Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كتاب فرويد "قلق في الحضارة" يتجدد في الزمن الرقمي

استعادة مختلفة للعالم النفساني في ذكرى ولادته على ضوء الاضطرابات الراهنة

فرويد في الزمن الرقمي (غيتي)

ملخص

في الذكرى الـ70 بعد الـ100 لميلاد سيغموند فرويد تتجسد رؤيته إلى القلق الحضاري على نحو يصعب الفكاك منه. كأن العالم يبدو في حال عصاب جماعي، وكأن التقدم التكنولوجي لم يكن إلا قناعاً يخفي وراءه غرائز مكبوتة، سبق أن حذر عالم النفس الأشهر، من انفجارها في وجه المدنية.

نحن لا نقلق لعارض طارئ، بل لأننا "متحضرون" بامتياز، إذ قامت الحضارة على مقايضة غير متكافئة: منحتنا النظام والرفاه، مقابل تشذيب الحواس، وبقدر ما شيدت صروح التقدم، خلفت إنساناً مأزوماً ومنكسراً، يرزح تحت وطأة شعور دفين بالذنب، ويتأرجح بين نداء الطبيعة وإملاءات الثقافة.

من هنا لم يعد القلق شعوراً موقتاً ينتهي بزوال محركه، بل صار الهواء المسموم الذي نستنشقه ليل نهار، مبرهناً أن "نزعة العدوان" الكامنة فينا كانت تتحين الفرصة للتحرر من عقالها وأن نبوءة فرويد في شأن تحول أدوات رفاهيتنا إلى مصدر شقائنا، تحققت بالفعل بعدما بات القلق الرفيق الدائم لمسار التمدن.

تسليع الدونية

في كتابه "ملاحظات حول كوكب متوتر"، ينبهنا مات هيغ إلى الكيفية التي صمم بها العالم الحديث لجعلنا نشعر بالعجز والقلق الدائم، معتبراً أن "الكوكب المتوتر" هو انعكاس لأفراد متوترين. يرى هيغ أن وفرة الخيارات (في التسوق، الترفيه، وحتى العلاقات) لا تمنحنا الحرية، بل تصيبنا بـشلل القرار. فكلما زادت الخيارات، زاد القلق من اتخاذ القرار "الخاطئ"، مما يجعلنا في حال ندم استباقي وقلق دائم من أن نفوت شيئاً أفضل. يشرح هيغ كيف يزدهر الاقتصاد عبر إقناعنا بأننا "لسنا كافين". الرأسمالية تحتاج إلينا قلقين حيال مظهرنا، صحتنا، طريقة معيشتنا، لأن الشخص المكتفي بذاته هو العدو الأول للاستهلاك. وحتى تظل العجلة دائرة، يتم اختراع مشكلات جديدة لتسويق حلول جديدة. بهذا يتحول القلق إلى مورد رائج في آلة الاقتصاد. بواسطته تباع الرفاهية كحل سريع لأي قلق يستجد، فيما يسميه ويليام ديفيز "صناعة السعادة". في تلك الدائرة المحكمة، ينجح النظام - كما يؤكد مارك فيشر في كتابه "الواقعية الرأسمالية" - في تفريد القلق، أي إعادة تعريفه كخلل شخصي يعالج بالاستهلاك، ليلتقي مع "قلق المكانة" عند آلان دو بوتون، بحيث يدفع الفرد لقياس قيمته بما يملك في سباق لا ينتهي لتفادي الدونية.

يستثمر "اقتصاد القلق" إذاً، شعور النقص لتحريك رغبة الاستهلاك، من صناعة التجميل التي تضخم هواجس الجسد وتعد بما لا يمكن تحقيقه، إلى منصات التواصل التي تغذي الخوف من "تفويت الفرصة". وحتى في العلاجات، يعاد تعريف القلق الناجم عن هشاشة بيئة العمل، كاختلال فردي، مما يفتح أسواقاً للتشافي. لهذا يراد من القلق أن يستمر، لأن الحقيقة تظل قائمة: لا يمكنك ملء ثقب في قلبك بهاتف جديد، أو بتحديث حالة، أو بشراء شيء لم تكن تعلم بوجوده قبل 10 دقائق.

النكوص إلى الطفولة

يمر العالم بالفعل بحالة "عصاب جماعي"، ففي مواجهة الحروب وتوحش أسلحة المواجهة، يمارس العقل "نكوصاً" نحو الطفولة، بحثاً عن "الأب السلطوي" القادر على إنقاذنا من الفوضى.

يبدو أن كل تقدم تقني لم يكن في جوهره إلا ابتكاراً لـ"حادثته" الخاصة، فإذا كان اختراع القطار، كما يذكر بول فيريليو، هو اختراعاً ضمنياً لكارثة التصادم، فإن الطاقة النووية لم تكن إلا اكتشافاً لإمكان الفناء الشامل الذي يلوح به اليوم قادة يملكون من الترسانة أكثر مما يملكون من "الأنا الأعلى" الرادع. لقد استغنى العالم عن رصانته، لتتحول الساحة الدولية إلى "عيادة فرويدية كبرى"، تمارس فيها البشرية "نكوصاً" جماعياً نحو طفولة العقل، حيث يرتد الإنسان المذعور من وطأة الواقع إلى انتظار "معجزة" تنشق عنها قبة السماء، أو "زعيم" يبرز من غمام الأزمات ليعيد ترتيب الفوضى بضربة قدر.

ومع تصاعد أزمة المناخ، استشرى فينا قلق من نوع فريد، فبينما كان فرويد يرى في الطبيعة قوة غاشمة يتعين على الحضارة إخضاعها، وجدنا أنفسنا ضحايا لهذا "الانتصار" الموهوم، ربما لأن الإنسان لم يكن ليتخيل أن ترد له الطبيعة الأم، الصاع صاعين!

كائن بلا خصال

على نحو أكثر رعباً، أفرز العصر الرقمي نوعاً مميتاً من القلق لم يكن لفرويد أن يتخيله، ففي عالمه، كانت الخصوصية هي التربة الخصبة التي ينمو فيها اللاوعي، بمخابئه السرية ورغباته المسكوت عنها. أما اليوم، فنحن نعيش طغيان الشفافية الرقمية، حيث اندفع الإنسان نحو بوح قسري، يدون أدق تفاصيل حياته ويعرضها على المشاع، مما قد يفضي إلى تجفيف منابع اللاوعي. فإذا كان كل شيء معروضاً ومباحاً، فماذا يتبقى للأحلام لترميزه؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لقد استولى البوح على مساحات الغموض التي كان يقتات عليها التحليل النفسي، محولاً الإنسان المعاصر إلى كائن مسطح بلا أقبية سرية، وعار تماماً أمام تكنولوجيا حولته إلى مجرد جزء من العرض اليومي.

ولعل أخطر ما في هذه 'البانوراما' هو السقوط في فخ المقارنة، حيث توضع عثرات حياتنا العادية وتفاصيلنا اليومية الرتيبة في مواجهة المشاهد 'المصنعة' والمختارة بعناية للآخرين، مما يولد شعوراً مزمناً بالدونية، وزيفاً يوهمنا بأن الجميع يعيش حياة أكثر امتلاءً وسعادة منا، بينما نحن وحدنا من يتجرع مرارة العادي. إننا نتصفح "سنابات" الأصدقاء في رحلة سياحية ونحن عالقو في زحام السير، وهذا الصراع يحرمنا من تذوق ما بين أيدينا فعلاً.

كائنات معلبة

مع بزوغ فجر الذكاء الاصطناعي، التهم القلق ما تبقى من كياننا، بدأ الأمر برعب فقدان الوظائف، وانتهى بالخضوع لأنماط غبية تقدس المتوسط الحسابي، وتقف بليدة أمام لذة الانحراف عن المألوف. إنه القلق الناجم عن صناعة التنميط وترويض الفرادة، تلك الفرادة التي جعلت 'فان غوخ' يصب جنونه الملون في 'ليلة مرصعة بالنجوم' دون أن يأبه لرضا الجمهور، ودفعت 'بروست' ليعتكف في غرفته الفلينية بحثاً عن الزمن المفقود تحت مجهر الذاكرة. واليوم، تعمل الخوارزميات كمقصات غير مرئية، تهذب كل شطحة خيال لا تتوافق مع ذائقة القطيع. إننا لا نقلق لأننا مهددون بالطرد من وظائفنا فحسب، بل بالأحرى من حقنا في "الخطأ الجميل" والتعثر الإنساني الذي سيظل دائماً المنبع الحقيقي لكل إبداع عظيم.

من هنا، لا تبدو الذكرى الـ70 بعد المئة لميلاد سيغموند فرويد - من طقوس قطع كعكة الميلاد في متحف لندن بحضور حفيدته إيما فرويد، إلى استعادة نبض البدايات في "بريبور"، وصولاً لتتبع اغترابه في وثائقي "غريب: فرويد" - مجرد احتفاء بعقل متفوق غادر عالمنا، بقدر ما هي اعتراف مذهل بقدرته الفريدة على الغوص في سحيق النفس البشرية، والقبض على تلافيف قلقنا المزمن حتى بعد رحيله بأكثر من 80 عاماً. إن استمرار حضوره اليوم يبرهن على أن فرويد لم يكتب نظرياته لزمنه الفيكتوري فحسب، بل صاغ شفرة عابرة للعصور، تزداد وضوحاً كلما تقدم العالم للأمام وزادت الفوضى. ويبقى ظله ممتداً بوقار فوق أريكة الحاضر، ليهمس في آذاننا المتعبة، بأن كل نوافذ التحديثات المفتوحة على شاشاتنا لم تمنحنا ذرة من الطمأنينة، بل ضاعفت التقلصات أسفل المعدة، تلك النفضة المباغتة التي نسميها القلق.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة