ملخص
في يوم واحد، شهدت مسابقة مهرجان كان السينمائي (12 ـ 23 مايو "أيار") عرض فيلمين يفصل بينهما اختلاف جذري. وليس المقصود هنا التباين البديهي في الحكاية أو البنية الدرامية، وإنما الهوة العميقة في مقاربة السرد، وفي كيفية توظيف التكثيف الدرامي لقول ما ينبغي قوله بأقل الوسائل. وقد انعكس هذا التباين أيضاً على تلقّي الصحافة الفيلمين، بين من رأى في الأول تحفة سينمائية مكتملة، ومن اعتبر الثاني سقطة يصعب تبريرها.
الفيلم الأول هو ”أرض الأجداد“ للمخرج البولندي المدهش بافل بافليكوفسكي، الذي اعتاد تقديم أفلام قصيرة نسبياً، مشغولة بعناية بصرية صارمة، وغالباً بالأبيض والأسود. أما الثاني فهو ”قصص موازية“ للإيراني أصغر فرهادي، أحد أبرز صنّاع الدراما الإنسانية المعاصرة. وعلى رغم الاختلاف الكبير بين التجربتين، ثمة قاسم مشترك يستحق التوقف عنده: كلا المخرجين ينجز فيلماً بلغة ليست لغته الأم، ويتناول عالماً لا ينتمي إليه بصورة مباشرة. ففيلم بافليكوفسكي ناطق بالألمانية مع حضور محدود للإنجليزية، فيما يغوص فرهادي بالكامل في الفرنسية، إذ تدور أحداث فيلمه في فرنسا، مع ممثلين فرنسيين وحكاية فرنسية خالصة. وهي ليست المرة الأولى التي يخوض فيها هذه التجربة، بعدما سبق أن قدّم قبل أكثر من عقد فيلمه الفرنسي ”الماضي“. ولعلّ هذا الخيار ينسحب على عدد من أفلام الدورة الحالية، بحيث بدا واضحاً ميل عدد من السينمائيين إلى التصوير خارج بلدانهم، وبغير لغاتهم الأم، وأحياناً بلغات لا يتقنونها أساساً، كما هي حال فرهادي الذي لا يتحدث الفرنسية.
في ”أرض الأجداد“، يعود بافليكوفسكي إلى عام 1949 ليقدّم فيلم طريق بطلاه الكاتب الحائز نوبل الآداب توماس مان وابنته إيريكا (الرائعان هانز زيخلر وساندرا هولر). يتتبع الفيلم رحلة عودتهما إلى ألمانيا بعد المنفى الأميركي، في لحظة كانت البلاد قد انشطرت فيها إلى معسكرين: شرق وغرب. وطن واحد صار وطنين، بعدما دمره جنون هتلر وأتت عليه غارات الحلفاء، فيما راحت القوتان المتقابلتان تتنازعان إرث توماس مان، كل يدّعي انتسابه إليه.
يعبر الأب وابنته البلاد بالسيارة من أقصاها إلى أقصاها، في رحلة لا تتوقف إلا كي يعتلي صاحب ”الجبل السحري“ المنابر، ويلقي كلمات إلى شعب خارج لتوه من تحت الركام. يتحدث بثقافته الموسوعية، مستحضراً غوته في كل مناسبة تقريباً، كأنه يبحث في الأدب والفكر والفلسفة عن خلاص أخلاقي لأمة منكوبة، أو عن أمل بإمكان استعادة الوحدة ذات يوم. لكن، هل تجد هذه الكلمات صدى حقيقياً على أرض الواقع؟ وهل ثمة من يصغي فعلاً إلى مان، خارج ذلك الجمهور الجامد الذي ينصت إليه ببرود ثم يمضي إلى شؤونه اليومية؟
من خلال عمل بالغ التقشف والدقة، يعود بافليكوفسكي إلى لحظة مفصلية في التاريخ الأوروبي، لحظة لا تزال أشباحها ترفرف فوق حاضر القارة حتى اليوم. غير أن أهمية الفيلم لا تكمن فقط في موضوعه، ولكن في الكيفية التي اختار المخرج أن يروي بها هذه الحكاية، إذ يبني عمله عبر سلسلة مشاهد تستلهم جماليات السينما الصامتة، مشاهد مشغولة بأقصى درجات الاقتصاد التعبيري، لكنها قادرة على قول كثير بأقل الكلام. ومع فيلميه السابقين ”إيدا“ (2013) و“حرب باردة“ (2018)، اللذين ينتميان إلى المزاج السينمائي نفسه، يبدو كأن بافليكوفسكي يواصل تشييد ثلاثية غير معلنة عن الهوية الأوروبية بعد الحرب. أما أكثر ما يمنح الفيلم فرادته، فهو تلك اللمسات الساخرة واللاذعة التي يمررها بين حين وآخر، حتى لا يتحول العمل إلى مجرد إعادة تمثيل للتاريخ كما نعرفه، بل إلى مساءلة له كما نراه اليوم، بعين الحاضر وقلقه.
"قصص موازية" فيلم إيراني بالفرنسية
وإذا كان بافليكوفسكي يدرك تماماً ما الذي يريد قوله، ويصوغه بأقصى درجات الاقتصاد والبلاغة، فإن ”قصص موازية“ لأصغر فرهادي يشي، على العكس، بشيء من الارتباك. يضع الإيراني كاميراه داخل شقة باريسية تقيم فيها كاتبة (إيزابيل أوبير)، امرأة سكيرة، شبه منسحبة من الحياة الاجتماعية، تمضي وقتها في التلصص على جيرانها. غير أن هذا العالم المنغلق يبدأ بالتشقق مع دخول شاب جديد (آدم بيسا) إلى حياتها، تتعرف إليه ابنة أختها في المترو بعدما يتدخل لإنقاذها من محاولة سرقة. يصل الشاب ليصبح مساعداً للكاتبة، لكن حضوره يخلخل التوازن الذي كانت تعيشه، ويعيد وصل ما انقطع بينها وبين العالم الخارجي، خصوصاً مع إصراره على إتمام الرواية التي توقفت عن كتابتها منذ فقدانها الإلهام.
وإذا كانت ألمانيا قد انشطرت بعد الحرب إلى معسكرين، فإن فيلم فرهادي يقوم بدوره على انقسام آخر، أقل تاريخية وأكثر نفسية: بين من ينظر ومن يُنظَر إليه، بين العين وموضوعها. غير أن هذين الجانبين، بدلاً من أن يظلا في توتر، يميلان تدريجاً إلى التداخل حتى يذوبا بعضهما ببعض، في محاولة لرفع الحواجز بين الواقع والخيال. هذا المسار ينزلق عند فرهادي إلى لعبة قط وفأر سردية، لكنه لا ينجح في ضبط خيوطها بالتماسك الذي عوّدنا عليه في أفضل أعماله.
هذا كله يفتح الباب أمام سلسلة من المفارقات والخدع والخيانات العاطفية، وهي عناصر تتكاثر في أفلام فرهادي حتى تكاد تصبح بصمته. غير أن المشكلة هنا أن هذه التشابكات لا تُقاس دائماً بوضوحها، بل بقدر ما تبدو أحياناً متداخلة ومفتعلة، بحيث يغدو تتبعها مهمة مرهقة على المتفرج.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ننتقل بين شخصيات خرجت من مخيلة الكاتبة، وأخرى تنتمي إلى الواقع. والمخرج، الذي كثيراً ما أظهر براعة لافتة في بناء السيناريوهات المحكمة، يدخل هنا في متاهة لا تترك أثراً انفعالياً قوياً على المتلقي، الذي يتابع الأحداث بنوع من التباعد. هل يعود ذلك إلى كونه خارج أرضه السينمائية المعتادة، أي إيران، واشتغاله في فضاء فرنسي؟ في كل الأحوال، يخطئ فرهادي حين يعلّق كثيراً على أداء الممثلين وحدهم، على رغم حضور أسماء لافتة مثل فيرجيني إيفيرا (التي تسرق الأضواء من الجميع) وإيزابيل أوبير، القادرة على تمرير أكثر الجمل غرابة وإقناعنا بها فوراً، خصوصاً حين تقول جملتها اللافتة رداً على سؤال جارها مهندس الصوت (فنسان كاسيل) في الشقة المقابلة: ”هل تعرف كيف تدخل بطة داخل زجاجة؟ البطة موجودة، والزجاجة موجودة، لكن لا يمكن للبطة أن تدخل زجاجة… هنا يبدأ الخيال“.
غير أن الطامة الكبرى تكمن في استخدام فرهادي موسيقى فيلم ”قصة قصيرة عن الحب” للراحل كشيشتوف كيشلوفسكي، بما يضعف أي ادعاء بالفرادة أو الأصالة، إذ ما إن تعود تلك النوتات حتى تستدعي مباشرة عالم كيشلوفسكي، وكأن الفيلم يستند إلى ذاكرة سينمائية جاهزة أكثر مما يخلق رؤيته الخاصة. وهو ما يجعل هذا الاستحضار، بدل أن يكون تحية، أقرب إلى استعارة ثقيلة الظل لا تخدم أيّاً من الطرفين.