Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد 100 عام من العلاقات: السعوديون إلى روسيا بلا تأشيرة

وثائق الأرشيف السوفياتي تكشف عن أولى رسائل التواصل الدبلوماسي بين البلدين

الأمير فيصل بن عبدالعزيز الذي كان يقود آنذاك ملفات السياسة الخارجية السعودية خلال زيارته إلى موسكو عام 1932 (دارة الملك عبدالعزيز)

ملخص

يشمل الاتفاق الجديد جميع أنواع الجوازات، بما فيها العادية، لتصبح روسيا أول دولة توقع معها المملكة اتفاق إعفاء متبادل من التأشيرات لحاملي الجوازات العادية، بما يسمح لمواطني البلدين بالتنقل من دون تأشيرة لمدة تصل إلى 90 يوماً سنوياً لأغراض السياحة والأعمال والزيارات العائلية.

قبل قرن كانت موسكو أول عاصمة تعترف بالدولة السعودية وبالملك عبدالعزيز ملكاً على الحجاز ونجد، واليوم يعود البلدان لفتح حدودهما من دون تأشيرات، بعدما دخل اتفاق الإعفاء المتبادل من تأشيرات الزيارة بين السعودية وروسيا حيز التنفيذ، بالتزامن مع مرور 100 عام على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

الخطوة أعادت فتح صفحات قرن كامل من التحولات السياسية والتقاطعات الجيوسياسية بين الرياض وموسكو، علاقة بدأت باعتراف سوفياتي مبكر بالملك عبدالعزيز، ثم مرت بتباعد طويل استمر أكثر من نصف قرن، قبل أن تعود تدريجاً لمستوى "الشراكة الاستراتيجية".

ويشمل الاتفاق الجديد جميع أنواع الجوازات، بما فيها العادية، لتصبح روسيا أول دولة توقع معها المملكة اتفاق إعفاء متبادل من التأشيرات لحاملي الجوازات العادية، بما يسمح لمواطني البلدين بالتنقل من دون تأشيرة لمدة تصل إلى 90 يوماً سنوياً لأغراض السياحة والأعمال والزيارات العائلية.

وتراهن الرياض وموسكو على أن ينعكس ذلك في زيادة التبادل السياحي والاقتصادي والثقافي بين البلدين.

لكن خلف هذه الخطوة الدبلوماسية الحديثة، يقف تاريخ طويل ومعقد من العلاقات التي لم تكن مستقرة دائماً، إذ اتسمت أحياناً بالتقارب الحذر، وأحياناً أخرى بالتباعد الحاد، وسط تغيرات كبرى شهدها العالم خلال القرن الماضي.

اعتراف سبق الجميع

تعود البداية الرسمية للعلاقات بين السعودية وروسيا لعام 1926، عندما أصبح الاتحاد السوفياتي أول دولة في العالم تعترف بحكم الملك عبدالعزيز على الحجاز ونجد وملحقاتها.

وجاء الاعتراف في مرحلة كانت فيها القوى الكبرى لا تزال تراقب صعود الدولة السعودية الناشئة بحذر، بينما اختارت موسكو اتخاذ خطوة مبكرة حملت أبعاداً سياسية تتجاوز مجرد التمثيل الدبلوماسي.

واتسم اعتراف الاتحاد السوفياتي بالملك عبدالعزيز ملكاً على الحجاز وسلطاناً على نجد وملحقاتها بدرجة من التسرع، خلافاً للمواقف السوفياتية التي عرفت بالتروي والتريث.

ويعود ذلك للاهتمام الروسي المبكر بالمنطقة، ومتابعته لتوجهات الملك عبدالعزيز والدور الذي كان يؤديه في بناء دولة موحدة على أنقاض الكيانات القبلية المفككة.

وعبر وزير الخارجية السوفياتي غيورغي تشيتشيرين عن هذه الرؤية تجاه مشروع الملك عبدالعزيز في انتزاع استقلال وطنه وحماية هذا الإنجاز من القوى المتربصة بالمنطقة، بقوله:

"إن ابن سعود يؤدي أكثر فأكثر دور الموحد والمنظم والمجدد للجزيرة العربية، وتنمو بشخص ابن سعود قوة جديدة غير ملائمة لبريطانيا من حيث الجوهر، لأنها تنشئ تدريجاً جزيرة عربية جديدة وموحدة ومنظمة".

وتكشف وثائق أرشيف السياسة الخارجية السوفياتية، التي اطلعت عليها "اندبندنت عربية"، عن أن المبادرة جاءت من الجانب السوفياتي نفسه، لا نتيجة طلب سعودي أو وساطة خفية.

 

وفي الـ16 من فبراير 1926، سلم القنصل السوفياتي كريم حكيموف الملك عبدالعزيز مذكرة الاعتراف الرسمية التي جاء فيها:

"أتشرف بتكليف حكومتي، بإحاطة جلالتكم علماً بأن حكومة اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية، انطلاقاً من مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، ونظراً إلى احترامها العميق لإرادة شعب الحجاز التي تجلت في مبايعتكم ملكاً، تعترف بجلالتكم ملكاً على الحجاز وسلطاناً لنجد وملحقاتها، وبناء عليه تعد حكومة اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية نفسها في حالة علاقات دبلوماسية طبيعية مع حكومة جلالتكم".

وكان حكيموف، الذي عرف لاحقاً بلقب "الصديق الأحمر للملك عبدالعزيز"، أحد أبرز مهندسي العلاقات المبكرة بين الجانبين، وصل إلى الحجاز رسمياً عام 1924، ثم أصبح أول قنصل عام لبلاده في جدة بعد افتتاح القنصلية عام 1926، ووصفه الملك مراراً بـ"الصديق الأمين".

 

وكان ستالين قد كلفه بمهمة بناء جسور مع الملك عبدالعزيز، انطلاقاً من مصالح موسكو في كسر عزلة بلادها دولياً، وفي الوقت ذاته جذب المملكة الصاعدة بعيداً من النفوذ البريطاني.

وبعد سنوات قليلة، وتحديداً في عام 1930، رفع الاتحاد السوفياتي مستوى تمثيله الدبلوماسي في جدة من قنصلية إلى سفارة كاملة الصلاحيات، ليصبح أول طرف يفعل ذلك في المملكة الناشئة.

مأدبة صنعت تقارباً سياسياً

وفي مايو 1932، وصل الأمير فيصل بن عبدالعزيز، الذي كان يقود آنذاك ملفات السياسة الخارجية السعودية، إلى موسكو على رأس وفد رسمي، في زيارة حملت دلالات سياسية تتجاوز طابعها البروتوكولي، خصوصاً أنها جاءت قبل أشهر قليلة من إعلان توحيد المملكة العربية السعودية رسمياً.

 

وخلال مأدبة استقبال رسمية، ألقى رئيس اللجنة التنفيذية المركزية للاتحاد السوفياتي ميخائيل كالينين خطاباً حمل إشادة لافتة بالملك عبدالعزيز وبمشروعه السياسي، قائلاً إن الشعب العربي استطاع، "بفضل سياسة قائده الشجاعة والرائدة والبعيدة النظر"، الحفاظ على استقلاله الكامل بعد الحرب العالمية الأولى.

وأضاف كالينين أن الاتحاد السوفياتي يتابع "باهتمام شديد" التطور الاقتصادي والثقافي في الدولة السعودية الناشئة، معتبراً أن الصداقة بين البلدين تخدم مصالح الشعبين.

أما الأمير فيصل، فشدد في كلمته على أن زيارته تهدف إلى "توطيد أواصر الصداقة"، معرباً عن أمله في أن تسهم الاتصالات المباشرة في خدمة مصالح الطرفين "بروح الصداقة والإخلاص".

 

نصف قرن من الجمود لم يلغ التواصل

وعلى رغم البداية المبكرة، لم تسر العلاقات السعودية - السوفياتية في خط مستقيم، ومع تصاعد التناقضات الأيديولوجية والسياسية خلال العقود اللاحقة، دخلت العلاقات مرحلة تجميد طويلة استمرت 53 عاماً، قبل استئنافها رسمياً نهاية عام 1990.

لكن تلك القطيعة لم تكن عزلة كاملة.

فبحسب المعلومات التاريخية، شهدت العقود اللاحقة اتصالات متفرقة بين الجانبين. وبين عامي 1955 و1959 التقى الملك سعود سفراء سوفيات في الهند ولبنان، وفي عام 1962 أرسل وفداً رسمياً إلى موسكو برئاسة الأمير فهد بن فيصل الفرحان.

واستمرت الزيارة 23 يوماً تنقل خلالها الوفد بين موسكو وباكو وطشقند، في محاولة لإعادة فتح قنوات التواصل والاستفادة من الخبرات السوفياتية في تطوير الرياض.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي مايو 1974 استقبل الملك فيصل مدير معهد الاستشراق السوفياتي باباجان غفوروف، بينما قاد الأمير سعود الفيصل منذ مطلع الثمانينيات اتصالات سياسية مع موسكو تناولت ملفات إقليمية معقدة، من القضية الفلسطينية إلى الغزو العراقي للكويت، وصولاً إلى مرحلة استئناف العلاقات رسمياً مع نهاية الحرب الباردة.

وتعكس هذه المحطات أن الخلاف الأيديولوجي لم يمنع الطرفين من إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، خصوصاً في الملفات التي فرضت نفسها على توازنات المنطقة والعالم.

من الخصومة إلى "أوبك بلس"

ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، دخلت العلاقات بين الرياض وموسكو مرحلة مختلفة، انتقلت فيها من الحذر السياسي إلى البراغماتية الاقتصادية.

وبرز ذلك بصورة أوضح مع تأسيس صيغة "أوبك بلس"، التي جمعت السعودية وروسيا في إطار تنسيق نفطي غير مسبوق بين "أوبك" ومنتجين من خارجها، في محاولة لإدارة أسواق الطاقة العالمية وتقلبات الأسعار.

وفي السنوات الأخيرة، توسعت العلاقة إلى ملفات الاستثمار والسياحة والتنسيق السياسي والطاقة إلى جانب تعاون متزايد داخل المحافل الدولية.

 

وقال السفير الروسي لدى السعودية سيرغي كوزلوف إن العلاقات بين البلدين "قطعت خلال الأعوام الـ100 الماضية مساراً طويلاً زاخراً بالمنجزات"، مضيفاً أن الشراكة الحالية وصلت إلى "جوهر الشراكة الاستراتيجية".

وأشار إلى أن زيارة ولي العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز إلى موسكو عام 2003، ثم زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى السعودية عام 2007، شكلتا "نقطتي تحول" في العلاقات الثنائية.

كما لفت إلى أن السياحة الدينية أصبحت أحد الجسور الجديدة بين البلدين، مع قدوم نحو 25 ألف مسلم روسي سنوياً لأداء مناسك الحج، وعشرات الآلاف لأداء العمرة.

ذاكرة المئوية

وفي أبريل الماضي، أقامت وزارة الخارجية الروسية، بالتعاون مع دارة الملك عبدالعزيز، معرضاً للصور والوثائق التاريخية في موسكو بمناسبة مرور 100 عام على تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

واستعرض المعرض محطات مختلفة من تاريخ العلاقة السعودية - الروسية، منذ الاعتراف السوفياتي المبكر وحتى مرحلة الشراكات الحالية.

وقال السفير السعودي لدى روسيا سامي السدحان إن الاحتفاء بالمئوية لا يقتصر على استعادة الذاكرة التاريخية، بل يمثل "تمهيداً لمرحلة جديدة من الشراكات الاستراتيجية" بين البلدين.

من جهته، كشف نائب وزير الخارجية الروسي غيورغي بوريسينكوف عن ارتفاع وتيرة الرحلات الجوية بين البلدين، إذ سجلت الرحلات الروسية إلى المملكة نمواً بنسبة 42 في المئة خلال عام 2025، بينما زادت الرحلات السعودية إلى روسيا بنسبة تجاوزت 35 في المئة.

وشهدت السياحة بين السعودية وموسكو نمواً ملاحظاً، ففي عام 2024، بلغ عدد المواطنين السعوديين الذين زاروا موسكو 52.4 ألف سائح، مقارنة مع 9300 زائر في عام 2023، مسجلاً بذلك زيادة قدرها 5.7 ضعف.

وعلى امتداد قرن كامل، تحولت العلاقة بين الرياض وموسكو من اعتراف دبلوماسي مبكر في مرحلة تأسيس الدولة السعودية، إلى قطيعة فرضتها الحسابات الدولية، ثم إلى شراكة سياسية واقتصادية تتقاطع فيها الطاقة والاستثمار والتوازنات الجيوسياسية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير