Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المنازل الجاهزة... ملاذ جديد للبنانيين في زمن الحرب

باتت الحاجة إلى مأوى سريع وآمن تفرض نفسها بقوة لتدفع كثيرين نحو خيارات غير تقليدية

مع استمرار نزوح أكثر من مليون لبناني في الأشهر القليلة الماضية برزت هذه البيوت كحل موقت (أ ف ب)

ملخص

مع استمرار الحرب بصورها المختلفة، تحولت "البيوت الجاهزة" إلى "ترند" سكني في لبنان، وعامل جذب للمصطافين في المناطق السياحية. ومع استمرار نزوح أكثر من مليون مواطن لبناني من مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، اقترحت بوصفها حلاً موقتاً للأزمة.

بعد تكرار فصول الحرب في لبنان خلال الأعوام الماضية وتكرار أشكالها والمناطق التي طاولتها، تغيرت ملامح الحياة اليومية لجزء كبير من السكان، إذ لم يعد البحث عن الأمان يقتصر على الملاجئ التقليدية أو النزوح العشوائي، بل دخلت حلول سكنية جديدة على الخط، أبرزها "المنازل الجاهزة" التي تحولت في وقت قياسي من خيار هامشي إلى ظاهرة لافتة.

وفي بلد أنهكته الأزمات المتراكمة، من الانهيار الاقتصادي عام 2019 إلى التصعيد العسكري المستمر حتى يومنا هذا، باتت الحاجة إلى مأوى سريع وآمن تفرض نفسها بقوة، لتدفع كثيرين نحو خيارات غير تقليدية كانت حتى وقت قريب تعد ترفاً أو تجربة سياحية عابرة، أو حتى خيار غير لائق.

 

ومع استمرار نزوح أكثر من مليون لبناني من مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت في الأشهر القليلة الماضية، برزت هذه البيوت كحل موقت يوازن بين الكلفة والسرعة والمرونة، في ظل عجز البنى التحتية والسوق العقارية عن استيعاب هذا الضغط الهائل. إنما المفارقة أن هذه الظاهرة لم تقتصر على بعدها الإنساني، بل كانت تداخلت في الأعوام الماضية مع مشهد سياحي وتحولت أيضاً إلى عامل جذب للمصطافين في بعض المناطق التي بقيت بعيدة كل البعد من الحرب، في مزيج غير مألوف بين الحاجة والرفاه، وبين الضرورة والتجربة.

هكذا، تعكس هذه البيوت وجهاً جديداً للبنان في زمن الحرب، حيث تتقاطع الابتكارات السكنية مع واقع قاسٍ يفرض إعادة تعريف معنى "المنزل".

خيار ذو كلفة مالية محدودة

تمتاز البيوت الجاهزة بأنها خيار ذو كلفة مالية محدودة مقارنة بعملية الإعمار المؤجلة، ولا تحتاج إلى عملية بناء طويلة المدة، ويمكن أن تساعد على استيعاب عدد كبير من العائلات خارج مراكز الإيواء التقليدية. ويتحدث المهندس طارق مزرعاني رئيس تجمع العائلات النازحة من الجنوب عن اللجوء إلى تلك البيوت عقب حرب 2024، وتحديداً في القرى التي لحقت بها أضرار شديدة نتيجة الهجمات الإسرائيلية الشديدة، مشيراً إلى أنه "تم شراء تلك البيوت بصورة فردية وليس ضمن خطة شاملة، وقد تعرضت تلك المنازل أيضاً للقصف مراراً من أجل منع العودة إلى القرى الأمامية".

وقد جاء طرح البيوت الجاهزة خلال الحرب الحالية على لسان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي في لبنان النائب السابق وليد جنبلاط من أجل استدراك أزمة النزوح المتفاقمة وبقاء آلاف العائلات خارج مراكز الإيواء والمبيت في خيم على الطرقات، بعدما نزح قسرياً أكثر من مليون مواطن لبناني ومقيم من موطنهم وأماكن إقامتهم. ويؤكد أمين سر اللقاء الديمقراطي النائب هادي أبو الحسن أن "الطرح من منطلق إنساني وأخلاقي بفعل وجود عدد كبير من الأسر التي تعيش في خيم غير قادرة على حمايتهم من الظروف الجوية القاسية، وهو ما يشكل إهانة للإنسان وكرامته، لأن الأزمة قد تطول"، مضيفاً "نقترح استبدال بالخيام غرف جاهزة، يجب ألا توضع في القرى والمشاعات العامة، وإنما وضعها داخل المدينة الرياضية في بيروت حصراً، من خلال استقدام قرابة 100 منزل".

 

حل مناسب

ما قبل الحرب الحالية والتي سبقتها، تحولت البيوت الجاهزة إلى "ترند" في لبنان، حيث تزدحم المنصات بعشرات الإعلانات عن تلك "الحلول الذكية" التي تراوح ما بين غرف صغيرة بسيطة ومتينة، يمكن اللجوء إليها من أجل الإقامة الموسمية أو تركيبها في الأراضي الزراعية. في مقابل أخرى فيها تصاميم فاخرة وعالية الكلفة، يمكن تركيبها بمقاييس هندسية متقدمة لتأمين راحة عالية وإقامة مليئة بالرفاهية.

أيضاً انتشرت "البيوت الجاهزة" في المناطق السياحية، إذ لجأ إليها أصحاب المنتجعات لتقديم خدمة اقتصادية، تحترم الخصوصية. ويؤكد رئيس لجنة السياحة في بلدية فنيدق عكار شمال لبنان بلال بعريني أن تلك المنازل الجاهزة "نقلة نوعية على مستوى السياحة البيئية في المنطقة، وهي تمتاز بالصلابة، وبالتصميم الجميل والمريح الذي يمكن التحكم به عند الحاجة".

تواصلت "اندبندنت عربية" مع كثير من الحرفيين الفاعلين في مجال تصنيع البيوت الجاهزة في لبنان للتحقق من فاعلية هذا الطرح وقابليته للتنفيذ، ومدى انتشارها حالياً مع استمرار أزمة النزوح بصورة كبيرة، إذ تحدث أصحاب الورش عن الجودة العالية التي يمتاز بها المنتج اللبناني، والمرونة التي يتمتع بها البيت الجاهز.

 

في ورشته الواقعة في العبدة عكار، يسابق محمد خلف الوقت من أجل إنجاز البيوت الجاهزة على أبواب الصيف ومع الطلب المتزايد من قبل نازحين. ويقول "تشكل تلك البيوت خياراً جيداً لعمليات الإقامة الموقتة، ويمكن أن تكون مناسبة لحل جزء من عملية النزوح"، مقترحاً اعتماد غرف صغيرة يسهل نقلها من مكان إلى آخر، التي يمكن أن تضم منامة، وحماماً ومطبخاً صغيراً، ويمكن ضم غرفتين إلى بعضهما بعضاً لاستيعاب العائلات الكبيرة، مشيراً إلى أن "الكلفة الوسطية هي 200 دولار أميركي للمتر المربع بمواصفات عالية عازلة وقوية مضغوطة لمواجهة عوامل المناخ، صيفاً أو شتاء، أي أن الكلفة لا تتجاوز 4 آلاف دولار في أحسن الأحوال، ولا تتجاوز مدة صناعة الوحدة يومين أو ثلاثة"، ويضيف "يمكن تركيبها على أرضية قائمة أو طبقة ثانية فوق مبنى قائم، كما يمكن تلبيس تلك البيوت بالخشب وتركيب سقوف من القرميد". ويلفت الحرفي محمد خلف "كثيراً ما اعتمدت الغرف الجاهزة من قبل ورش البناء والإنشاءات والمكاتب الهندسية، وقد استعملت للإيواء عقب حرب مخيم نهر البارد شمال لبنان عام 2007، وأسهم الحرفيون اللبنانيون في تركيب تلك البيوت الجاهزة في العراق عقب غزو العراق عام 2003.

في الموازاة، تبرز العروض الفاخرة للبيوت الجاهزة "الدوبليكس" (طابقين) التي تراوح كلفتها ما بين 700 و800 دولار أميركي للمتر الواحد، والتي تضم مطبخاً وحماماً مجهزاً بالكامل، وتركيب جدران وأرضيات، وأسقف وإنارة، والتجهيزات الصحية. وحسب العرض الذي كشفته إحدى الشركات، فإن "هذه البيوت الجاهزة مصممة لتكون آمنة ومتينة، وتأتي مع ضمان لمدة 25 عاماً يشمل أضرار المياه والتشربات والأضرار الهيكلية، والصدأ، وتتمتع بضمان مدى الحياة".

العودة أولاً

وعلى رغم كونها حلاً مناسباً في الوقت الحالي، بخاصة مع استمرار الغارات الإسرائيلية، فإن طرح البيوت الجاهزة يثير خلافاً داخل البيئة النازحة، ويفضل كثر العودة إلى القرى المحتلة وعدم البقاء أو تأسيس مساكن في أماكن الإقامة الموقتة. ويلفت المهندس طارق مزرعاني إلى أن "فكرة البيوت الجاهزة غير مرغوب بها لدى كثير من العائلات" و"الأولوية يجب أن تنصب على العودة إلى قراهم، وفي حينه يمكن الحديث عن بيوت جاهزة داخل قراهم وفي أملاكهم، ريثما تنجز أعمال البناء"، مشيراً إلى أن "البيوت الجاهزة ليست بجديدة على الجنوبيين، فقد سبق أن بنيت مجموعات من البيوت الجاهزة عقب حرب 2006، إلا أن الأهالي لم يسكنوها، وتمسك الأهالي بالبناء، واستخدمت تلك الوحدات من قبل البلديات".

ويتحدث عن "ضرورة أن تترافق البيوت الجاهزة مع شبكة بنية تحتية واسعة وصرف صحي، وهو أمر غير متيسر حالياً في الجنوب المدمر. ناهيك بعدم وجود رغبة شعبية في السكن ضمن تلك التجمعات". ويطالب مزرعاني بـ"حلول مستدامة للنازحين التي قد تكون البيوت الجاهزة جزءاً منها، إضافة إلى تسكينهم في مبانٍ شاغرة تمتلكها الدولة، أو بناء مساكن شعبية وقرى نموذجية، ولكن تبقى الأولوية لمنح العائلات النازحة بدلاً للإيواء وبدلاً للمعيشة وقروضاً ميسرة، وترك خيار السكن لهم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حل فعال وموقت

يتعاطى مجتمع المهندسين مع البيوت الجاهزة، بوصفها أحد الحلول الفعالة التي يلجأ إليها المواطن في حال السكن الموقت، وذلك لسرعة تركيبها، وسهولة تجهيز البنية التحتية اللازمة لها، وعدم حاجتها إلى مساحات كبيرة، كذلك فإنها وسيلة عملية لموضوع خدمة الإيواء للمواطنين الذين نزحوا عن منازلهم، إذ يمكن تركيب عشرات الوحدات في مساحات محدودة وبصورة هندسية يسهل الدخول والخروج منها، ويمكن أن يتم تركيبها باستقلالية عن بعضها بعضاً، وبخصوصية تامة حسب ممثل اتحاد المهندسين العرب علي حناوي، الذي يتحدث عن مزايا هذه الوحدات لأنه بالإمكان نقلها إلى أي مكان آخر فور الانتهاء من الخدمة الموضوعة لأجلها، مشيراً إلى أن البيوت الجاهزة تخضع للترخيص مثلها مثل البيوت المبنية، مع تميزها بإمكان نقلها من مكان إلى آخر شرط تحقيق السلامة العامة، من ناحية التركيب والتثبيت والاختيار للمكان المناسب، وتجهيز البنية التحتية الخاصة بها.

من هذا المنطلق، يعتقد حناوي أنه "من الأولى تركيب هذه البيوت الجاهزة إما في أرض خاصة، أو في أرض عامة وفي كلتا الحالتين سيتم إعطاء الموافقة على ذلك من قبل المالك سواء كان فرداً أو بلدية أو مؤسسة عامة أو حتى الحكومة". ويرد على طرح التغيير الديموغرافي الذي رفعه البعض، فيرى في هذا الطرح أمراً مبالغاً فيه، "فالموضوع مرتبط بوجود موقت، ربما تزول أسباب النزوح، وقد برهن النازحون من الجنوب، بأنهم أصحاب أرض، وممتلكات، وبيوت وقصور، وعقارات، وبأنهم لا يبقون في أماكن نزوحهم، بدءاً من اليوم الأول لوقف النار، وفي ذلك أمثلة كثيرة". ويؤكد حناوي تعلق الجنوبي بأرضه، والتمسك بوجوده عليها بغض النظر عن الدمار، و"هو أساس في احتفاظه بكرامته، ويعتبر نفسه عارياً إن وُجد بأي مكان غير أرضه، على رغم الاحتضان الشعبي الذي لقيه في معظم مناطق النزوح".

مسؤولية الدولة

خلقت عملية البحث عن مراكز لتجميع النازحين مشكلة في مناطق مختلفة من بيروت، بما فيها تلك التي يمكن أن تحتضن "البيوت الجاهزة"، كانت البداية مع فشل طرح اعتماد إحدى المساحات الخاوية في مرفأ بيروت لحل بعض جوانب الأزمة التي تثقل كاهل البلاد، وارتفعت أصوات معارضة بخلفيات مختلفة ولأسباب عدة، فلم يتم السير بالمشروع، فيما رفض النازحون في منطقة الواجهة البحرية لبيروت - البيال الانتقال إلى المدينة الرياضية داخل العاصمة أيضاً.

يرحب نائب أمين عام تحالف منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان الدكتور إبراهيم عبدالله بدوره بفكرة البيوت الجاهزة، لأنها أفضل من الخيام المعتمدة، والتي لا تحفظ كرامة النازحين، حيث تواجه العائلات مشكلة في الخصوصية وصعوبة الوصول إلى المرافق الخاصة، ولكن لا يمكن تجاهل الكلفة التي تعجز الدولة عن تغطيتها راهناً.

من جهتها، تلفت الناشطة تالا علاء الدين إلى "ضرورة اعتماد سياسة متعددة الطبقات لمعالجة ملف الإيواء، من ضمنها إنشاء مراكز إيواء في المدن من خلال استخدام البيوت الجاهزة الموقتة، التي يفترض أن تصمم لتوفير سكن آمن، وإعطاء الأولوية للنازحين من القرى التي تعرضت للتدمير بسبب طول أمد الإقامة المتوقعة"، مؤكدة "تركيز عملية الإيواء الحالية في لبنان على الإقامة في المرافق التربوية التي تفتقر إلى الاستدامة".

ترى علاء الدين أنه "لا يمكن الاعتماد على البيوت الجاهزة بوصفها الحل الوحيد لأزمة النزوح، ولا بد من تأمين حلول عدة، بدءاً بإدراج المباني الخالية والمستملكة من الدولة والبلديات، ويجب إدراج المباني الشاغرة وغير المسكونة والمملوكة من قبل الأفراد، لأن نسبتها مرتفعة جداً في المدن، وتقدر بـ20 في المئة ضمن مدينة بيروت". إلى حينه، تتحدث تالا علاء الدين عن واجب الدولة التدخل من أجل ضبط سوق الإيجارات السكنية ومنع الاستغلال، وتحديد سقوف لها، وتطالب بـ"قيام الدولة بدراسة علمية دقيقة لفكرة البيوت الجاهزة من أجل قياس الكلفة، وتحديد عدد المساكن المدمرة والبنى التحتية المطلوبة، والبيوت المطلوب إنجازها سريعاً، والشريحة الواجب منحها الأولوية، بدءاً بالنازحين في الطرقات، ومن ثم في مراكز الإيواء، أي المدارس والمؤسسات المطلوب إعادة تشغيلها".

المزيد من تقارير