ملخص
تشهد أسعار الأضاحي في الجزائر خلال الأعوام الأخيرة ارتفاعاً "جنونياً" غير مبرر، تسبب بجدل بين المواطنين والبائعين أو المربين والحكومة، وفي بعض المرات بلغ الغضب في الأسواق حد الصدام اللفظي، إذ يرجع البائعون أو المربون الأسعار المرتفعة إلى زيادة الكلفة من أعلاف وأدوية وأجور الرعاة، مؤكدين أن هامش الربح بات محدوداً مقارنة بالأعوام السابقة.
مع اقتراب موعد عيد الأضحى، تتصاعد في الجزائر حمى البحث عن أضحية ملائمة من حيث الوزن والمظهر والسعر، لا سيما في ظل عمليات الاستيراد التي أطلقتها الحكومة وتحديد سقف السعر عند 5 ملايين سنتيم، بما يعادل 380 دولاراً، وفي حين يتواصل تفريغ شحنات الكباش في موانئ عدة بالبلاد، تستمر أسعار المواشي المحلية في الارتفاع، مما دفع المواطنين إلى إطلاق حملة مقاطعة.
أسعار مرتفعة وإقبال ضعيف
تشهد مختلف أسواق الماشية مع اقتراب عيد الأضحى حركية كبيرة، وبينما تتنوع السلالات باختلاف مناطق الجزائر تبقى الأسعار النقطة السوداء التي ترهق المواطن في خضم واقع اقتصادي يفرض الدقة في تسيير الموازنة العائلية، مما جعل الإقبال على اقتناء الكباش ضعيفاً مقارنة بالأعوام الماضية.
وعلى رغم أن الأسواق ونقاط البيع المنتشرة داخل كل منطقة بصورة لافتة ممتلئة بأعداد كبيرة من المواشي المحلية، فإن الأسعار تأبى الانخفاض، وتراوح ما بين 90 ألف دينار (680 دولاراً)، و260 ألف دينار (نحو 1900 دولار)، وهي الصغيرة والمتوسطة وزناً، بينما يصل سعر السلالات الكبيرة إلى 360 ألف دينار (2700 دولار).
جدل وصدام لفظي
وتشهد أسعار الأضاحي في الجزائر خلال الأعوام الأخيرة ارتفاعاً "جنونياً" غير مبرر، تسبب بجدل بين المواطنين والبائعين أو المربين، والحكومة، وفي بعض المرات بلغ الغضب في الأسواق حد الصدام اللفظي، إذ يرجع البائعون أو المربون الأسعار المرتفعة إلى زيادة الكلفة من أعلاف وأدوية وأجور الرعاة، مؤكدين أن هامش الربح بات محدوداً مقارنة بالأعوام الماضية.
وبينما يرفض المواطن هذه التبريرات غير المقنعة برأيهم، لا سيما أن الموسم الفلاحي الحالي كان جيداً بفضل التساقط المعتبر للأمطار، والذي لم تشهده البلاد منذ 30 عاماً، مع العلم أن الأعلاف تلقى دعماً من الحكومة في سياق تشجيع قطاع الفلاحة وتربية المواشي، وخصوصاً مادة الشعير التي يستفيد منها المربون بأسعار تفضيلية، تواصل الجهات الرسمية انتقاد الوضع وتتوعد المضاربين والمتسببين في ارتفاع أسعار الأضاحي بالعقاب، غير أن دار لقمان بقيت على حالها لغاية الساعة.
استيراد مليون رأس بـ380 دولاراً للخروف
ومن أجل مواجهة ارتفاع الأسعار أطلقت الحكومة عمليات استيراد الخرفان من إسبانيا ورومانيا وكرواتيا وُصفت بالضخمة، وحددت سقف البيع بـ50 ألف دينار (380 دولاراً)، إذ أعلن الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون مطلع يناير (كانون الثاني) الماضي استيراد مليون رأس من الماشية تحسباً لعيد الأضحى، ووصلت أولى الشحنات إلى ميناء العاصمة الجزائرية خلال الـ26 من مارس (آذار) الماضي، أي قبل شهرين بالضبط من عيد الأضحى المبارك.
ولإنجاح الخطوة، وضعت وزارة الفلاحة منصة رقمية لبيع الأضاحي المستوردة للمرة الأولى في تاريخ البلاد، من طريق تسجيل مسبق يتلقى بعده المستفيد رسالة نصية قصيرة عبر هاتفه الجوال، تُعلمه بتاريخ ومكان التسليم. وأقرت خفوضاً تقدر بألفي دينار، أي 16 دولاراً، عن كل أضحية في حال سُدد الثمن عبر الوسائط الإلكترونية، وذلك لتشجيع التعامل الإلكتروني.
ووصلت خلال الأسبوع الأخير من أبريل (نيسان) الماضي أول شحنة من الأغنام المستوردة، والعملية لا تزال متواصلة، مع إقبال كبير على شرائها، إلا أن أسواق المواشي المحلية تشهد ارتفاعاً في الأسعار وتذبذباً في مستويات الطلب، مما بات يثير تساؤلات حول الجهة التي تسيطر على الأسعار، وقدرتها على مواجهة القرارات والإجراءات الحكومية.
تخفيف الضغط على السوق المحلية ومنع المضاربة
إلى ذلك، أبرز المتخصص في الشأن الاقتصادي الهواري تيغريسي أن "قرار استيراد مليون رأس من الخرفان لا يعد تقليلاً من قيمة أو جودة الخروف الجزائري، بل هو خطوة اقتصادية مدروسة تهدف إلى ضمان تلبية حاجات السوق المحلي، خصوصاً في المناسبات الدينية التي يشهد فيها الطلب ارتفاعاً"، موضحاً أن السلالات الإسبانية والرومانية المستوردة تتمتع بجودة عالية، ولا تشكل تهديداً لمكانة الخروف المحلي، بل تعد إضافة مكملة له في السوق".
وأضاف تيغريسي أن "الهدف الرئيس من قرار الاستيراد هو تخفيف الضغط على السوق المحلية ومنع المضاربة، وتمكين فئات واسعة من المواطنين، وبخاصة ذوي الدخل المتوسط والمحدود، من اقتناء أضحية بسعر معقول وجودة مضمونة، مما يساعد في تحقيق توازن بين العرض والطلب"، مشدداً على أنه "نحن في حاجة إلى مقاربة مرنة تجمع بين دعم الإنتاج المحلي والمحافظة على القدرة الشرائية للمواطن، إضافة إلى الحفاظ على السلالة الجزائرية". وختم بأنه "يجب ألا تظل السوق محتكرة من فئة واحدة، بل يجب أن تكون متنوعة وعادلة، وهذا هو جوهر القرار".
حملة مقاطعة الكباش المحلية
واحتجاجاً على ارتفاع أسعار الأضاحي المحلية، أطلق ناشطون عبر منصات التواصل الاجتماعي حملة وطنية لمقاطعة الكباش المحلية تحت شعار "خليهم يبعبعوا وحدهم"، بهدف الضغط على مختلف الفاعلين في سوق المواشي من أجل خفض الأسعار.
ويطالب أصحاب المبادرة بضرورة تحرك السلطات من أجل ضبط السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، واقترحوا خيار المقاطعة الجماعية إلى حين تراجع الأسعار قبل عيد الأضحى، وبقدر ما تمثل المقاطعة وسيلة ضغط اقتصادية تسهم في إعادة التوازن إلى السوق والحد من ارتفاع الأسعار، فإن تطبيقها على نطاق واسع يبقى صعباً بالنظر إلى الطابع الديني والاجتماعي لهذه الشعيرة الدينية.
مفارقة جزائرية؟
في السياق، أبرز المنسق الوطني للمنظمة الجزائرية لحماية وإرشاد المستهلك فادي تميم أن "الموسم الفلاحي الجيد الذي شهد أمطاراً غير مسبوقة وفرت المراعي والكلأ وكان أحسن من الأعوام الماضية، أدى إلى نتائج عكسية تمثلت في ارتفاع الأسعار وتعنت المربي، إنها مفارقة جزائرية"، موضحاً أن "كثيراً من الموالين يتعنتون في بيع الأضاحي لاعتقادهم أنهم في أريحية من أمرهم، فإذا لم يبيعوا الأضاحي قبل العيد، لن يجدوا صعوبة في رعيها لاحقاً نظراً إلى توافر المراعي بصورة غير مسبوقة". وقال إن "هذا الأمر لا يحدث إلا في الجزائر، ونعتقد أن الأيام الأخيرة ستكون حاسمة في تحديد اتجاه الأسعار".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتابع تميم أن "شراء الأضاحي المستوردة ورفض آخرين اقتناء الكباش المحلية بسبب ثمنها الباهظ، سيكون مؤثراً على منحى الأسعار خلال الأيام المقبلة، لأن ذلك سيؤدي إلى تراجع الطلب"، مضيفاً أن "تراجع الطلب سيؤدي حتماً إلى انخفاض الأسعار، لكن الانخفاض قد لا يكون كبيراً، ومن المرجح أن تبقى الأسعار مرتفعة"، معتبراً أن "أسعار الكباش المحلية لا تزال بعيدة من المنطق على رغم قرار السلطات استيراد نحو مليون رأس، وهو ما يمثل تقريباً ثلث الأضاحي التي تنحر سنوياً في البلاد".
بين الخروف المحلي والمستورد
من جانبه، اعتبر عضو الفيدرالية الوطنية لمربي المواشي محمد بوكارابيلة أن "هناك اختلافات واضحة في الشكل والوزن والتغذية بين الخروف الجزائري والمستورد، مما يؤثر في جودة اللحم وسعره"، مضيفاً أن "مقارنة السلالات الجزائرية بالخروف الروماني أو الإسباني تظهر فوارق واضحة من حيث الشكل والمحتوى، فالخروف الروماني عادة ضخم وطويل الأرجل ويغلب عليه اللون الأبيض أو الرمادي، وله رأس صغير نسبياً مقارنة بجسمه وصوفه كثيف لكنه خشن ويتغذى غالباً على الأعلاف المركبة، أما الإسباني فهو أقل وزناً بجسم متوسط الحجم وصوف ناعم ووجه مدبب، ويُعرف بحركته ونشاطه، بينما الخروف الجزائري وخصوصاً ’أولاد جلال‘ فيتميز بتناسق جسمه ورأسه واضح المعالم ووجهه الأبيض المحاط بدوائر سوداء أحياناً، وصوفه خفيف نسبياً لكنه ناعم، مما يجعله ملائماً أكثر للمناخ الحار، ووزنه يراوح ما بين 45 إلى 70 كيلوغراماً في العادة، ويتغذى على الأعشاب الطبيعية، مما ينعكس على جودة لحمه، إذ يتميز بطراوته ونكهته القوية"، مشيراً إلى أن "لحم الكبش الجزائري معروف بدسامته المتوازنة مقارنة بالروماني الجاف والإسباني الخفيف، ولهذا فإن الطلب عليه محلياً يبقى مرتفعاً وبخاصة في المواسم الدينية". وعدد أهم الأنواع وهي "أولاد جلال" المنتشرة في الهضاب العليا، والتي تُعرف بجودة لحمها وقوة بنيتها، وسلالة "الدمان" في الجنوب التي تتميز بالتحمل والخصوبة، إلى جانب "الرمانة" و"تاعزوت" و"الجبلي" في المناطق الشرقية والغربية.