ملخص
قد يكون أخطر ما فعله "حزب الله" مع إسرائيل بأنه ساعدها، من حيث لا يريد، على تحقيق أهداف كانت تحتاج إلى عقود كي تفرضها داخل لبنان، فالحزب الذي بنى سرديته على منع إسرائيل من تغيير قواعد اللعبة، انتهى إلى منحها فرصة ذهبية لإعادة تشكيل الواقع اللبناني أمنياً وسياسياً وحتى نفسياً.
انطلقت في الـ14 من مايو (أيار) في واشنطن الجولة الثالثة من المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، على وقع تصعيد إسرائيلي قاسٍ في الداخل اللبناني. وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن أنه يشن غارات جوية على "بنى تحتية" تابعة لـ"حزب الله"، وذلك قبل ساعات من بدء الجولة المحادثات بين البلدين، برعاية أميركية. وقال الجيش الإسرائيلي إن غاراته استهدفت "مستودعات أسلحة ومنصات إطلاق وبنى تحتية تابعة لـ’حزب الله‘ في جنوب لبنان"، في حين أعلن الحزب تنفيذ مكمن بقوة إسرائيلية حاولت التقدم في محيط بلدة حداثا (جنوب)، إضافة إلى هجمات بالصواريخ والمسيرات على قوات إسرائيلية في جنوب لبنان.
وكانت وزارة الخارجية الأميركية أعلنت أن واشنطن ستسهل محادثات مكثفة بين حكومتي لبنان وإسرائيل يومي الـ14 والـ15 من مايو الحالي، بهدف الدفع نحو "اتفاق شامل للسلام والأمن" بين الطرفين، وكان عقد اجتماع سابق في الـ23 من أبريل (نيسان) الماضي.
ويترأس الوفد اللبناني السفير السابق لدى واشنطن سيمون كرم، إضافة إلى السفيرة ندى حمادة معوض، وعن الجانب الإسرائيلي، السفير لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر، وبحسب شبكة "سي أن أن" الأميركية، فإن الوفد الإسرائيلي يضم أيضاً نائب مستشار الأمن القومي، بعدما أضاف الطرفان مسؤولين إلى وفديهما في الجولة المقبلة.
إسرائيل تسيطر على نهر الليطاني
تنطلق إسرائيل إلى المفاوضات وهي عملياً سيطرت على نهر الليطاني (جنوب)، وانتقلت إلى شماله، وذلك بحسب صور وفيديوهات نشرها الجيش الإسرائيلي، في مشاهد توثق تقدمه الميداني، وهذا تحديداً ما كان كثير من المراقبين يحذرون منه ومنذ أشهر، ذلك أن إسرائيل تعمل وفق استراتيجية طبقات تراكمية، تتقدم بهدوء ولكن بثبات، وتحول كل توغل بري إلى "إنجاز" عسكري جديد عبر توسيع نطاق سيطرتها داخل الأراضي اللبنانية، وفرض وقائع ميدانية متدرجة. واليوم تنتقل لمحاصرة مدينة النبطية، وكما فعلت سابقاً مع مدينة بنت حبيل الحاضنة الأهم لبيئة "حزب الله" في الجنوب، وعلى ما يبدو أن أهداف إسرائيل لن تتوقف عند هذا الحد، بل هي تسعى إلى استكمال السيطرة على كامل الجنوب، ليس فقط لأهداف عسكرية، بل لفرض أمر واقع على طاولة المفاوضات الجارية في واشنطن، بحيث تدخل التفاوض من موقع المتحكم بالميدان لا من موقع الباحث عن تسوية.
السلاح... ليس جزءاً من التفاوض
في المقابل، يبدو وكأن "حزب الله" يعمل على إفشال هذا المسار عبر ربط الساحة اللبنانية بمفاوضات الولايات المتحدة وإيران، وإيصال رسالة واضحة مفادها: إذا كنتم تريدون نزع فتيل هذا السلاح، فعليكم التفاوض مع طهران أولاً، لأن قرار الحرب والسلم ليس لبنانياً.
وكان الأمين العام للحزب نعيم قاسم قد أشار إلى أن سلاح حزبه مسألة داخلية لبنانية وليست جزءاً من التفاوض المرتقب مع إسرائيل، وأن مقاتليه سيحولون الميدان "جحيماً" للقوات الإسرائيلية. وفي رسالة مكتوبة وجهها إلى مقاتلي حزبه وبثتها قناة "المنار" التابعة للحزب، قال قاسم "لا علاقة لأحد خارج لبنان بالسلاح والمقاومة، هذه مسألة لبنانية داخلية وليست جزءاً من التفاوض مع العدو"، ودعا الدولة اللبنانية إلى "الانسحاب من المفاوضات المباشرة التي تشكل أرباحاً خالصة لإسرائيل، وتنازلات مجانية من السلطة اللبنانية"، وتابع قاسم "لن نخضع ولن نستسلم، وسنستمر في الدفاع عن لبنان وشعبه مهما طال الزمن، ومهما عظمت التضحيات، وهي أقل من ثمن الاستسلام"، وأضاف "الاتفاق الإيراني - الأميركي الذي يتضمن وقف العدوان على لبنان يكاد يكون الورقة الأقوى لإيقاف العدوان".
شروط متباينة بين البلدين
في السياق تكمن المشكلة الأساسية في المفاوضات الجارية ليس فقط في الجلوس المباشر بين لبنان وإسرائيل، بل في حجم التناقض بين الشروط المطروحة من الطرفين، التي تكشف عن أن الهوة لا تزال أعمق من أن تردم بسهولة، فلبنان الرسمي يتحدث عن وقف كامل لإطلاق النار، وانسحاب إسرائيلي شامل من الأراضي التي تقدمت إليها القوات الإسرائيلية، ووقف الاغتيالات والخروق الجوية، مقابل تعزيز دور الجيش اللبناني وانتشاره، أما إسرائيل فهي تتحرك بمنطق مختلف تماماً، لا انسحاب كاملاً قبل ضمان تفكيك البنية العسكرية لـ"حزب الله" جنوب الليطاني، ولا وقف نهائياً للعمليات قبل الحصول على ترتيبات أمنية صارمة تسمح لها بحرية التحرك إذا شعرت بأي تهديد مستقبلي. وهنا تحديداً تظهر العقدة الكبرى، ذلك أن إسرائيل لا تثق بأن الدولة اللبنانية قادرة وحدها على ضبط الأرض أو منع إعادة بناء قدرات الحزب، لذلك تريد عملياً، لبناناً أمنياً جديداً، يخضع لمعادلات مراقبة وضبط وتفتيش وتنسيق غير مسبوقة. وفي المقابل، يرى "حزب الله" أن أي قبول بهذه الشروط يعني نهاية وظيفته العسكرية وتحويل سلاحه من "ورقة قوة" إلى عبء قابل للتفكيك تدريجاً تحت الضغط الدولي والإسرائيلي.
المفاوضات مهددة بالتوقف
لهذا السبب، تبدو المفاوضات وكأنها تدور فوق حقل ألغام سياسي، فالدولة اللبنانية لا تستطيع الذهاب بعيداً في تقديم تنازلات تمس سلاح الحزب خوفاً من انفجار داخلي، والحزب نفسه لا يستطيع القبول بترتيبات تفقده حرية الحركة أو تحاصره جنوباً، لأنه يدرك أن ذلك سيكون بداية مسار نزع شرعيته العسكرية، أما إسرائيل فهي تعتبر أن أي اتفاق لا يغير الواقع الأمني جذرياً، سيكون مجرد هدنة موقتة تسمح للحزب بإعادة تنظيم نفسه. بمعنى آخر، إسرائيل تريد اتفاقاً ينهي التهديد، بينما يريد الحزب اتفاقاً يوقف النار من دون أن يمس جوهر قوته، وبين هذين السقفين المتناقضين، تجد الدولة اللبنانية نفسها عالقة بين ضغط الحرب وضغط التوازنات الداخلية، في مفاوضات قد تطول، وقد تتوقف، لأن المطلوب من كل طرف هو التخلي عن جوهر ما يعتبره سبب وجوده.
قرارات "حزب الله" دفعت الدولة إلى خيار المفاوضات مع إسرائيل
والمفارقة أن "حزب الله" اليوم يتهم الدولة اللبنانية بتقديم تنازلات عبر الذهاب إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، بينما هو عملياً من دفع لبنان إلى هذه المرحلة، فالحزب الذي ورط الدولة اللبنانية بحربي إسناد غزة وإيران، هو نفسه الذي فتح الباب أمام التصعيد الإسرائيلي والتوغلات والضغوط الدولية التي أوصلت بيروت إلى الطاولة. وكان رئيس الجمهورية جوزاف عون قد قال إن "من جرنا إلى الحرب في لبنان، يحاسبنا اليوم لأننا اتخذنا قرار الذهاب إلى المفاوضات بحجة عدم وجود إجماع وطني"، وأضاف "هل عندما ذهبتم إلى الحرب حظيتم أولاً بالإجماع الوطني؟"، مشيراً إلى أنه "قبل بدء المفاوضات بدأ البعض بتوجيه سهام الانتقادات والتخوين، والادعاء أننا نذهب إلى المفاوضات مستسلمين"، وتابع "انتظروا لتبدأ المفاوضات واحكموا على النتيجة"، وسأل "إلى متى سيظل أبناء الجنوب يدفعون ثمن حروب الآخرين على أرضنا، وآخرها حرب إسناد غزة وحرب إسناد إيران، فلو كانت الحرب تحصل من أجل لبنان لكنا أيدناها، ولكن حين يكون هدف الحرب تحقيقاً لمصلحة الآخرين، فأنا أرفض الحرب تماماً"، لذلك يبدو أن اتهام الدولة بالتنازل محاولة للهرب من حقيقة أكثر قسوة، لولا قرار الحزب تحويل لبنان إلى ساحة مواجهة إقليمية، لما وضعت الدولة أساساً أمام خيار التفاوض تحت النار ومن موقع الضعف. وعليه فإن المفاوضات المباشرة لم تنطلق بين لبنان وإسرائيل من فراغ، ولا جاءت نتيجة تحول مفاجئ في العقيدة السياسية اللبنانية، بل فرضت بفعل المسار الذي قاد إليه "حزب الله" بعد إدخاله لبنان في حربي "إسناد غزة" و"إسناد إيران"، والحزب الذي قدم نفسه، أعواماً، على أنه قوة ردع تحمي لبنان من التفاوض تحت النار، انتهى عملياً إلى دفع الدولة اللبنانية نحو الطاولة نفسها، ولكن من موقع أكثر هشاشة وتعقيداً.
وما يجري اليوم ليس مجرد جلسات تفاوض تقنية حول الحدود أو وقف إطلاق النار، بل تحول استراتيجي في طبيعة الصراع ومسار البلد، ذلك أن إسرائيل استطاعت، عبر الحرب والضغط الميداني والتوغلات التدريجية، أن تنقل لبنان من مرحلة الاشتباك غير المباشر، إلى مرحلة التفاوض المباشر برعاية أميركية، مستفيدة من الواقع اللبناني المنهك سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
والحزب الذي ربط الجبهة اللبنانية بحرب غزة ثم ربط مصيرها لاحقاً بمسار المواجهة الأميركية - الإيرانية، وضع الدولة اللبنانية أمام معادلة قاسية، إما الانهيار الكامل تحت النار، وإما الذهاب إلى تسوية تفرضها موازين القوى الجديدة. وهكذا تحول السلاح الذي قيل إنه يمنع إسرائيل من فرض شروطها إلى الذريعة التي استخدمتها تل أبيب لتوسيع عملياتها العسكرية، وتعزيز حضورها الميداني، ودفع المجتمع الدولي إلى المطالبة بترتيبات أمنية وسياسية جديدة في لبنان، والمفارقة الأهم أن الحزب الذي يعتبر مجرد الحديث عن التفاوض المباشر "تطبيعاً" أو "استسلاماً"، هو نفسه الذي أوصل لبنان إلى هذه اللحظة التاريخية، ذلك أن مسار الحزب، وعلى مدى أعوام، ربط قرار الحرب والسلم إلى جزء من مشروع إقليمي مرتبط بطهران، ويصبح من الطبيعي أن تبحث الدولة اللبنانية عن مسار آخر يحاول وقف الاستنزاف، حتى لو كان ذلك عبر مفاوضات مباشرة مع تل أبيب داخل غرف مغلقة وبرعاية أميركية.
بهذا المعنى، فإن المفاوضات الحالية ليست انتصاراً سياسياً للبنان، بل نتيجة مباشرة لمسار طويل من تآكل الدولة، وتضخم دور السلاح خارجها، وتحويل لبنان إلى ساحة رسائل إقليمية، وما يجري اليوم هو محاولة متأخرة لإعادة القرار اللبناني إلى الدولة، بعدما دفعت البلاد أثماناً باهظة نتيجة حروب لم تكن تملك قرارها الكامل.
"هدايا" الحزب لإسرائيل
وتبعاً للمعطيات السابقة، فإن الحزب الذي رفع، أعواماً، شعار منع إسرائيل من فرض شروطها على لبنان، انتهى عملياً إلى تقديم سلسلة هدايا استراتيجية لها: أرض جديدة تحت السيطرة، وشرعية أوسع لعملياتها العسكرية، وضغط دولي أكبر على الدولة اللبنانية، وفتح باب التفاوض المباشر بين بيروت وتل أبيب بعدما كان الحزب يعتبر مجرد النقاش فيه خيانة أو "عمالة".
وإسرائيل، بدورها، لم تعد تتحرك فقط وفق منطق الرد على تهديد، بل وفق منطق صناعة واقع جديد على الأرض. ومع كل اشتباك، وكل استهداف أو صاروخ يطلق باتجاه أراضيها، وكل ربط للبنان بحسابات إيران، كانت تل أبيب تحصل على ما تريده، أي ذريعة إضافية للتقدم، ومساحة أوسع للمناورة، وقدرة أكبر على القول إن المشكلة ليست في الحدود فحسب، بل في قرار الحرب والسلم داخل لبنان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الحزب "ساعد" إسرائيل على إعادة تعريف أهداف الحرب
والأخطر أن الحزب لم يستطع أن يمنع إسرائيل من التقدم، بل ساعدها على إعادة تعريف أهداف الحرب. في البداية كان الخطاب الإسرائيلي يدور حول إبعاد التهديد عن الحدود، أما اليوم فبات الحديث أوسع، أي نزع السلاح، وإنشاء ترتيبات أمنية، وفرض منطقة عازلة، وربط أي انسحاب كامل بقدرة الدولة اللبنانية على بسط سيادتها على كامل أراضيها. هذا التحول لم يأت من فراغ، بل من فشل الحزب في تقديم معادلة ردع قابلة للحياة، ومن هنا تصبح "هدايا حزب الله" لإسرائيل واضحة، فما تلك الهدايا؟
منح الحزب إسرائيل الذريعة الأمنية، ومع إطلاق الصواريخ الستة الأولى، عقب انطلاق الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، واغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، قال الحزب حينها وبصريح العبارة إن ذلك كان "انتقاماً لإهراق الدم الزاكي للمرشد الأعلى" و"ثأراً" لدم علي خامنئي. وعندما يعلن الحزب أن سلاحه شأن داخلي ترد إسرائيل ميدانياً بأن هذا السلاح لم يعد داخلياً عندما يفتح الجبهة، ويطلق المسيرات، ويستدرج الضربات، ويحول الجنوب والبقاع والضاحية إلى ساحات استهداف.
نموذج غزة
أيضاً قام الحزب بمنح إسرائيل الأرض، فإسرائيل باتت تتعامل مع الجنوب كمساحة عمليات مفتوحة، لا كحدود حساسة يجب تجنبها. وباتت تعتمد على نمط من القصف الجوي والمدفعي ونسف المربعات السكنية، والتجريف بخاصة في مناطق مثل الخيام وبنت جبيل، وأشارت تقارير إلى أنها دمرت ما يقارب 62 ألف وحدة سكنية، كما أن هناك قرى وبلدات سويت بالأرض، وتداول الإعلام خبراً مفاده بأن بلدة رئيس مجلس النواب نبيه بري، تبنين، لم يتبق منها شيء نقلاً عن شهود عيان، وهذا كمثال صغير، لأن الصور والفيديوهات التي يتم نشرها مؤلمة وصارخة لحجم الدمار الذي لحق بالمناطق التي شملها الخط الأصفر، في سيناريو يعيد تكرار ما حصل في غزة، أي سياسة "الأرض المحروقة". وأكد أكثر من مسؤول إسرائيلي أن الجيش يتهيأ لتطبيق "نموذج غزة" في لبنان، وهذا يعكس سياسة إسرائيلية واضحة بإعادة تشكيل الجنوب جغرافياً وأمنياً. وكان رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام قد أكد أن الجيش الإسرائيلي يسيطر حالياً على 68 موقعاً وقرية في جنوب لبنان.
شرعية التفاوض
أضف إلى كل ما سبق فإن "حزب الله" منح تل أبيب الشرعية السياسية للتفاوض من موقع القوة، فبيروت لم تذهب إلى الطاولة لأنها في موقع مريح، بل لأنها محاصرة بين أعمال عدائية إسرائيلية، وسلاح خارج الدولة، هنا تحديداً ربحت إسرائيل لأنها لم تعد تظهر وحدها كطرف ضاغط، بل كطرف يقول للعالم إن أي اتفاق بلا معالجة سلاح "حزب الله" لن يصمد.
الحزب "يعزل" نفسه
في معضلة محيرة منح الحزب إسرائيل فرصة لعزله، هو نفسه، داخلياً وخارجياً، فكلما رفض التفاوض، أو الانصياع لقرارات الدولة والتمرد عليها، والتصرف بفردانية عبر أخذه البلد إلى المجهول، بدا كمن يعارض محاولة الدولة إنقاذ ما تبقى من السيادة، وكلما ربط الحل بإيران أو بالمسار الأميركي والإيراني، بدا كمن يعترف عملياً بأن مفتاح الحرب والسلم في لبنان ليس في بيروت. وعليه لم تعد المعادلة: هل يريد لبنان التفاوض مع إسرائيل؟ بل أصبحت، هل يستطيع لبنان الاستمرار في دفع ثمن "سلاح" لا يقرر وحده متى يبدأ الحرب؟ ولا يستطيع وحده أن يوقف نتائجها؟
في المحصلة، قد يكون أخطر ما فعله "حزب الله" مع إسرائيل بأنه ساعدها، من حيث لا يريد، على تحقيق أهداف كانت تحتاج إلى عقودا كي تفرضها داخل لبنان، فالحزب الذي بنى سرديته على منع إسرائيل من تغيير قواعد اللعبة انتهى إلى منحها فرصة ذهبية لإعادة تشكيل الواقع اللبناني أمنياً وسياسياً وحتى نفسياً، وذلك من خلال ربط لبنان بحروب "محور الممانعة"، وتحويل الجنوب إلى جبهة مفتوحة باسم "الإسناد"، ومنح الحزب إسرائيل الذريعة التي احتاجت إليها للتوغل أكثر، وتوسيع عملياتها، وتحويل سلاحه من قضية "مقاومة" إلى ملف دولي مفتوح تحت عنوان الأمن الإقليمي، والأخطر أنه دفع جزءاً كبيراً من الداخل اللبناني إلى التعامل مع أي تسوية أو ترتيبات أمنية كخيار اضطراري إلى وقف الانهيار والحرب، بعدما كان مجرد طرحها يعتبر محرماً سياسياً.
إسرائيل لم تربح فقط عسكرياً عبر توسيع هامش حركتها داخل لبنان، بل ربحت أيضاً في تفكيك الخطاب الذي حمى الحزب أعواماً، فبدلاً من أن يظهر كقوة تحمي الدولة بدا كقوة تجر الدولة إلى مفاوضات لم تكن تريدها، وتضع الاقتصاد والسيادة والحدود تحت ضغط دائم. وهكذا تحول السلاح الذي كثيراً ما قيل إنه لمنع فرض الشروط الإسرائيلية، إلى أحد أبرز الأسباب التي سمحت لتل أبيب بفرض وقائع جديدة على لبنان.
وهذه هي المفارقة الكبرى، فإسرائيل لم تكن في حاجة فقط إلى قوتها العسكرية لتحقيق أهدافها، بل احتاجت أيضاً إلى خصم يخلط بين الساحة اللبنانية والمشاريع الإقليمية، ويمنحها في كل مرحلة الذريعة والوقت والبيئة المناسبة للتقدم خطوة إضافية داخل المشهد اللبناني. من هنا فإن الحزب لم يمنع إسرائيل من فرض وقائع جديدة، بل سهل لها ذلك، ولم يحم الحدود، بل جعلها قابلة لإعادة الرسم أمنياً، ولم يعزز موقع الدولة، بل دفعها مرغمة إلى طاولة كانت محرمة عقوداً، ولم يحاصر إسرائيل، بل قدم لها أثمن ما تحتاج إليه في أي حرب، الذريعة، والوقت، والمساحة، والغطاء السياسي. وهذا قد يكون أكبر إنجاز إسرائيلي لم تصنعه تل أبيب وحدها، بل صنعه عدوها بنفسه.