Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف قرأت مصر سلام التسعينيات مع إسرائيل؟

اعتبرته القاهرة خياراً استراتيجياً طويل الأمد يهدف إلى حماية استقرار المنطقة واحتواء التطرف ومنع انهيار النظام الإقليمي بالشرق الأوسط وأكدت أن معظم الدول العربية ستصل إليه عاجلاً أم آجلاً

ارتأت مصر أن نجاح عملية السلام لا يمكن أن يتحقق من خلال التفاهمات السياسية وحدها (اندبندنت عربية)

ملخص

أوضحت الوثيقة أن مصر كانت ترى في الدعم الاقتصادي والسياسي لياسر عرفات ضرورة استراتيجية، لأن ضعف السلطة الفلسطينية أو عجزها عن تحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين سيؤدي حتماً إلى تقوية الجماعات المتشددة المعارضة للتسوية، ولذلك طالبت القاهرة بزيادة الدعم الأوروبي لعرفات، وتسريع تنفيذ مشاريع البنية التحتية، ودعم أجهزة الشرطة الفلسطينية باعتبارها أدوات ضرورية لحفظ الاستقرار.

تشير وثائق دبلوماسية بريطانية، صادرة عن القاهرة في مايو (أيار) 1995، إلى أن الدولة المصرية كانت تنظر إلى عملية السلام في الشرق الأوسط باعتبارها "خياراً استراتيجياً طويل الأمد"، لا مجرد تكتيك سياسي موقت، مؤكدة أن القيادة المصرية كانت ترى السلام مع إسرائيل "قراراً غير قابل للتراجع"، وأن هذا القرار يرتبط مباشرة بـ"المصلحة الوطنية المصرية، وبفكرة الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، ومنع انزلاق المنطقة إلى موجات جديدة من العنف والتطرف".

وذكرت الوثيقة أن القاهرة كانت تمتلك قناعة راسخة بأن معظم الدول العربية ستصل، عاجلاً أم آجلاً، إلى النتيجة نفسها التي وصلت إليها مصر بعد اتفاقية السلام، حتى وإن اختلفت التوقيتات أو الظروف السياسية. ومن هذا المنطلق رأت القيادة المصرية أنها تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية تتمثل في تشجيع الأطراف العربية الأخرى على الاستمرار في مسار التسوية، وعدم التخلي عنه تحت ضغط الأزمات المرحلية.

استراتيجية النفس الطويل

وأكدت الوثيقة أن مصر تبنت ما وصفته الدبلوماسية البريطانية بـ"استراتيجية النفس الطويل أو اللعبة الطويلة"، وهي مقاربة تقوم على الصبر السياسي وإدارة الأزمات المتكررة من دون السماح بانهيار العملية السلمية بالكامل. وفي هذا السياق، أوضحت الوثيقة أن المسؤولين المصريين لم يشاركوا بعض الدوائر الغربية حال التشاؤم التي كانت تسود في تلك المرحلة، بل اعتبروا أن العقبات التي تواجه المفاوضات ليست سوى أزمات موقتة سبق أن ظهرت مراراً خلال مسار التسوية.

 

وقالت الوثيقة إن القاهرة كانت ترى نفسها في موقع فريد يسمح لها بأداء دور الوسيط والمسهل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مستفيدة من ثقلها العربي وخبرتها المباشرة في التعامل مع إسرائيل، وأشارت الوثيقة إلى أن القيادة المصرية كانت تؤمن بأن الحفاظ على الحوار، مهما كان متعثراً، أفضل بكثير من انهياره الكامل، لأن توقف المفاوضات من شأنه أن يفتح المجال أمام صعود القوى المتشددة في المنطقة.

وفي ما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل، بينت الوثيقة أن الدولة المصرية كانت تميز بوضوح بين السلام الرسمي بوصفه سياسة دولة، وبين فكرة التطبيع الشعبي الكامل، فقد رأت القاهرة أن السلام لا يعني بالضرورة فرض مشاعر الود تجاه الإسرائيليين داخل المجتمع المصري، وأن استمرار الانتقادات الشعبية أو الخطاب الحاد ضد إسرائيل لا يتناقض مع الالتزام الاستراتيجي بوقف الحرب واعتماد التفاوض بديلاً عن المواجهة العسكرية.

منطق الصراع المفتوح

ومن جهة أخرى أوضحت الوثيقة أن مصر كانت تشعر بقلق متزايد تجاه المسار الفلسطيني - الإسرائيلي، خصوصاً بسبب ما اعتبرته عدم رغبة إسرائيل في إحراز تقدم حقيقي في المفاوضات مع الفلسطينيين. وذكرت الوثيقة أن القاهرة كانت تنظر بقلق بالغ إلى تدهور الأوضاع داخل الأراضي المحتلة، معتبرة أن استمرار الجمود السياسي قد يؤدي إلى انفجار أمني واسع يقوض كل ما تحقق منذ اتفاقات أوسلو.

وتطرقت الوثيقة إلى أن المستشار الرئاسي المصري أسامة الباز كان أحد أهم الشخصيات المحورية في إدارة هذا الملف، فقد وصفته المراسلات البريطانية بأنه كان منتظماً بشكل مباشر في تفاصيل المفاوضات، وأنه كان يتابع عن قرب الاتصالات الفلسطينية - الإسرائيلية التي كانت تجرى في القاهرة، حتى في اللحظات التي كانت تبدو فيها العملية السياسية متوقفة تماماً.

 

وأضافت الوثيقة أن الباز لم يكن مجرد ناقل رسائل أو مستشار تقليدي، بل كان يمثل العقل التنفيذي والاستراتيجي للدور المصري في عملية السلام. وأشارت الوثيقة إلى أنه كان يمتلك معرفة دقيقة بما يحدث تحت السطح في المفاوضات، وأنه كان يسعى باستمرار إلى منع انهيار قطار السلام، سواء عبر التواصل المباشر مع الفلسطينيين أو عبر الضغط السياسي غير المعلن على الإسرائيليين.

وقالت الوثيقة إن القيادة المصرية، بما فيها أسامة الباز، كانت مستعدة للتعامل بصرامة مع جميع الأطراف إذا اقتضت الضرورة ذلك، بما في ذلك القيادة الفلسطينية نفسها، وذلك بهدف منع الجمود الكامل والحفاظ على استمرارية التفاوض. وقد عكست هذه المقاربة رؤية مصرية تعتبر أن استمرار العملية السياسية، حتى بصورتها الهشة، يظل أفضل من العودة إلى منطق الصراع المفتوح.

دعم ياسر عرفات سياسياً واقتصادياً

وفي الجانب الاقتصادي، استعرضت الوثيقة أن مصر كانت ترى أن نجاح عملية السلام لا يمكن أن يتحقق من خلال التفاهمات السياسية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى نتائج اقتصادية ملموسة يشعر بها الفلسطينيون على الأرض، بخاصة في قطاع غزة، ولهذا السبب ضغطت القاهرة بقوة على بريطانيا والاتحاد الأوروبي من أجل تسريع المساعدات الاقتصادية والتنموية المخصصة للفلسطينيين.

وأكدت الوثيقة أن المسؤولين المصريين كانوا يشعرون بإحباط متزايد بسبب البيروقراطية الأوروبية التي كانت تعرقل تنفيذ المشاريع داخل غزة. واعتبرت القاهرة أن التعقيدات الإدارية الأوروبية منعت تحويل النيات السياسية الداعمة للسلام إلى إنجازات عملية وملموسة يستطيع الفلسطيني العادي رؤيتها والاستفادة منها.

 

وأوضحت الوثيقة أن مصر كانت ترى في الدعم الاقتصادي والسياسي لياسر عرفات ضرورة استراتيجية، لأن ضعف السلطة الفلسطينية أو عجزها عن تحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين سيؤدي حتماً إلى تقوية الجماعات المتشددة المعارضة للتسوية، ولذلك طالبت القاهرة بزيادة الدعم الأوروبي لعرفات، وتسريع تنفيذ مشاريع البنية التحتية، ودعم أجهزة الشرطة الفلسطينية باعتبارها أدوات ضرورية لحفظ الاستقرار.

وقالت الوثيقة إن القاهرة كانت مقتنعة بأن التأخير في تنفيذ المشاريع الاقتصادية يضعف قدرة عرفات على إقناع الفلسطينيين بجدوى السلام، ويمنح خصومه فرصة لتصوير المفاوضات، باعتبارها عملية بلا نتائج حقيقية. ومن هذا المنطلق رأت مصر أن التنمية الاقتصادية لم تكن مجرد ملف إنساني، بل كانت جزءاً من معركة سياسية وأمنية مرتبطة بمستقبل الاعتدال الفلسطيني.

وفي السياق ذاته، أشارت الوثيقة إلى أن بريطانيا كانت تنظر بإيجابية إلى دعم أجهزة الشرطة الفلسطينية، واعتبرت أن هذه الخطوات تعكس التزاماً غربياً بدعم الاستقرار ومنع انهيار السلطة الفلسطينية. وأوضحت الوثيقة أن القاهرة كانت ترى في هذا النوع من الدعم العملي نموذجاً أكثر فاعلية من الوعود السياسية العامة التي كثيراً ما كانت تصطدم بالتعقيدات البيروقراطية الأوروبية.

سيناريو الجماعات المتطرفة

أما على المستوى الداخلي المصري، فقد أكدت الوثيقة أن القاهرة كانت تدرك أن انهيار عملية السلام قد يمنح الجماعات الإسلامية المتشددة مادة دعائية قوية، إلا أنها لم تعتبر أن أمن مصر الداخلي يعتمد بالكامل على تطورات الملف الفلسطيني.

وأكدت الوثيقة أن الحكومة المصرية كانت تركز على القضايا اليومية والمعيشية، باعتبارها أساس الاستقرار الحقيقي، وأن فتح المجال أمام التعبير السياسي المنظم سيحدد قدرتها على احتواء التطرف أكثر من أي تطور خارجي مرتبط بالقضية الفلسطينية.

 

وفي المقابل، أظهرت الوثيقة أن بعض دوائر صنع القرار البريطانية في "وايتهول" كانت أكثر تشاؤماً من المصريين حيال مستقبل عملية السلام، فقد اعتقدت تلك الدوائر أن المفاوضات وصلت إلى مرحلة خطرة من الجمود، وأن تدهور الأوضاع الميدانية في الأراضي المحتلة، إلى جانب ما اعتبر عدم استعداد إسرائيلي للتقدم، قد يؤديان إلى انهيار كامل للعملية السياسية.

وأشارت الوثيقة إلى أن لندن كانت تخشى من أن يؤدي تعثر المفاوضات إلى تصاعد موجات التطرف والإرهاب في المنطقة، بما في ذلك داخل مصر نفسها، إلا أن القاهرة، بحسب الوثيقة، ظلت متمسكة برؤيتها القائمة على الصبر الاستراتيجي، معتبرة أن الأزمات المتكررة لا تعني بالضرورة نهاية مشروع السلام.

وفي ما يتعلق بمدينة القدس، نصت الوثيقة على أن بريطانيا كانت تعتبر مسألة مصادرة الأراضي قضية مبدئية، وأن مصر كانت ترى في استمرار الموقف البريطاني الداعم للحقوق الفلسطينية عاملاً مهماً لتعزيز موقع الأنظمة العربية المعتدلة. وأشارت الوثيقة إلى أن القاهرة كانت تأمل بأن تستخدم لندن نفوذها السياسي لدعم الموقف الأميركي ومنع اتخاذ خطوات إسرائيلية أحادية يمكن أن تقوض المفاوضات.

وفي الخلاصة، تكشف هذه الوثائق الدبلوماسية عن رؤية مصرية متكاملة لعملية السلام في منتصف التسعينيات، تقوم على مزيج من الواقعية السياسية والصبر الاستراتيجي، فقد رأت القاهرة أن السلام خيار لا رجعة فيه، وأن الحفاظ عليه يتطلب إدارة دقيقة للتوازنات السياسية والأمنية والاقتصادية، سواء داخل مصر أو في الساحة الفلسطينية.

وتؤكد الوثيقة أن مصر لم تنظر إلى السلام باعتباره مجرد اتفاق سياسي مع إسرائيل، بل كمشروع طويل الأمد يهدف إلى حماية استقرار المنطقة، واحتواء التطرف، وتعزيز الاعتدال، ومنع انهيار النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.

اقرأ المزيد

المزيد من وثائق