصل منصتها الرقمية عن متاجرها التقليدية.
ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة هذا المشهد من منظور إيجابي، فالعلامات التجارية البريطانية لا تزال تحظى بجاذبية واسعة لدى المستثمرين الأجانب، كذلك فإن هذه الصفقات تضفي حالاً من الزخم على نشاط الحي المالي في لندن، إذ يجني المصرفيون مكافآت مجزية يدفعون عليها ضرائب للدولة.
أما الوجه الآخر للعملة، فهو الشعور المتنامي بأن المملكة المتحدة باتت "معروضة للبيع" لمن يدفع الثمن، أو حتى بأقل من قيمتها الحقيقية، وسط انطباع بأن المستثمرين المحليين يغفلون عن تقدير أصول تبدو مغرياتُها واضحة للعيان.
وفي ظل اقتصاد متباطئ وعملة محلية ضعيفة، تجد الشركات البريطانية نفسها تفتقر إلى خطوط الدفاع اللازمة لصد عروض الاستحواذ المنهالة عليها.
ومع ذلك، يرى المتخصص في الأسواق المالية لدى "أي جيه بيل" AJ Bell، راس مولد، أن هذه الظاهرة ليست شأناً بريطانياً خالصاً، قائلاً "نحن أمام توجه عالمي، ففي عام 2023، انقسمت ’كيلوغ‘ Kellogg إلى كيانين مستقلين، إذ استأثرت ’كيلانوفا‘ Kellanova بعلامات الوجبات الخفيفة مثل ’برينغلز‘ Pringles و’بوب تارتس‘ Pop-Tarts، فيما تولت ’دبليو كيه كيلوغ‘ WK Kellogg إرث حبوب الإفطار".
ويضيف مولد "حتى "كرافت هاينز" Kraft-Heinz درست فترة وجيزة العام الماضي خيار فك الارتباط، في خطوة كانت ستؤدي إلى نقض اندماج ضخم يعود لعام 2015. وتسير "كيوريغ دكتور بيبر" Keurig Dr Pepper اليوم على درب الانقسام، فبعد صفقة مليارية استحوذت بموجبها على قطاع القهوة في "جيه دي إي بيتس" JDE Peet’s العام الماضي، تتجه الآن نحو عزل نشاط المشروبات عن القهوة ضمن شركتين مستقلتين".
لماذا تتخلى الشركات عن أصولها أو تقسم أنشطتها؟
غالباً ما يكمن الدافع الجوهري وراء هذه الصفقات في حقيقة بسيطة هي تهاوي أسعار الأسهم. فالشركات التي تواجه ضغوطاً في السوق تبحث عن "قوة دفع" سريعة، وأقصر الطرق لتحقيق ذلك هو التخلص من بعض قطاعاتها، مما يوفر سيولة فورية تُستخدم لاسترضاء المستثمرين المتشككين.
وثمة عامل حاسم آخر يتمثل في القفزة الحادة لتكاليف الاقتراض، فبعد عقد من الزمان استفادت فيه الشركات من قروض بأسعار فائدة تقترب من الصفر، تغيرت قواعد اللعبة كلياً.
واليوم، تجد الشركات التي راكمت ديوناً ضخمة نفسها مضطرة إلى خفض رافعتها المالية وتقليص مديونيتها، حتى لو اضطرها ذلك إلى بيع أصول كانت تفضل الاحتفاظ بها.
وفي ظل مناخ يسوده الحذر والاضطرابات الجيوسياسية العالمية، يفضل المستثمرون "عمليات بيع واضحة" على الانخراط في "صفقات تحولية" قد تنطوي على أخطار غير محسوبة.
ولا يمكن هنا إغفال الدور المحوري الذي يؤديه المستثمرون "الناشطون" مثل مجموعة "إليوت بارتنرز" Elliott Partners.
هؤلاء يُنظر إليهم من زاويتين متناقضتين، فهم إما "قروش استثمارية" تتربص بالكيانات الضعيفة لتفكيكها، وإما هم أداة ضرورية لضبط السوق وإخضاع الرؤساء التنفيذيين للمساءلة عند تراجع الأداء.
ويوضح المراقب المخضرم للأسواق، ديفيد بويك، هذا الدور قائلاً "من الإنصاف القول إن ’إليوت بارتنرز‘ هي الاسم الأبرز بين المستثمرين الناشطين، فهي تفرض نفوذها على الشركات التي تخفق في تقديم قيمة مضافة لمساهميها، أو تعاني ترهلاً في التكاليف وغياباً لخطط النمو الواضحة".
ويستشهد بويك بنموذج "يونيليفر"، مشيراً إلى أن الرئيس التنفيذي الأسبق، بول بولمان، وضع في 2018 خطة لتعظيم قيمة المساهمين بعد سلسلة من عمليات استحواذ ضخمة شملت 61 شركة على مدى ثلاثة عقود. لكن خلفه، آلان جوب، هو من اتخذ الخطوة الجريئة ببيع قطاع الآيس كريم (بما فيه علامة "ماغنوم") مقابل 7.8 مليار يورو.
وعلى رغم أن سهم "يونيليفر" قفز بنسبة 33 في المئة منذ 2023 وحتى اندلاع "حرب إيران" الأخيرة، فإن تداعيات الصراع في الشهر الماضي محت معظم تلك المكاسب. ومع ذلك، فإن الصفقة كانت استراتيجية وناجحة بمعزل عن الظروف العسكرية الطارئة.
المستثمرون الناشطون: شر لا بد منه؟
يقرّ أحد المصرفيين، مفضلاً عدم الكشف عن هويته، بضيق ذرعه من تزايد نفوذ المستثمرين الناشطين.
ويقول "لقد تجاوزت حمى التخارج وفصل الأنشطة حدودها المنطقية، إذ أعتقد أن الدافع المحرك لها بات مجرد محاولة لتهدئة استنفار المساهمين الناشطين. فبينما ينشد أغلب المستثمرين قدراً من التنوع في محافظهم، تحوّل هؤلاء الناشطون إلى "صداع مزمن" في رأس مجالس الإدارة، لا سيما وأن القوانين المنظمة للشركات تجعل مواجهة مطالبهم عملية باهظة التكلفة ومشتتة للجهود".
وفي المقابل، يرى مايكل براون، من شركة الوساطة "بيبرستون" Pepperstone ، وجهاً آخر لهذه الضغوط، معتبراً أنها تمثل "قوة دفع" ضرورية. ويوضح "على رغم السمعة السيئة التي تلاحق المستثمرين الناشطين، فإنهم يقدمون دفعة قوية – وربما ضغوطاً قاسية – لمجالس الإدارة لإعادة هيكلة عملياتها والتركيز على مجالات تميزها الأساسية". ويضيف براون: "ولعل شركة ’بي بي‘ هي النموذج الأبرز، فبتشجيع من مجموعة "إليوت" (وبالتنسيق مع الرئيسة التنفيذية الجديدة ميغ أونيل)، بدأت الشركة بالعودة إلى جذورها في قطاع النفط والغاز، متراجعة عن مغامراتها المكلفة في مجال الطاقة المتجددة". ويرى براون أنه "في حالة ’برايمارك‘ و’أسوشيتد بريتيش فودز‘ فإن المنطق ذاته ينطبق، إذ قد تسعى الأخيرة لإعادة التركيز على نشاطها السيادي في الغذاء والزراعة، نظراً إلى غياب التناغم الجوهري بين هذا القطاع وذراع الأزياء السريعة. ومع ذلك، تبقى الشركة حالة خاصة، فنموذجها القائم على التكتل التجاري أثبت جدواه خلال الجائحة كدرع حماية بفضل تنوع أنشطتها".
من جانبها، اكتفت "برايمارك" بالرد بأنها بصدد مراجعة الوضع، على أن تعود بمستجدات رسمية للسوق في وقت لاحق.
من القادم في مرمى الضغوط؟
يضيف براون "بالنظر إلى المستقبل، أظن أن المرشح الأكثر وضوحاً للسير في هذا المسار بعد ذلك سيكون ’مجموعة بورصة لندن‘ (LSEG). فهي تستوفي بعض الشروط المهمة في هذا السياق، مع امتلاك صندوق ’إليوت‘ الناشط حصة كبيرة، ومع كون الشركة كياناً متنوعاً يضم البورصة وقطاع البيانات ومنصة ’إيكون‘ Eikon".
ويستطرد براون، "على رغم أن استراتيجية 'إليوت' تتركز حالياً على إعادة السيولة للمساهمين عبر عمليات مكثفة لإعادة شراء الأسهم، فإنه من غير المستبعد أن تتحول البوصلة نحو خيار التقسيم أو تقسيم المجموعة إلى كيانات مستقلة لتعظيم القيمة المضافة وعوائد المساهمين".
ولا تحظى صناديق الملكية الخاصة عموماً بسمعة جيدة لدى الجمهور العام، لكنها تؤدي أدواراً مفيدة في بعض الأحيان، إذ قد تتولى إخراج الشركات المتعثرة من البورصة لتمنحها مساحة لإعادة ترتيب أوضاعها بعيداً من الضغوط اليومية لحركة أسعار الأسهم.
ومع ختام عام 2024، تعاونت "جيه بي جنكنز" JP Jenkins مع مجموعة "تي أتش جي" THG Group عندما سعت الأخيرة إلى فصل وحدة "إنجينيوتي" Ingenuity، والمتخصصة في حلول التجارة الإلكترونية. واليوم، تدرج الشركة المستقلة على منصة "جيه بي جنكنز"، حيث يتم تداول أسهمها عبر آلية مطابقة الصفقات.
وعلّق مات مولدينغ، مؤسس "تي أتش جي"، على هذه التجربة قائلاً، أكملت "إنجينيوتي" للتو عامها الأول كشركة خاصة بعد تخارجها من مظلة المجموعة الأم. لقد أخضعنا النشاط لتحولات جذرية عام 2025، تضمنت قرارات صعبة ومثيرة للجدل في حينها، لكن اتخاذها لم يكن ممكناً إلا بالخروج من تحت مجهر بورصة لندن للأوراق المالية.
أثمرت هذه الخطوة عن نتائج لافتة، إذ تضاعفت قيمة "تي أتش جي إنجينيوتي" ثلاث مرات خلال عام 2025، مما قد يجعل هذا النوع من التحركات الخيار المفضل لشركات أخرى.
أما الشركات المتمسكة بالبقاء في السوق العام، فتظل أهدافاً سهلة للاستحواذ من قِبل مستثمرين دوليين يمتلكون تدفقات نقدية ضخمة، سواء للاستحواذ الكامل أو اقتناص قطاعات حيوية منها. ويبقى التساؤل الجوهري قائماً: هل يصب هذا الاتجاه في مصلحة بريطانيا واقتصادها وسوق العمل على المدى الطويل؟
© The Independent