ملخص
ترمب يحتاج إلى اتفاقية واضحة بأنها اتفاقية نصر لفريق عمله، ولكن إذا لم تعط القيادة الإيرانية ما يحتاجه من تنازلات فربما سيكون مجبراً أن يقوم بعمليات عسكرية تستهدف مجالات أخرى في الاقتصاد الإيراني مما يزعج موسكو وبكين.
مع استمرار المواجهة السياسية وأحياناً العسكرية بين إيران وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعددت الأسئلة في الأوساط الصحافية والسياسية والأكاديمية حول احتمال أن تقوم روسيا والصين بمساندة طهران ضد الحرب الأميركية، وكان هذا التساؤل يعم المراقبين من ابتداء المواجهة بين إيران والولايات المتحدة في بداية هذا العام.
ومن بين التساؤلات الكبرى هل ستقوم روسيا مثلاً بإرسال أسلحة وذخيرة ومعدات وصواريخ بعيدة المدى إلى إيران لمواجهة أميركا؟ أم أنها ستلتزم بمبدأ عدم التدخل المباشر ضد قوى نووية أخرى؟ ونفس السؤال يطرح في ما يتعلق بالصين، فهل ستقوم بكين بنقل ما تحتاجه إيران لاستمرار مواجهتها مع أميركا على جميع هذه الأصعدة ولا سيما المواجهة العسكرية؟ والسؤال الحقيقي بعمقه هو إن قررت أن تتدخل فكيف؟ وإن قررت أن لا تتدخل فلماذا؟ وهنا الأجوبة المحتملة حتى الآن.
في ما يتعلق بروسيا، بإمكان موسكو أن تمد إيران بما تحتاجه من أسلحة وذخائر ومعلومات وإلكترونيات، إذ إن القرب الجغرافي بين الاتحاد الروسي وإيران، ولا سيما عبر بحر قزوين، أي باستعمال السفن والطائرات، فإن المسافة قصيرة نسبياً لتتمكن روسيا من دعم النظام الخميني، فالسؤال هو لماذا لم تقم روسيا في قمة هذه المواجهة بإرسال المعدات الكبرى، أو حتى يعتقد بعض المحللين بإرسال قوى عسكرية على الأرض. فروسيا لها هذه القدرات ولها مسافات جغرافية ممكنة، أولاً عبر بحر قزوين بشكل مباشر، وثانياً ربما وإلى حد محدود أكثر عبر البحر الأسود فالبحر المتوسط ومنه حول الجزيرة للوصول إلى إيران أم كما يعتقد الآخرون ربما عبر الصين للوصول إلى بحر العرب في الخليج؟ الجواب الأكبر هو أن موسكو تقوم بأعمال كهذه في ظل تواجد وانتشار عسكري أميركي.
إذاً المكان الوحيد الذي بإمكان روسيا أن تستعمله من دون أن يكون هناك صدام مع واشنطن هو بحر قزوين، وهو عملياً ما تفصله عن إيران هي جمهورية أذربيجان لا أكثر ولا أقل، لذلك فإن روسيا قد بدأت بعملية تزويد النظام في إيران بكل ما تحتاجه ولكن ضمن حدود معينة، وهي أي هذه الحدود هي أولاً عدم استفزاز الولايات المتحدة الأميركية بينما روسيا تقوم بحرب في أوكرانيا، وبالتالي فإن المواجهة العسكرية القائمة بين روسيا وأوكرانيا هي التي تمنع روسيا بأن تدخل في حرب على جبهتين، إذ إن المواجهة العسكرية بين موسكو وكييف قوية بشكل وعنيفة بشكل ومستمرة منذ سنوات لا يمكن أن تنقل روسيا قوى واسعة وألوية وأجهزة إلى إيران، لا سيما إذا كانت هناك حاجة أن تكون هناك قوات روسية على الأرض.
هذا الأمر في هذه المرحلة يصعب أن يحصل لأن روسيا لا تريد خسارة الحرب في أوكرانيا، وهناك سبب آخر وهو أن القيادة الروسية ولا سيما الرئيس فلاديمير بوتين لا يريدون أن يخسروا ورقة أن يكون الرئيس دونالد ترمب هو الحكم في الوساطة ما بين كييف وموسكو، فالقيادة الروسية على رغم تصريحاتها الحربية، تريد إنهاء حربها في أوكرانيا، وهو الوسيط الوحيد الذي يعرف أن روسيا لديها مطالب أساسية لإنهاء الحرب، وهي عملياً جزء من الأراضي الأوكرانية في شرق البلاد حيث المتكلمين باللغة الروسية والقرم والساحل المحيط ببحر آزوف الذي يريده الروس كاملاً تحت سيطرتهم لنشر أسطولهم الكبير في البحر الأسود.
روسيا لأسباب عسكرية لا تريد الانخراط في معركة إلى جانب الإيرانيين على الأراضي الإيرانية أو في الأجواء الإيرانية، ولكن هذا لا يعني أن أركان الجيش الروسي لن يرسلوا بالحد الأدنى المطلوب من قبل الإيرانيين، لذلك نرى أن روسيا ملتزمة إلى حد ما مع إيران ولكنها في الوقت نفسه ليست ملتزمة بمواجهة مع الولايات المتحدة.
وآخر نقطة هنا هو المستقبل، فالاتحاد الروسي يريد أن يقوم بإصلاح شامل اقتصادي داخلي وشاءت الظروف أن الرئيس ترمب فكر في مشروع يضم سيبيريا وهي بمساحتها قريبة من مساحة كوكب صغير ومقاطعة أو ولاية ألاسكا في أميركا الشمالية التابعة للولايات المتحدة، وهذا المشروع يمكن أن يصل حجمه إلى 10 أو 15 تريليون دولار وهو رقم لم تحصل عليه الولايات المتحدة في أي من الاستثمارات الأخرى، لذلك فالرئيس بوتين يريد من ترمب أن يلعب دوراً في إنهاء حرب أوكرانيا.
المعروف الآن أن القيادة الأوكرانية وبخاصة الرئيس الحالي هي أيضاً تريد الانتهاء من هذه الحرب ولكن مع الحفاظ على ماء الوجه، فهي تدرك أن الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي يعرف أن أوروبا لن تقف عسكرياً بشكل واضح معها، والحرب طالت جداً، وبالتالي فإن الطرفين في كييف وموسكو يحتاجان إلى الرئيس الأميركي، لذلك في الخلاصة هنا فإنه من المستصعب أن تقوم روسيا بإرسال جيوش والالتزام بحرب مدمرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل في هذا الظرف التاريخي بسبب إيران.
أما الصين، فهي أيضاً ملتزمة باتفاق تعاون استراتيجي مع إيران منذ بضع سنوات، وإيران هي شريكة للصين في المحور القائم في آسيا كما كتبنا في الماضي في "اندبندنت عربية"، والذي يجمع روسيا بالصين وكوريا الشمالية إضافة إلى إيران وإلى حد ما تجارياً مع الهند، الصين ملتزمة بإيران وبشكل علني تقوم بإرسال المساعدات إلى طهران حتى في عز الحرب القائمة.
وقد طرحنا سؤالاً في الماضي حول كيف يمكن للصين أن توصل هذه المساعدات مع وجود عمليات جوية كثيفة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل ومع وجود نوع من حصار بحري للمدن الساحلية والمرافئ الإيرانية على الساحل الإيراني للخليج، والجواب هو أن القيادة الصينية قامت بإرسال عدد كبير من المعدات العسكرية عبر الطيران عبر الجو عبر أفغانستان وباكستان مما أعطى للنظام قدرة على استعمال المساعدات الإضافية، ولكن هناك تطور علم به الرأي العام فقط منذ أسبوع وهو أن باكستان فتحت ستة معابر مع إيران عبر الحدود الشرقية، وبالطبع هذه المعابر لا تقوم بمقام أو بقدرة المرافئ في الخليج العربي، ولكن بمجرد وجود هذه الطرق المؤدية إلى شرق إيران يعتبر ذلك كسراً ولو نسبياً للحصار التي تقوم به الولايات المتحدة ضد الصين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الرئيس ترمب له مشروع ويتفاوض به في هذه المرحلة وبخاصة خلال زيارته للصين مع القيادة الحكومية والحزب الشيوعي، الصين تدعم إيران ولكنها دولة عظمى ولها مصالح كبرى، والدولة التي بإمكانها أن تتعاون مع الصين لتحقيق أهدافها الاقتصادية شاءت أم أبت هي الولايات المتحدة، فالعلاقات المالية وعلاقات المشاريع والتواصل المالي الاقتصادي بين الصين والولايات المتحدة تهم بكين بشكل كبير، فبالتالي الخيار ليس بأن تختار الصين إيران على أميركا أو حتى أميركا على إيران. وما تفعله القيادة الصينية الآن والرئيس شي جينبينغ هو بأن تقوم بمحورين الأول هو إتمام المحادثات مع الرئيس ترمب والتوصل إلى اتفاقيات اقتصادية دولية وهي ضرورية جداً للصين، فلنتذكر أن الجمهورية الشعبية الصينية يحكمها الحزب الشيوعي صحيح ولكن في الوقت نفسه هي الآن تتصرف دولياً وكأنها دولة رأسمالية مصالحها موجودة في القارة الآسيوية وفي أفريقيا وكذلك في أميركا اللاتينية إضافة إلى عدة دول أوروبية.
الصين إمبراطورية اقتصادية ولكنها تحتاج إلى الإمبراطورية المالية الكبرى وهي الولايات المتحدة الأميركية، وما يجري بين الصين وأميركا أو بالأحرى مع إدارة الرئيس ترمب عملياً هو تقاسم الاقتصاد العالمي، وبالطبع تبقى الولايات المتحدة الشريك الأكبر ولكن لا يمكن للصين أن تنمو بحسب نظرتها وأهدافها من دون أن تكون هناك حالة مريحة ما بين الاقتصاد الصيني والأميركي. السؤال هنا، كيف يمكن للصين أن توازي شراكتها مع الولايات المتحدة الأميركية والتزامها بمساعدة إيران؟ ما نراه على الأرض هو الجواب أن الصين في الوقت نفسه ترسل مساعدات عسكرية لا سيما عبر طائراتها الكبرى أو إذا تمكنت أن ترسل هذه المساعدات عبر مرافئ باكستان ومن باكستان إلى الحدود الشرقية لإيران.
ومن ناحية ثانية، تربط شركاتها أي الشركات الصينية مع الشركات الأميركية لإنجاح المبادرات والمشاريع وتطويرها ماذا يعني ذلك بالنسبة لإيران؟ إذا امتنعت روسيا عن مساعدة إيران عسكرياً ولكنها قامت بمساعدة رمزية، فذلك لن يغضب الأميركيين كثيراً، وإذا قامت الصين بعقد صفقات مع الرئيس ترمب وفي الوقت نفسه تقوم بمساعدات محدودة إلى إيران، يعني أن البلدين، روسيا والصين، وكأنهما يقولان لواشنطن إذا وضعتي ثقلاً لإجبار طهران أن تقبل بشروطك فنحن لن نمانع، ولكن إن فشلت بأن تضغطي على إيران لكي تقبل بشروطكم فنحن سوف نقف مع إيران سياسياً ونتابع علاقتنا بك، أي بالولايات المتحدة، اقتصادياً، وهذا يرتد على المعادلة الحربية بين إيران والولايات المتحدة.
الرئيس ترمب يضع ضغطاً متصاعداً على طهران ليجبرها كي تقوم بتنازلات كبرى للولايات المتحدة ولإدارتها بخاصة فتقوم هذه الأخيرة أي إدارة ترمب بعرض ما أنجزه بضغط كبير على الرأي العام الأميركي لا سيما وأن هذا العام هو عام الانتخابات الكبرى للتجديد للكونغرس الأميركي.
ترمب يحتاج إلى اتفاقية واضحة بأنها اتفاقية نصر لفريق عمله، ولكن إذا لم تعط القيادة الإيرانية ما يحتاجه من تنازلات فربما سيكون مجبراً أن يقوم بعمليات عسكرية تستهدف مجالات أخرى في الاقتصاد الإيراني مما أيضاً يزعج موسكو وبكين، وإن قام بضغوط كهذه ستكثف إسرائيل أيضاً ضرباتها في الداخل الإيراني، ومن هنا فستجد إيران نفسها بموقع الخاسر عسكرياً وغير المدعوم دولياً، ولا سيما من حلفائها الاثنين الأساسيين، إذاً ما هي الخطة الإيرانية بهذا الخصوص؟ النقطة الأولى هي أن تقوم إيران بأعمال عسكرية ولكن في الوقت نفسه إيصال رسالة متكررة إلى واشنطن بأنها مستعدة على صفقة، والمعلوم أن ترمب يهمه الصفقات التي تؤدي إلى اتفاقيات تحسن الوضع الأميركي إن كان في الداخل أو في الخارج.
إذاً إيران عندها مفتاح اسمه "أم العروض" يعني تعرض إيران عروضاً معينة وتنتظر وتكسب وقتاً من ناحية أخرى، فإدارة ترمب هي أيضاً تحت ضغوطات لكي تحسم الموضوع مع طهران، وهذا يعني أولاً أن تكون هناك مدة زمنية قد تنتهي قبل الصيف لتسمح هذه المرحلة لإيجاد حل عميق.
الرئيس ترمب يتعرض إلى عدد من الضغوطات أولاً في الداخل الأميركي عبر الكونغرس، وهناك الجاليتان اليهودية والإنجيلية المسيحية وضغطها مهم لأنها جزء لا يتجزأ من الآلة الانتخابية الأميركية، ونحن على مقربة أشهر فقط من الانتخابات النيابية، ومن ناحية ثانية هناك مفهوم أن الولايات المتحدة شعبياً صبرها محدود جداً وبالتالي، الأسابيع الآتية سوف تكون مهمة. فالرئيس ترمب يريد أن ينهي حالة الارتباك إما قبوله لاتفاق شامل متكامل فيربح، أو أن يحسم عسكرياً، وهذا يفتح باب التساؤلات الكبرى التي سنكتب عنها في ما بعد ماذا يعني الحسم العسكري على إيران؟ وإلى أي مدى يمكن اعتبار وجود قوات أميركية على الأرض أو ضرب مواقع إضافية أو كسر الاقتصاد الإيراني أو اقتصاد النظام الإيراني؟ ماذا يعني الحسم العسكري على إيران؟ ليس هناك من جواب واضح حتى هذه المرحلة.
ولإقفال هذا الموضوع نقول إن الأمر الذي ينحسر أكثر فأكثر هو عامل الوقت، ماذا بإمكان القيادة الإيرانية أن تقوم به في عامل الوقت، لا سيما وأنها تعرف أن حلفاءها، لا سيما الصين وروسيا، يعملان نفس الحسابات التي تعرفها إيران، ومن ناحية أخرى، فإن الحسم العسكري ما لم يكن هناك قرار سياسي كبير به، لن ينجح، وهذه خلاصات الموضوع حتى الآن.